Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا

لنا (35) ألف سفير

صحيفة السوداني

أحمد المصطفى إبراهيم


خبرٌ لم يُصفِّق له أهله، هو جامعة أفريقيا العالمية تفوز بجائزة الملك فيصل العالمية. ما عرفنا الطيب صالح إلا بعدما جاءنا أدبه من خارج السودان. وأشياء جميلة في سوداننا لا نعرفها إلا بعد أن يلفتنا إليها الخارج، واليوم ها هي جائزة الملك فيصل تقول لنا ما معرفتكم بجامعة أفريقيا؟
 لنعرف أولاً بجائزة الملك فيصل أنقله إليكم من موقع الجائزة.
(أطلقت مؤسسة الملك فيصل الخيرية جائزة الملك فيصل التي مُنحت للمرة الأولى في العام 1399هـ/1979م لمكافأة الأفراد والمؤسسات على إنجازاتهم الفريدة في خمسة أفرع مُختلفة هي خدمة الإسلام، والدراسات الإسلامية، واللغة العربية والأدب، والطب، والعلوم. وتهدف الجائزة إلى خدمة المُسلمين في حاضرهم ومُستقبلهم وحثِّهم على المُشاركة في كل ميادين الحَضَارة، كَمَا تَهدف إلى إثراء الفِكر الإنساني والمُساهمة في تقدم البشرية. ويتم اختيار الفَائزين بالاستناد فَقط إلى مَدَى أهليتهم وجَدارتهم المُطلَقة، كما تَقُوم لجان اختيار مُتخصِّصة بمُراجعة أعمالهم بدقّةٍ، وتتبع عملية اختيار الفائزين الدّقيقة مَعايير دوليّة، حتى إنّ عدداً كبيراً من الفائزين بجائزة الملك فيصل حصلوا بعدها على جوائز مرموقة أُخرى، مثل جائزة نُوبل).
كثيرون يعرفون جائزة نُوبل وينتظرون أخبارها لمن مُنحت؟ وكثيراً ما شكّك بعض الناس في سبب منح بعض الفائزين وعلاقة الفوز بالموقف من إسرائيل وربما كان سبب فوز بعض العلماء رضاء إسرائيل عنهم وترشيحها لهم مِمّا قلّل من قيمة الجائزة مرات عديدة.
لكن جائزة الملك فيصل لم نسمع بمن شكّك في فائز بها. أو انحرافها عن المعايير العلمية.
عددٌ من العلماء والمُفكِّرين السُّودانيين نالوا الجائزة ولكننا اليوم أمام مُؤسّسة تعليمية خدمت الإسلام والمُسلمين تلكم هي جامعة أفريقيا العالمية التي نالت الجائزة في خدمة الإسلام لجُهُودها في خدمة الإسلام وتعليم أحكامه ونشر اللغة العربية في أفريقيا وإيواء عشرات الألوف من الطلاب والطالبات ومُساهمتها في تعميق الأصالة العربية والإسلامية وإشاعة الوعي وتعليم قيم الدين الإسلامي وتوسيع نطاقها المَعرفي والثّقافي وانتشار كُليّاتها العلمية في أنحاء العالم الإسلامي (17 كلية) وإنشائها مراكز مُتخصِّصة في خدمة العمل الإسلامي.
جامعة أفريقيا مكسبٌ وطنيٌّ كبيرٌ ونجحت في الكثير الذي فشلت فيه الجهات المُتخصِّصة (كأنِّي أُريد أن أقول الدبلوماسيين، ولكني خشيت التعميم) والجائزة شهادة تزكية لها وتأكيد لعالميتها وتدل على وسطية الجامعة واعتدالها، ولكن ما لا ينكره أيِّ مكابرٍ مخرجات الجامعة المُنتشرة في كل بقاع العالم، وما أفريقيا إلا اسمٌ فقط حيث بها طلاب من كل أنحاء العالم.
إلى متى ننتظر تثمين أشيائنا ليأتي من الخارج؟ لِمَ لا نقول للمُتميِّز أحسنت ونبارك ونشد على يده ليزيد تجويداً؟ هذه الجائزة لكل من يعمل في جامعة أفريقيا، جميع الكوادر والقيادات.
كتبت يوماً عن منظر الجامعة، وها أنا اليوم أكتب عن جوهرها الذي كشفته الجائزة. أخي وصديقي الدكتور حمد العاصم وهو سعوداني الجنسية (أرجو من المُصحِّح  تركها هكذا سعوداني) فهو سعودي يحب السُّودان وأهله، وله أيادٍ بيضاء كثيرة عليه، حفظه الله، صَرَاحَةً هو من أصرّ على الكتابة بمُناسبة الجائزة.
أما العنوان الـ (35) ألفاً هُم خريجو هذه الجامعة، وهم سفراء السُّودان الذين لا يتقاضون رَواتب بالدُّولار.

March 27th 2019, 5:02 am

سلسال الدم

صحيفة السوداني

 الدكتور مُحمّد علي عبد الجابر

كان صديقي العزيز ودفعتي العميد علي عبد الرحمن يَعيب عليّ مِراراً وتكراراً استقطاعي لجُزءٍ عَزيزٍ من وقتي لمُشاهدة المُسلسلات المصرية وذلك إبان عملنا سوياً بجوازات البحر الأحمر، وكان يرى في ذلك مَضيعةً للوقت، ويُمازحني بين الزملاء ويُحذِّرهم بأن لا يبحثوا عني في الفترة من السابعة إلى الثامنة مساءً مواعيد المسلسل, ورغم تحفظ أخي العميد علي وبَعض الزُّملاء، ظَلّت عَادَة المُشاهدة ولم تُفارقني، بل أصبحت أكثر قُرباً وتَشبُّثاً بدافع أنّ الدراما تَجسيدٌ نَابضٌ للواقع الاجتماعي وتَوثيقٌ للأحداث العَظيمة، ومَدَى تأُثيرها على مسيرة التاريخ، وفوق هذا وذاك فإنّ فكرة المُشاهدة قائمة على استقاء فكرة أو مجموعة أفكار باعتبار أنّ الدراما مَصدرٌ من مَصادر المَعرفة تُعنى بالسلوك الإنساني مدى استجاباته لغرائز الخير والشر وتَعَاطِيه مع (مُحرِّضات) هذه الغَرائز من عواطف ووجدان تَتَشكّل عليها المَواقف, ومن خلال صراع الخير والشر فإنّ الدِّراما تَصدر أحكامها بالإدانة على زيدٍ، وبالثناء على عبيدٍ عشماً في تعديل (الصُّور المَقلوبة) في سلوك الناس، فَضْلاً عن أنّ عَرض فضائل النّاس ومَواقفهم الخيِّرة والعظيمة هَو الذي يَحمل النّاس لمَنَصّات الرّمزية التي يلتف حولها الناس ويفدونها بالروح والدم.
تمشياً مع هذه المُقدِّمة تابعت خلال الأيام القليلة السابقة بشغفٍ وانتباهٍ عالٍ، مسلسلاً مصرياً بعنوان سلسال الدم تَمّ تناوله في خمسة أجزاءٍ في غاية من الروعة والإبداع والقيمة الفنية التي جعلت المسلسل جديراً بالمُشاهدة، وجَعلت المُشاهد مَصلوباً أمَام الشّاشة يَتَعَايش بكل وجدانِهِ مع أحداث المُسلسل التي دَارَت أحداثه في الصعيد المصري، وكان موضوعه مجريات الأمور بعد انهيار النظام وكيف كانت الرؤية التي اختزلت الوطن كلّه في ثُلةٍ من الإجراءات والأفراد، وكَيف كَانَ النَّهم والشّره والانتهازية الصّارخة وبرؤيةٍ أحاديةٍ غلّبت المَصلحة الشّخصية على مصلحة الوطن، وكأنِّي بكاتب القصة يُصوِّر مُجمل الصراع السِّياسي في بلادنا العربيّة بذات عقلية الصراع للثأر من الآخر في الصعيد المصري، وكَيف تَبدو شَخصنة القَضايا العَامّة والتي تَبرز من خلالها رُوح الانتقام والانتصار للذّات على حِسَاب القيم الأصيلة التي كَانَ من المُفترض أن يقوم عليها الصِّراع السِّياسي ببُعده الحضاري والإنساني وحتى لا يختفي الدافع الأساسي للصراع وهو الوطن ومصلحته.
وإن لم يكن هَدَف هَذا المَقَال التّعرُّض لتفاصيل المُسلسل وهي مُتاحة بالطبع للجميع، إلا أنّ الوقوف على مُؤشِّراته العَامّة هو الذي يخدم مقالنا.. فقد أدار المُخرج القدير مصطفى الشال صراعاً نَشَبَ بين أسرتين في الصعيد تقوّى إحداهما بالسُّلطة وحوّل الصراع الى صراع شخصي امتد من المُتصارعين الى الأبناء والأحفاد سلسالاً من الدم والثأر, اختطفت القضية من مسارها العام للمسار الخاص, وغاب الوطن بكل عُنفوانه، لأنّ الصراع لم يتّخذ سبيله المعروف والمُتّفق عليه بين كل الشعوب.

March 17th 2019, 4:46 am

تلغرافات السبت

صحيفة السوداني

 

فتح الرحمن الجعلي


* إلى سعادة الفريق أول شرطة الطيب بابكر فضيل: لعلكم شاهدتم الفيديو المنتشر في مواقع التواصل الاجتماعي الذي يوضح لقطة لدخول قوة من الشرطة أحد ميادين البراري وما صحبه من تعليق استفزازي وتحد للمواطنين.
كثيرون نسبوا التعليق لأحد أفراد القوة؛ رغم أنه من الممكن أن يركب الصوت مع الصورة.
ليتكم توضحون الأمر على النحو الآتي:
إما فعلاً هذا تعليق أحد أفراد الشرطة، وهذا سلوك فرد لا مؤسسة؛ وسيحاسب بعدالة كاملة بلا إفراط ولا تفريط.
أو ليس لأحد افرادكم، فصححوا الأمر، ولاحقوا من تعمد إساءة سمعة الشرطة.
أخي: ستظل شرطتنا رمزاً من رموز عزتنا لا ينقص قدرها تصرف فرد ولا كيد عدو، ولو بدر هذا الأمر من أحد افرادكم فإنه لن يعدو أن يكون تصرفاً فردياً في لحظة حماسة عسكرية، لكن مواجهة الإعلام الكيدي بالإعلام التوضيحي أمر مهم للغاية – سعادتك - حتى لا تهتز صورة مؤسساتنا العظيمة.
* إلى من يهمهم الأمر:
لاحظت أن الخطاب السياسي في بلادنا يشهد تدهوراً مريعاً على كافة الأصعدة، كما لاحظت أن المنابر لم تعد لها مؤهلات تقدم صاحبها الصفوف فكل من يستطيع الكلام يمكنه أن يفتئ في كل الشؤون، وهذا لعمري من الأشياء التي ستدفع البلاد ثمنها غالياً.
هذا الأمر لعله مصداق قول حبيبنا - الكريم صلى الله عليه وسلم-: "سيأتي على الناس سنوات خداعات يصدق فيها الكاذب ويكذب فيها الصادق ويؤتمن فيها الخائن ويخون فيها الأمين وينطق فيها الرويبضة. قيل: وما الرويبضة؟
قال: الرجل التافه يتكلم في أمر العامة".
* إلى أخي العزيز الأستاذ فتح الرحمن النحاس: واضح أن يراعك أصبح يفعل الأفاعيل في مخالفيك؛ فاتجهوا لحرب الإشاعة.
هذا ما يسميه العسكريون (الضرب المؤثر).
إشاعة محاولة اغتيالك وما صاحبها من صورة لرجل ملطخ بالدماء، دليل على أن مخالفيك أفلسوا فعجزوا عن مواجهة الحقيقة بالحقيقة فلجأوا لمواجهتها بالكذب.
أطال الله عمرك في طاعته ومتعك بالصحة والعافية وسدد رمي قلمك.
عوافي يا أبو الرجال.
*إليكم:
قل للخليفة ذي الصنيعة والعطايا الفاشية
وابن الخلائف من قريش والملوك العالية
إن البرامكة الذين رموا لديك بداهية
صفر الوجوه عليهم
خلع المذلة بادية
فكأنهم مما بهم
أعجاز نخل خاوية
عمتهم لك سخطة
لم تبق منهم باقية
بعد الإمارة والوزا رة والأمور السامية
ومنازل كانت لهم
فوق المنازل عالية
أضحوا وجل مناهم
منك الرضا والعافية
شعر: خالد بن يحيى البرمكي

March 9th 2019, 4:22 am

الحِراك الحالي وأولويات المساومة: تعليق على مقالة السفير خالد موسى

صحيفة السوداني



عمّار مُحمّد محمود

(1)
انشغل الفكر السِّياسي، ولا يزال، بدراسة الأسباب التي تحمل شعباً ما وفي مرحلة مُعيّنة على الاحتجاج والثورة بشأن الأوضاع القائمة، وفي ذلك ذهبت التّحليلات إلى مَنازع عديدة؛ بين من يرجع ذلك السلوك الشعبي الجمعي إلى التّوق للحُرية، وبين من يردّها إلى حَتميات تَاريخيّة تتعلّق بالانتهاء التلقائي لصلاحية السُّلطة، ومن يعزوها إلى الرّغبة المَحضة في تغيير الوضع الراهن.. وغير ذلك.
في تفسيره لقيام الثورة الفرنسية، أرجع المُنظّر السِّياسي ألكسيس دي توكفيل الأسباب إلى خيبة أمل الطبقة الوسطى بسبب تناقص الفرص السياسية والاقتصادية، وذلك منحى يُقارب ما ذهب إليه السفير خالد موسى في مقالته المُحرّضة على النقاش والمُثيرة للاهتمام والتي نشرتها "السوداني" في عددها الصادر يوم الاثنين 18 فبراير 2019م، حيث خلصت المقالة إلى ضرورة التّوصُّل إلى مُساومة بين السُّلطة في السُّودان، من جهةٍ، والمُحتجين، من جهةٍ أخرى، تضمن الاستقرار السِّياسي في مُقابل زيادة مساحات الحُريات المَدنية والسِّياسيَّة.
(2)
كثيراً ما توقّفت، كلما تطرّق النقاش إلى أسباب ودوافع الثورات، عند طروحات عالِم الاجتماع والسياسة الأمريكي الراحل جيمس ديفيز في رؤيته التي حَمَلَت عنوان (نحو نظرية للثورة) والمنشورة بدورية (American Sociological Review) في فبراير 1962م، حيث يُجادل ديفيز بأنّ الثورات تحدث عندما يطرأ تَغييرٌ مُفاجئٌ وحادٌ في الأوضاع الاقتصادية بعد فترة من الازدهار، ويذهب إلى أن الازدهار يولّد شُعُوراً جمعيّاً وأملاً مُتصاعداً لذهاب الأوضاع للأفضل دوماً، وما أن تحدث الانتكاسة المُفاجئة حتى يحتقن الوضع وينفجر في شكل احتجاجات وثورة، وقد استعانت هذه النظرية، والتي باتت تُعرف في أدبيات علم الاجتماع السِّياسي بمنحنى جيه (J- Curve) للثورات، بنماذج الثورة الأمريكية والثورة الفرنسية والثورة الروسية لتدعيم صحة افتراضاتها.
(3)
اتفق مع مقالة السفير خالد موسى في مركزية دور الطبقة الوسطى في الحِراك الذي يشهده السودان، وذلك يعود إلى موقع هذه الطبقة في المُجتمع، فالطبقة العُليا تظل غالباً حريصةً على استدامة الأوضاع الراهنة، خشية أن يؤدي أيِّ تغيير إلى فقدانها لامتيازاتها، ولذلك تعقد تحالفات بتمظهرات مُختلفة مع السُّلطة القائمة، أي سُلطة، بهدف عدم التّأثير على الاستقرار. أما الطبقة الدنيا فلديها من مشاغل السعي في طلب الرِّزق ومُكابدة الحياة اليَوميّة ما يصرفها عن المُشاركة في التّغيير.  
لكني أميل إلى الاختلاف مع التّشخيص الذي طرحته مقالة السفير خالد والذي يتمثل في أولوية الحُريات السِّياسيَّة والمدنيَّة لمُعالجة الحراك الحالي، رغم المكانة السّامية التي تحتلها تلك الحُريات في سياق التطور السِّياسي والاجتماعي لأيِّ مُجتمعٍ، وأُشير إلى أهمية وأولوية الحُقُوق الاقتصاديّة، فما من شَكٍّ في أنّ الإنقاذ قد نجحت طوال سني حكمها في توسيع قاعدة الطبقة الوسطى، ولكن هذا التوسع يحمل تحدياً كبيراً في داخله، فالطبقة الوسطى بوصفها قائدة الرّمح في أيِّ تحركاتٍ احتجاجيةٍ أو ثورية تتوقّع من السُّلطة أن تخلق باستمرار ظروفاً ومناخاً اقتصادياً يجعل الطبقة الوسطى تظل في مكانها كطبقة وسطى، على الأقل.. العام الماضي أوجد ضغوطاً كثيرةً على الطبقة الوسطى بما هددها بالتّدحرج إلى أدنى، ومن هنا اندلعت الاحتجاجات.

(4)
مع أهمية التّأكيد على أهمية المُساومة في الحقوق الاجتماعية والسِّياسيَّة، فالمطلوب هو منح الأولوية للحُقُوق الاقتصادية التي تكفل للطبقة الوسطى مكانتها، فالاختبارات المُثبتة لنظرية جيمس ديفيز وفّرت مُعطيات قابلة للقياس لاحتمالية اندلاع الثورات، وأكّدت أنّ المزاج الثوري يرتفع كلما تدهورت الأحوال الاقتصادية.
ولعلّ في خُرُوج بعض أبناء قيادات الإسلاميين في هذه الاحتجاجات مظهراً يدلل على الخشية من تراجع رفاهية الطبقة الوسطى، فهؤلاء الشباب نشأوا في كنف آباء ينتمون لهذه الطبقة بمُستوياتها الثلاثة (الوسطى العليا، الوسطى الوسطى والوسطى الدنيا)، ولذلك خرجوا مع غيرهم من الشباب، غاضين الطرف عن الخلفيَّات الفكريَّة والسِّياسيَّة لآبائهم.
(5)
زبدة القول؛ إنّ الخيارات الصفرية في مُعالجة الحراك الحالي غير واردة، فلا "السقوط" مُمكن في ظل ما ينطوي عليه من رجحان القفز للمجهول، ولا "القعود" بالتّرتيبات القديمة مُتوقّعٌ، فالحل في التّوسُّط.. ولو قبلنا بهذا التّحليل فإنّ ذلك يستدعي تكريس المُعالجات لإعلاء مكانة الحُقُوق الاقتصادية ابتداءً، ومن ثَمّ استيعاب التّحوُّلات الديمغرافية والسِّياسيَّة في المُجتمع السُّوداني من أجل بلورة رؤى تعزز الأمل في الإصلاح وتكون جُزءاً من التكوين المدني والسِّياسي للسُّودان في مُقبِل فتراته.   

March 5th 2019, 3:26 am

قانون الطوارئ وحلّ الحكومة.. هل وصلت الرسالة؟!

صحيفة السوداني


د. ناجي مصطفى بدوي

المشي على سطح الحدث دُون امتلاك أدوات الغوص عميقاً، واحدٌ من مظاهر الخلل المُلاحظ في تحليل وتناول النُّخب للأحداث السِّياسيَّة والاقتصاديّة التي تمرّ بها البلاد، ومن هذه الأحداث قرارات رئيس الجمهوريّة عشيّة يوم الجمعة الثاني والعشرين من فبراير الجاري والقاضي بفرض حالة الطوارئ وحلّ الحكومة القوميّة والحكومات الولائيّة.
ولأنّي لم أجد في تناول الحَدث ما يُناسب حجمه الطبيعي ودرجة خُطورته المرحليّة، فقد آثرت أن أقطع السلسلة التي أكتب فيها منذ أسابيع لأحرِّر للقارئ الكريم بعض الإضاءات الاقتصاديّة والسياسيّة التي أظنها مُهمّة وغائبة عن التّحليلات المَحليّة والإقليميّة التي تناولت الخبر يوم أمس واليوم.
ومنصّة الانطلاق هي منصّة اقتصاديّة لطبيعة المرحلة الاقتصاديّة التي تمرّ بها البلاد، والتي يتجلّى لي فيها جلّ القرارات التي أصدرها رئيس الجمهوريّة، وفي حين يَتَسَابَق المُحلّلون لفهم العلاقة التناسبيّة بين التّظاهرات والاحتجاجات وبين القرارات في مُحاولةٍ لفهم أثر إعلان قانون الطوارئ على مُكافحة التظاهر والاحتجاج، أجدني مُضطراً للبَوح بأنّ إعلان قَانون الطَوارئ لا يَأتي مُطلقاً ضمن سِياق مُعالجات التّظاهرات أو من أجل تهيئة بيئة أنسب للضغط على المُتظاهرين، وقد كان رئيس الجمهوريّة واضحاً في هذا الأمر عندما أكّد في مطلع حديثه بأنّ هذه القرارات تأتي بعد انجلاء أزمة التّظاهرات والاحتجاجات، فهي القَرَارات التي كَانَ الرئيس ينتظر بها تَوقيت انحسار أزمة التّظاهرات ليُصَحِّح بها الأخطاء والأسباب الاقتصاديّة التي أدّت في البدء إلى نُشُوءِ التّظاهر والاحتجاج.
وللإجابة على السُّؤال الذي قد يَتبادر لذهن القارئ الكريم حول علاقة فَرض قانون الطوارئ بالوضع الاقتصادي، أقول إنّ الأزمة الحَقيقيّة للاقتصاد السُّوداني تتجلّى في جوانب من أهمها ظَاهرة الفساد الإداري والمالي الذي أهدر مَوارد البلاد وجَلَب لها التّضخم وانخفاض القُوّة الشرائيّة للعُملة المحليّة، هذا الفساد يظهر في عددٍ من الأوجه التي حَاولت الحكومة السّابقة مُعالجته مثل "القطط السمان" والتّهريب السِّلعي للخارج وأزمة السُّوق السُّوداء لبيع العُملات الصّعبة، والحقيقة هي أنّ الحكومات السّابقة قد بَذَلَت كلّ الجهد المُتاح وفق القانون لمُعالجة هذه الظواهر، لكنّ طبيعة القانون والأدلّة في مسألة الفساد والقطط السمان مثلاً قادت القضيّة برمتها نحو التّحلُّل كمَخرجٍ لحالة عدم توافر الأدلة القانونيّة الكافيّة، كما أنّ الحماية القانونيّة والدستوريّة للمُواطن تحُول دُون إلقاء القبض عليه أو حجز أمواله أو تقييد حركتها مهما كان في نظرنا فاسداً وسارقاً ومُهرِّباً ومُتاجراً في السوق الأسود إلا من خلال إجراءات قانونيّة مُحدّدَة وواضحة ومدعّمة بالأدلة القانونيّة وهو ما لا يتوافر إلا نادراً.
يُتيح قانون الطوارئ الحجز على أموال أيِّ فاسدٍ وإيداعها في خزينة الدولة إلى حين اكتمال المُحاكمة بشأنها، كما يُتيح إلقاء القبض عليه لتُهمة الفساد والحجز على مُمتلكاته وأمواله، كما يتيح مُلاحقة المُهرِّبين خارج الحُدُود السياسية للدولة للقبض عليهم مُتلبسين بجرم التهريب، وإلى جانب ذلك يُتيح قانون الطوارئ دخول المباني المُشتبه فيها وفَرض الرِّقابة على أيِّ مُمتلكاتٍ، والحجز على المحال والسِّلع، وحظر حركة الأشخاص والأموال، وتَنظيم عَمليّات إنتاج السِّلع والخدمات في السُّوق.
إنّ أهم وظائف قانون الطوارئ وأحد أسبابه الرئيسة هو مُواجهة المُهَدِّد الاقتصادي الذي يضر بأمن المُواطن واستقرار الوطن كما ظهر من خلال مَا سَبَقَ، وهذا هو السِّياق الذي وَرَدَ فيه قرار فرض حالة الطوارئ في البلاد وليس أيِّ سِيَاقٍ آخر.
المَنَصّة الثانية في هذا المقال هي البُعد السِّياسي في قرار حلّ الحكومة والحكومات الولائيّة والذي أجدني أيضاً مُضطراً لكشف الجانب الأهم فيه والذي لم يظهر بدرجة مطلوبة في تناول المُحلِّلين للقرار.
ولفهم هذا الجُزء في القرار نحتاج كما قال "كونفوشيوس" إلى التّمَعُّن في المَاضي، والذي بدأت مرحلته الأولى في العام 1989م بثنائيّة في الحكم بين الجبهة الإسلاميّة والجيش، ثمّ كانت المرحلة الثانية قبل العام 1999م بتحوّل الحركة الإسلاميّة لحركةٍ مُجتمعيّةٍ راعيةٍ للمشروع وتحوّل ثنائيّة الحكم إلى الجيش والمؤتمر الوطني ودخول مرحلة الديمقراطيّة الرابعة، والمرحلة الثالثة بدأت بانطلاق مُبادرة الوثبة والحوار الوطني وتحوّل الحكم إلى وفاقٍ وطني بين كتلة من الأحزاب السِّياسيَّة من ضمنها المؤتمر الوطني راعي الحوار ودخول مرحلة الديمقراطيّة الشاملة الوفاقيّة، وَتَبعَاً لذلك تكونت حكومات الحوار الوطني.
تأكيد الرئيس في قرارات ليلة الجمعة على اعتماد وثيقة الحوار الوطني كَأسَاسٍ صَالحٍ للبناء عليه، وعلى أنّ مُشاركة قُوى الحوار الوطني هي جُزءٌ أصيلٌ من المرحلة المُقبلة يُعطي مُؤشِّراً واضحاً أنّ المرحلة السِّياسيَّة القادمة هي مَرحلة استكمال الحوار الوطني بمَزيدٍ من الحوار وانصهار أحزاب السُّودان داخل وثيقة سياسيّة واحدة تُحَدِّد المُستقبل السِّياسي في السُّودان.
ولتأكيد فاعليّة هذه المرحلة، أكّد الرئيس أنه يقف على مسافةٍ واحدةٍ من الجميع، والجميع هنا هُم كُلّ مُكوِّنات الشّعب السُّوداني، أحزابه دُون استثناءٍ، ومُكوِّناته الإثنية و القبليّة و الشبابيّة والطائفيّة، وعلى المؤتمر الوطني شأنه شأن كل الأحزاب أن يعمل بجدٍّ وعلميّة لإثبات جدوى خياراته في المرحلة المُقبلة التي يُقرِّر خلالها مُستقبل التّعديلات الدّستوريّة أمام البرلمان والتي ستكشف شكل الحكومة القادمة بعد 2020م.
لا أُشكِّك في احتمال حُدُوث آثار اقتصاديّة سالبة من فرض قانون الطوارئ، لكنّه الفُرصة المُتاحة وربّما الأخيرة أمام حكومة الحوار الوطني والمُؤتمر الوطني نحو لملمة الاقتصاد السوداني المُتبعثر ومُعالجة المُشكلات التي أدّت فيما مَضَى إلى اندلاع التّظاهرات. وتأتي هذه القرارات السِّياسية من رئيس الجمهوريّة في إطار إحداث زلزال داخل مُؤسّسات الأحزاب الحاكمة والمؤتمر الوطني تحديداً، للقيام بقوّة نحو إصلاح الوضع الاقتصادي المُتفاقم طالما كانت الفُرصة مُواتية، هل فهمنا الرسالة أم مشينا على سطحها كما فعلنا بعد خطاب الوثبة الشهير؟ أرجو أن تكون الرسالة وصلت.!

March 2nd 2019, 4:05 am

الرؤية والإرادة واستحقاقات الإصلاح (2)

صحيفة السوداني


سناء حمد


آن الأوآن أن تظهر شخصية الأمة والدولة من خلال سيطرتها على المشروعات الاستراتيجية الكُبرى، ذات الأثر الاجتماعي الواسع والمردود  الاقتصادي الكَبير، فإنشاء مجلس أعلى محدود العُضوية، واسع الصلاحيات، يتولّى مسؤولية انتخاب المشروعات التي تنطبق عليها المُواصفات أعلاه من ضمن خط الوزارات والولايات، ويقوم بإعادة دراستها وتوفير تمويلها وفتح عطاءاتها والإشراف على تنفيذها، ثُمّ وضع مَعايير لإدارتها وضمان استمرارية جَودة أدائها للمَطلوب منها، كَفيلٌ بأن يعيد تَوازن الدولة في محاور الاقتصاد والتّنمية وعَدالة التّوزيع والتّوظيف.
هذا الجهاز أو المجلس مسؤول، أمام رأس الدولة والبرلمان والرأي العام   في تفسير اختياراته ونتائج العطاءات وحجم المُنصرفات ومُطابقة المُواصفات، مِمّا يقتضي منه الشفافية في عمله، وتكمن أهمية مثل هذا الجسم المسؤول والمُحَدّد الصلاحيات، في ضمان ألا تتأثّر المشروعات الكُبرى بحالة عدم الاستقرار السِّياسي ولا بتغيّر السِّياسيين والمسؤولين خاصةً على المُستوى الوزاري، كما يتم عبره توحيد قنوات الصرف وضبط مصادر التمويل، وهو يُسهِّل إعمال الشفافية والمُحاسبة ويُساعد في تحديد المسؤوليات، وتبعاً لذلك لا بُدّ من إعادة الدور الحيوي لإدارة المُنشآت العامة في كل الولايات ورفدها بالكفاءات وإخضاعها للمُتابعة والتدقيق ليكون دورها مُكمّلاً لأداء المجلس المُقترح.
اليوم، كما الأمس، هناك حَاجَةٌ مَاسّةٌ لإعادة تخطيط وتوجيه الاقتصاد، وبعد التّجارب العَديدة غير المُوفّقة نسبياً، أعاد السُّودانيون - اكتشاف العجلة، وتوصّلوا إلى أنّ الزراعة هي قدرهم ومَخرجهم كدولة لتعزيز اقتصادهم وخلق التّنمية المُتوازنة وتشغيل الأيدي العاملة والحِفاظ على الأمن بشقيه القومي والمُجتمعي ولبناء نفوذٍ إقليمي، وفي حياة الأفراد فإنّ الزراعة سبيلٌ مَوثوقٌ لأمنهم الأُسري ولتحسين أوضاعهم وزيادة دخلهم.
إنّ الزراعة هي مصدر أمن وقوة للدولة لاعتبارات عدّة ومُهمّة، فهي موردٌ اقتصاديٌّ مُتعدِّدٌ ومُتعدِّي الأثر، كما أنها وسيلة لإعادة إنعاش الريف والحد من الهجرات للمُدن.. وهذا ما قد توصّل إليه الإنجليز إبان حكمهم للسودان، فأجروا الدراسات والأبحاث وتركوا رصيداً مُقدّراً من المُؤسّسات وحزمة مُعتبرة من المشروعات، كانت الحكومات الوطنية بلا استثناء، بَارعةً في تبديدها.. فما وجه الخلل وأسباب التّدهور؟ ما زالت هذه المشروعات من حيث أسباب اختيارها صالحةً للقيام بدورٍ فعّالٍ في حركة الاقتصاد السوداني وقابلة التطوير والإصلاح.. لا بُدّ من إعادة دراسة مدى ملاءمة الأجهزة والمُؤسّسات القديمة للقيام بالإشراف على هذه المشروعات وتطويرها وتأسيس مثلها، وتنويع الاستفادة منها ومن إنتاجها وتطويرها، ربما يمكن إنشاء جهة تنفيذية مباشِرة لهذا الأمر..؟
(4)
لا بُدّ من إعادة هيكلة الدولة ومُؤسّساتها بصُورة تُلبي حاجة البلاد وشعبها، إنّ الإصلاح الحقيقي لا يتم بمُعالجة البنيات الموروثة الموجودة وإعادة تدويرها، بل يعني النظر في حاجة الدولة المُثلى ومَصالحها العُليا، وتفصيل أجسام ومُؤسّسات تتناسب وهذه الحاجات، فإذا تَوافَقَت أجسام موجودة مع المطلوب حينها تستمر، أو تتم عملية إحلال وإبدال بطريقةٍ سلسلةٍ لمزيدٍ من التجويد والفاعلية.
على الدولة التّنازل عن العديد من مهامها للقطاع الخاص أو شبه الحكومي، فهُناك تجارب مُلهمة للإقلاع الاقتصادي والتّنموي، وهناك تجارب تستحق التأمُّل والاستفادة منها في المُحيط القريب، وأعني تجربة استقرار ثُمّ نمو ثُمّ انهيار وارتباك، ثُمّ عودة للنمو والنهضة، ولأنّ الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها استهدى بها، فقد استرعت انتباهي تجربة الكيان الإسرئيلي بعد الكساد الاقتصادي العظيم وشبه الانهيار الاقتصادي، الذي حَدَثَ في الفترة من عامي 73 - 85، فقد كانت تجربة لافتة للنظر، حيث تجاوزت إسرائيل ذات الاقتصاد الزراعي وشبه الصناعي ونفقات القطاع العسكري والأمني الكبير، حالة الكساد والانهيار الذي تَعَرّضت له بفضل ببرنامج إصلاحي مُحَدّد، وبفضل سياساتٍ واضحةٍ وقراراتٍ جريئةٍ وإجراءاتٍ صارمةٍ وتفكير خارج الصندوق، وعبرت أزمتها وأعادت موضعة نفسها كواحدة من أهم الاقتصاديات الجديدة، رغم أنها سجّلت أرقاماً قياسيّة آنئذٍ في مُعدّلات التدهور الاقتصادي مع توقف التنمية، حيث وصل معدل التضخم الى  484%، كما ارتفع معدل الأسعار السنوي إلى 192%، لكن بنهاية فترة البرنامج الإصلاحي في 89، كان التضخم قد انخفض إلى 21%، وانخفض معدل الأسعار السنوي إلى 18%.
في خِضِم هذا البرنامج، تمّت إعادة هيكلة وتشكيل اقتصادها، وحددت أولوياتها، واعتمدت على الشركات شبه الحكومية خَاصّةً الشركات التابعة للجيش، واتّخذتها كقاطرة انطلاق لحركة اقتصاد ما بعد البرنامج الإصلاحي.
في السودان نحتاج للاطلاع بذهنٍ مُنفتحٍ على تجارب الآخرين، ووضع البلاد من حيث المَوارد الطبيعية والبشرية والبنيات التّحتية أفضل بكثيرٍ من دول شرق آسيا التي نهضت مِمّا هو دُون ذلك بفضل إصرار قادتها وهمة شعوبها.
هناك ضرورةٌ كبيرةٌ لخطواتٍ جَريئةٍ ومَدروسةٍ في الاقتصاد، تبدأ بتحديد رؤية وسياسات كُليّة، تقرّها الدولة وتلزم بها المُؤسّسات، ويُراقب تنفيذها ويقيّم، لكن حتى اكتمال ذلك لا بُدّ من إصلاحات عاجلة تبدأ من النظام المصرفي الذي يحتاج للتّماهي مع النظام المصرفي العالمي من حيث الإجراءات والضوابط، فيما يتعلق بالبنوك ورأسمالها المُؤسّس، وكفاءة منسوبيها وفاعليتهم، والمُودعين وحقوقهم ومطلوباتهم، والدولة وحدودها وصلاحياتها.. والخدمات التي تُقدِّمها، لا بُدّ من نظام مُراقبة صارمٍ وفعّالٍ وذي صلاحياتٍ واسعةٍ لإعادة ترتيب وتطوير هذا القطاع الحيوي، من قبل البنك المركزي الذي لا يختلف اثنان أنّه بحاجةٍ لمُراجعات وتطويرٍ ليُواكب التّحديات الحَديثة والمُتَجَدِّدَة، وذلك من خلال إقرار سياساتٍ نقديّةٍ ذكيةٍ تُمكِّنه من استعادة ثقة المُودعين في القطاع المصرفي، ولتمكِّنه من السيطرة على حركة المال وعلى مُعدّلات التّضخم.
هناك حَاجةٌ حَقيقيّةٌ لإعادة النظر في تراتبية المَسؤوليات في الدولة وفق الواقع السِّياسي والدُّيمغرافي، لتكون بناءً على حجم أدوار وتأثير الفئات أو  الأجهزة، وأعني هنا التّأثير السِّياسي والاجتماعي، فمثلاً من الضرورة بمكان إعادة تقييم دور المَرأة بعيداً عن المَوروثات والتّقاليد قريباً من الدين الحق والمنطق، عدد النساء الآن في التعليم العام والعَالي والخدمة المدنية هو الأكبر، وتَأثيرهن على سُوق التّجزئة والأعمال الصغيرة، بل والزراعة في مناطق واسعة من السودان يمثل نسبة لا تقل 60%, وهن يمثِلن ما لا يقل عن 55% من حركة الاقتصاد، وفي مجال المُشاركة السِّياسيَّة نسبة النساء هي الأعلى في الانتخابات وقد تجاوزت 68%.
ولذلك كَمَا كانت القيادات السِّياسيَّة قديماً واعية بهذا الدور بصُورة مُبكِّرة فمكّنت للنساء في السودان أوضاعاً متقدِّمة ومواقع متقدِّمة، وترتّب على ذلك أنّ النساء السُّودانيات كُنّ هن الرائدات في المُحيطين العربي والإفريقي في التصويت والترشّح في الانتخابات وتولي المناصب السِّياسيَّة والتّنفيذيّة والتّشريعيّة، بل والعسكريّة، والتّعيين في القضاء والمُحاماة والخدمة المَدنية، لكن ما زالت مُشاركة المرأة في اتّخاذ القرار لا تتناسب مع حجم الكتلة المُؤثِّرة، فهل تقوم الحكومة بخطوةٍ جريئةٍ تكفل للنساء فيها دوراً يتناسب ونفوذهن الكبير في العملية السِّياسيَّة في البلاد سواء في الحكومة أو المُعارضة أو حتى حركة الاحتجاجات الأخيرة؟ وأعني  تحديداً داخل مُؤسّسة الرئاسة، فتقديري أن منصب نائب الرئيس حقٌ لهذه الكتلة التي هي أكبر من كل قبيلةٍ وتشمل كل الجهات، وقد أثبتت النساء بصورةٍ عامة ومن الأطياف السِّياسيَّة وغير السِّياسيَّة كَافّة من خلال أدائهن العام مهنيةً ونزاهةً لافتة للنظر.
قضية مُشاركة واستيعاب الشباب وتحدياتهم، لم تعد تصلحُ شعاراً يستخدمه بعض السَّاسة أحياناً ويُوظِّفونه لمصالحهم الذاتية، من باب التّمثيل وذلك عبر  ترفيع نماذج مَحدودة الأثر وغالباً بعيدة عن مفهوم الشَّباب ودُون صلاحيات حقيقيّة ولا عون، مِمّا أفقد هذا التّوجُّه القاصر قيمته، من الأفضل الاقتناع  بأنّ استيعاب الشباب الكفء هو إضافة حقيقيّة للدولة من خلال التعليم  المُتقدِّم الذي نالوه والخبرات المُختلفة التي حازوها والتّحديات الجديدة التي يُواجهونها في عالم مُتغيِّرٍ ويتحرّك بسُرعةٍ كبيرةٍ، وفي ظل انفجار مَعرفي غير مَسبوقٍ وسُرعة انتشار وتغطيةٍ لم تَعد معها أسرار أو حواجز.
أن أكون أو لا أكون هذا هو السُّؤال؟ افتتح وليم شكسبير مَسرحيته الخالدة هاملت، بهذا السؤال تَعبيراً عن حِيرة الأمير هاملت بعد أن وجد نفسه عند مُفترق طُرقٍ، بلادنا تقف عنده الآن وتُواجه ذات السُّؤال، إذ تُشير كل الدلائل إلى وجود أزمة مُتعدِّدة الملامح، وواقع ليس مُريحاً لكل الأطراف الحكومة والمعارضة، المُؤسّسات والأفراد.. وحالة من الاحتقان والغضب، من الطبيعي في مثل هذا المناخ أن يتنصل الكثيرون عن مَسؤولياتهم ويلقون باللائمة على الآخرين، من الطبيعي وجود حالة القلق العَامّة، ومناخ الاتّهامات والتّخوين والتّعصُّب وروح الإقصاء، فالكل غَاضبٌ ومُرتبكٌ.. ولا يملك إجابات، لكن الصُّورة ليست قاتمةً كُليّاً، فهناك جانبٌ ايجابيٌّ للأزمة الحالية أولها أن الجميع اتّفق على وجود "أزمة"، وعلى ضرورة الإصلاح، والكل ينتظر خَطوات ذكيةٍ ومدروسةٍ في هذا الإطار، الجميع يبحث عن دولةٍ قويةٍ وحكومةٍ مُقتدرة وأجهزة حكم تخدم الشعب، والشعب يُطالب بالحد الأدنى من الخدمات والأمن، والشباب يُطالبون بواقعٍ أفضل وإداءٍ وإدارةٍ للدولة بصُورةٍ أكثر كفاءةً، ويبحثون عن العدالة والشفافية في السِّياسة والسِّياسات وتطبيق القوانين والإجراءات وسُوق العَمل، لكي يسهموا في خدمة بلادهم ومُجتمعاتهم.
في هذه اللحظة المُهمّة في تاريخ الدولة السودانية من المُهم أن نستوعب جميعاً حجم التحدي المَطروح، فهذا الوطن ولكي يقلع، يحتاج لأن يخفق بجناحيْن قوييْن، هما الحكومة والمُعارضة المُنظّمة وغير المُنظّمة، ويمكن أن يكونا النُّخب وعامة الشعب، ولكن في النهاية يقع العبء الأكبر على عاتق الحكومة، والخيارات المُتاحة أمامها هي التّخندق في المَواقف.. أو التّراجع للوراء، أو التّقدُّم للأمام، وتقديري أنّ الأصوب والأصلح والأكثر حكمةً ينبغي أن يكون هو خيار التّقدُّم للأمام، والعَمل بجرأة على بناء مُؤسّسة الدولة - وهو ما لم يحدث منذ استقلال البلاد في 1956 - مع التّركيز على تحقيق الاستقرار السِّياسي والاقتصادي، والذي يقتضي طرح  مُبادرة إصلاح شاملة، تَستوعب الجميع ولا تقتصر على النُّخب الحزبية، بل تنفتح على جيل شابٍ واعٍ وكفء، وعلى خبرات سُودانيةٍ مُهاجرةٍ، مُبادرة تمتص الغَضب وتَضمد الجِراح وتجعل لحراك الشباب نتيجةً ملموسةً، وفي ذات الوقت تفتح الباب لعملية إصلاحٍ مُتكاملٍ مُمرحلٍ وشَفّافٍ.

February 21st 2019, 3:28 am

فحص المنشطات

صحيفة السوداني

نصر الدين الفاضلابي


*أولا وقبل الدخول في أية قضية جدلية تتعلق بفحص المنشطات أو عدمها، نؤكد أن الاتحاد العام لن يقدم على تلك الخطوة حتى لو كان هذا الفحص مجانا وسيصبح الأمر في كل مرة عبارة عن (جدل بيزنطي) لا وجود له على أرض الواقع.
*ويجب أن لا نسأل عن أسباب عدم جدية الاتحاد أو حتى رغبته في فحص المنشطات، ليس قبل مباراة القمة وحدها، ولكن قبل كل المباريات المهمة والحاسمة في البطولات المحلية، لأن الأمر متشابك وتفاصيله غير مريحة للاتحاد ومنسوبيه ولجانه قاطبة بلا استثناء.
*الأمر معقد، وهو من جهة له علاقة بانتماء الاتحاد لأن تهمة استخدام المنشطات تدور حول اسم نادٍ واحد، ولا أظن أن النادي المعني بهذا الاتهام يمكن أن يجد معاكسة من الاتحاد إذا كانت التهمة صحيحة أو غير صحيحة.
*وفحص المنشطات يكلف مصاريف كبيرة ويحتاج إلى إنفاق وإضافة أعباء إلى اتحاد لا يؤمن بالصرف على منافساته ولا أنديته حتى تلك التي تمثل البلاد في البطولات الخارجية، ليس هذا وحده، فكل الملفات التي تحتاج إلى مصروفات وتطوير لن تجد من الاتحاد إلا التجاهل ويبخل عليها حتى بالدعوات الصالحات.
*الكشف عن المنشطات ليس ترفا ولكنه أحد قوانين العدالة في التنافس الرياضي، خاصة مع تطور العصر وسهولة الحصول على المنشطات مع تطور علم الصيدلة والقدرة على التركيب الدوائي المعقد المعالج والمنشط.
*ويقول قانون المنشطات: (في حال مشاركتك بأي بطولة ستكون مؤهلا ومطلوبا للخضوع لفحص المنشطات، إذ أنه تم اعتماد حظر استخدام الأدوية بأنواعها المختلفة لغير الإغراض العلاجية في الرياضة، والمعروفة مجازاً بالمنشطات والموجودة في بالقانون الدولي، ويشمل الحظر جميع المنظمات والهيئات الدولية المهتمة بالرياضية والغذاء  (FIFA- FDA-IAAF وغيرها).
*وبمجرد تسجيل اللاعب كمشارك في هذه الدورات أو البطولات الدولية يكون خاضعاً لتلك القوانين الصارمة التي تلزمه بالفحص، ويعتبر مداناً إذا تم اختياره وإخطاره بالخضوع للفحص للكشف عن المنشطات وامتنع عن الحضور لمكان الفحص واتباع الإجراءات.
*أما بالنسبة للاختبار، فيتم عشوائياً في المراتب الأولى المتقدمة، وهذا طبعا للألعاب الجماعية مثل كرة القدم، وإذا ثبت أي لاعب يتعاطى المنشطات تطبق عليه أقسى العقوبات، والأمثلة كثيرة على مستوى البطولات القارية والدولية ومن قبل ثبت تناول أحد لاعبي الهلال المنشطات في إحدى البطولات العربية بتونس.
*وفي الألعاب الفردية يتم تطبيق القانون حتى حال كسر المتنافس رقم قياسي إقليمي أو دولي، حيث يخطر مباشرة بعد فوزه ويسلم ورقة الإخطار بعد تملية بياناته الشخصية من قبل أحد أعضاء اللجنة الطبية رسمياً وتوقيعه عليها يتم إعلامه بأنه قد تم اختياره للفحص على أن يتعهد بالحضور لمقر الفحص خلال الفترة الزمنية المحددة حسب كل لعبة (ساعة تقريباً)، ويفضل أن يتوجه مباشرة لإعطاء عينة الفحص أو بأسرع ما يمكن، وذلك حتى يكون الفحص دقيقا.
 *ولكن تبقى المدة الزمنية من حقه (خلال الساعة)، ولكن القانون اشترط حيث أضاف: (على أن يستمر تحت مراقبة عضو اللجنة الطبية من لحظة تسلم ورقة الإخطار وتوقيعه)، وكذلك يجب إبراز الهوية، فإن لم توجد لأي سبب يتوجه اللاعب مع عضو اللجنة لإحضارها لو تطلب الأمر ذلك ويستمر تحت المراقبة حتى وصوله مقر لجنة فحص المنشطات، وإبراز الهوية للتأكد من الشخصية وتفادي (المغالطات) أو الجدل أو تغيير اللاعب بآخر مثلا (إذا تم اختيار اللاعب الذي يرتدي القميص رقم 2 يجب أن يحضر بديلا له رقم 12)، لذلك تشدد قانون فحص المنشطات في إبراز الهوية وهي مهمة الأجهزة الإدارية.
 *ويحق للاعب الذي تم اختياره للفحص (خاصة في الألعاب الفردية) اختيار مرافق للترجمة أو طبيب الفريق لو كان خاضعاً لعلاج معين اضطره لاستخدام بعض الأدوية خلال أسبوعين من البطولة أو قبلها حتى تاريخ المشاركة أو حتى مرافق من الأصدقاء.
*نحن في السودان وعلى الرغم من التطور الكبير في عمليات صناعة الأدوية بجميع أنواعها لم يحدث أن استخدم فحص المنشطات في منافساتنا المحلية منذ نشأة الاتحادات.
*ترى كم مرة استخدمت المنشطات في ملاعبنا المحلية؟ وهل خسارة المريخ لبطولة الدوري الممتاز في نسخته الماضية كانت طبيعيا؟
غارزيتو وجمال سالم
*بشر رئيس المريخ الأستاذ محمد الشيخ مدني القاعدة المريخية بخبر إنهاء ملف المدرب الفرنسي غارزيتو منتصف الاسبوع الحالي، وأعتقد أن إنهاء هذا الملف سيكون له دور كبير في الاستقرار بعد الخوف والهلع الذي سببه هذا الملف السخيف.
*وحديث رئيس المريخ يبدو أنه استند على خطوات محددة وإيجابية تجاه القضية وتسليم الفرنسي كافة مستحقاته ومن ثم يمكن أن نفتح ملف مستحقاته لعام 2017م ولتلك المستحقات قصة طويلة لا يمكن الدخول في تفاصيلها حاليا وقبل إنهاء مستحقاته للعام 2015 م والتي اكتسبها بسبب عدم رد المجلس السابق على مكابتات الاتحاد الدولي.
*وأعتقد أن أهم ملف بعد الخروج من هاجس غارزيتو، هو ملف الحارس الأوغندي حامل الجنسية السودانية جمال سالم.
*جمال سالم حارس موهوب وصغير في السن ولديه رغبة كبيرة في التقدم بنجاح في عالم احتراف كرة القدم، ويجب أن نحسم ملفه بالاتفاق معه وتوقيع عقد جديد لفترة قادمة خاصة أن عقد اللاعب مع المريخ ينتهي بنهاية الموسم الحالي.
*ونتمنى أن يدرك الذين ينتقدون الحارس المميز، أن فرصة التجنيس للحراس معدومة والحصول على حارس بمواصفات وميزات جمال سالم من ملاعبنا المحلية أمر في غاية الصعوبة، وقد انحسرت المواهب في هذه الخانة والتي صارت هاجس كل الأندية السودانية.
*جمال سالم يمكن أن يؤمن حراسة مرمى المريخ لـ 12 عاما قادمة، وأتمنى أن نعض عليه بالنواجذ.
 
إضافة أخيرة:
قبل المنشطات أعتقد أن التحكيم أكبر مهدد لعدالة التنافس في السودان، وبسببه ظل ميزان العدالة مختلا من أول مباراة تنافسية في بدايات القرن الماضي وحتى يومنا هذا.. ونذكر أيضا أن فحص المنشطات ليس ترفا ولكنه حقا مكتسب لجميع الأندية والخصوم.

September 8th 2018, 7:19 am

صناعة (الفارق)

صحيفة السوداني

نصرالدين الفاضلابي


نتائج المريخ في بطولة الدوري الممتاز هذا العام تؤكد بأن الفرقة الحمراء اقترب مستواها الفني كثيرا من مستوى بقية الاندية السودانية، والدليل النتائج المتباينة التي حققها فريق الكرة من اسبوع الى اخر.
الفرق بين المريخ وبقية الاندية السودانية صار بمساحة اضيق بكثير من تلك المساحات الشاسعة بينه وبين منافسيه في البطولات المحلية.
هناك من يبرر خسائر المريخ لمباريات ونقاط سهلة، بانه امر عادي وقد حدث كثيرا في عهد الوالي وان الاعلام لم يتحدث يومها عن تلك الخسائر ولم يعاتب مجلس الادارة او اللاعبين مثلما يفعل الان تحت ادارة المجلس المحلول.
وطبعا هذا التبرير غير دقيق باعتبار ان خسائر الفريق (لبعض المباريات السهلة) في عهد الوالي كان امرا استثنائيا ويقود الى ردود افعال ادارية واعلامية وجماهيرية اكبر بكثير مما يحدث الان، العكس الان هناك من يبرر للخسائر الكثيرة ولا يرحم مجلس الوالي في خسارة عابرة واستثنائية واحيانا تكون في ظروف استثنائية.
*الان هناك تأقلم مع خسائر الفريق واصبحت ردود الافعال تنخفض درجاتها من خسارة الى اخرى، والاخطر طبعا من الخسارة (اعتيادية الخسارة نفسها) وتأقلم القاعدة عليها وظهور طبقة تبررها وتقارن بينها وبين خسائر سابقة، وكأن خسائر الماضي تشفع لخسائر الحاضر وتكون عزاء لها.
نعم يمكن ان يخرج المريخ متعادلا مع مريخ نيالا في عهد الوالي، ولكنه بالطبع تعادل استثنائي لان الفريق وقتها يكون قد كسب 11 مباراة من اصل 13 مباراة لعبها في البطولة خلال دورة واحدة اذا كانت الدورة الاولى او الدورة الثانية.
ولكن ان يلعب المريخ 5 مباريات مثلا ويخسر مباريتين ويتعادل في مباريتين ويكسب مباراة، هذا امر استثنائي ولم يحدث في تاريخ المريخ، وهذا هو الفرق الذي لا يحسبه مبرراتية عهود الفشل والضياع الاداري.
لا يوجد فريق في الكون لا يخسر ولا يتعادل، ولكن الفرق الكبيرة تكسب معظم مبارياتها ويبقى الصراع على اللقب في عدد الخسائر (القليلة) بين الفرق الكبيرة والمنافسة على البطولات والالقاب، ويكسب اللقب في العادة من تكون خسائره اقل.
ولكن من يخسر 8 نقاط من اصل 9 نقاط يصبح فريق غير راغب في تحقيق الالقاب ولا يملك صفات من ينافسون على الفوز بالبطولة، ولا نقول بانه نادٍ صغير لان المريخ لم ولن يكون صغيرا في يوم من الايام مهما تكالبت عليه المحن والمصائب بل سيظل شامخا ورائدا للاندية السودانية وسيظل الشعب السوداني في انتظار البطولات والامجاد الخارجية من المريخ دون غيره.
ولكن يمكن القول ان القائمين على امره والجالسين على مقاعد ادراته اصغر من المهمة وقدراتهم دون طموحات قاعدته الجماهيرية العريضة وارادتهم اضعف من شموخه وكبريائه عبر التاريخ، الطغمة الموجودة الان جهودها المبذولة غير كافية لادارة نادٍ بحجم وقدرات وطموحات نادي المريخ العظيم.
العلة في الادارة وهي التي مزقت كل خرائط الطرق التي منحت المريخ افضلية السير في درب البطولات والوصل الى الاعجازات الكبيرة، أقصت ادارة المريخ كل خانات المحترفين الاجانب واعارت اهم لاعب في صفوف الفريق (السماني الصاوي) وتفرجت على افضل لاعب في كرة القدم السودانية وهو يُذبح امام مرأى ومسمع منها (بكري المدينة) بإيقاف ظالم وغير مبرر من قبل الاتحاد العام.
ولعل من خطايا الادارة الدفع بفريق الكرة الى موسم تنافسي بدون اعداد وبدون علاج للاصابات وهي اصابات مؤثرة على مستوى التشكيلة الرئيسية للفريق، وصار حال فريق المريخ مثل حال من (أوثقوا أياديه وأقدامه وألقوا به في اليم وقالوا له إياك أن تبتلّ بالماءِ).
ولا زالت الأخطاء مستمرة والفريق يعاني في المعسكرات ويعاني في الاجواء المناسبة لتهيئة اللاعبين لخوض المنافسات، وهناك الكثير الذي يمكن ان يقال عن بيت اللاعبين من ضعف الوجبات وقلة الاهتمام بتوفير المستلزمات الكافية لفريق بحجم وقامة وقدرات المريخ العظيم.   
واذا كان هناك اسباب لخسائر الفريق لذلك العدد المهول من النقاط كحالة استثنائية في تاريخه، فذلك لأن الفريق دخل معظم مبارياته في الموسم الحالي وهو في حالة اعدادية وذهنية ومعنوية غير جيدة وبالتالي خسر الكثير من المباريات، وهذه اسباب ادارية في المقام الاول قبل ان تكون فنية.
دمر مجلس الادارة عوامل التفوق وصناعة الفارق بين المريخ وبقية الاندية السودانية، وهم الان في محاولة لفرض (اعتيادية الخسارة) ودمغها في اذهان جماهير المريخ والهبوط بمستوى الطموحات الى درجة تتكيف مع امكاناتهم المتواضعة وقدراتهم الكسيحة، وهذا ما سيرفضه شعب المريخ الوفي.
ورفض شعب المريخ ليس خيارا ولكنها عادة جُبِل عليها إنسان هذا الكوكب القاهر، عادة التفوق والتميز وتحقيق الاعجازات، هذا الشعب لن يسمح لاصحاب القدرات الضعيفة للسيطرة على أحلامه وطموحاته.

إضافة أخيرة:
أخطر ما قام به مجلس المريخ الحالي المحاولات الجادة لتحطيم أدوات صناعة الفرق بين المريخ وبقية الاندية السودانية بلا استثناء والتي يتفوق عليها المريخ تفوقا كاسحا بما فيها غريمه التقليدي الهلال..

April 15th 2018, 7:46 am

الوجه الآخر للحكومة

صحيفة السوداني

اسامة عبدالماجد


 عند مطالعة العنوان سيسارع القارئ الكريم إلى وصف وجه الحكومة بأقبح الأوصاف وهو يتحسس (جيبه)، في ظل الضائقة المعيشية.. وفي ظل اعتماد الحكومة على الجمارك بدلاً عن الإنتاج الذي ترفعه شعاراً لا وجود له على الواقع – طبعاً لن أردف كلمة الإنتاجية مع الإنتاج – لأنها باتت مستهلكة.
 غياب تام لوزير المالية.. ربما لا يرى القارئ في الحكومة إلا اهتماماً بقضايا غير ذات أهمية حالياً مثل ما جرى في الجزيرة.. قيادي بالجزيرة يُدعى عبد الله بابكر ودون أن يطرف له جفن يقول (من أراد أن تثكله أمه فليترشح ضد إيلا).. وقال أيضاً (إيلا سيكون والياً للجزيرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها).
 لكن دعونا نتجاوز الصورة القاتمة و(كسِّير التلج)، وننظر للجانب الآخر من الحكومة، وربما هي نفسها لن تصدق أن ذاك وجهها حال تأمّلته في مرآة الأحداث.. مساء أمس أفرجت الحكومة عن المعتقلين السياسيين.. خطوة جاءت من الحكومة لا من أحد غيرها.
 قبلها خرج رئيس مجلس الوزراء من اعتكاف (الصمت) وأعلن وقف تصدير الماشية واللحوم الحية.. وهناك حدّد البنك المركزي سعراً جديداً لدولار تذاكر الطيران (منذ زمن طويل لم تخفض الحكومة سعر خدمة أو سلعة).. أما على الصعيد الخارجي، شارك وزير الخارجية إبراهيم غندور في مؤتمر ميونخ للأمن.. قد لا يبدو الأمر مهماً للوهلة الأولى ولكنه مؤتمر سنوي لأول مرة تُوجَّه فيه الدعوة للسودان منذ عشرين عاماً.
 المؤتمر خاص بمناقشة الأزمات والصراعات السياسية والعسكرية والأمنية في العالم.. شارك فيه رؤساء (21) دولة وحكومة وأكثر من (80) وزير خارجية ودفاع وأكثر من (600) مدعو من شركات عالمية وأكاديميين وممثلي منظمات.
 هي خطوات لو استثمرتها الحكومة ستغير صورتها دون شك داخلياً وخارجياً.. الفرصة متاحة أمام الحكومة لتمدّ يدها للآخرين وتبسط الحريات.. يتطابق ذلك مع ضبط الفوضى خاصة في الحقل الاقتصادي.. الأمر يتطلب عزيمة وجدية وحراسة وتفكير خارج الصندوق كما قال مدير جهاز الأمن.
 مثلما هتف ناشطون وبعض أهل المعتقلين أمس عند إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وانفضَّ السامر أمام سجن كوبر، كان من الممكن أن يحدث ذلك أيام الاحتجاجات.. الحكومة، بدلاً من أن تُجسِّد صورة زاهية أشبه بصورة البطل في الأفلام، تجدها تخلق من البعض أبطالاً.
 يتسخ ثوب الحكومة بيدها لا بيد المعارضة، مسألة لم أجد لها تفسيراً سوى أن الحكومة ليست على قلب رجل واحد.. إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، بمثابة فتح صفحة جديدة مع القوى السياسية.. وقف تصدير الماشية، إشارة إلى ان الحكومة (تمشي) على الطريق الصحيح او نوت على فعل الخير.. مراجعة أسعار الدولار، تأكيد على امتلاك زمام المبادرة واهتمام بالاقتصاد لا السياسة.. أما المشاركة في مؤتمر ميونخ تعني تغيُّر نظرة الغرب الأوربي للسودان.
 باختصار، لو أرادت الحكومة تقريب المسافة بينها والمواطن فلتقم ببناء (المؤسسات) وتلعن (الشلليات).

February 19th 2018, 7:54 am

المريخ عالم جميل

صحيفة السوداني

نصرالدين الفاضلابي


العنوان اعلاه جسدته الوقفة القوية لابناء المريخ خلف فريق الكرة العائد من بتسوانا بخسارة قاسية اعتقدها البعض انها نهاية المطاف وبداية الانهيار.
ولكن فاجأ المريخ شُمَّاته بوحدة استثنائية وتماسك كبير لأبنائه لا تحدث في اي نادٍ ولا في اي رقعة رياضية او اي منظمة من منظمات المجتمع المدني، وهي حصرياً على ابناء القبيلة الحمراء.
وبالامس تكرر سيناريو الوقفات العظيمة والملاحم الشهيرة والاستثنائية في دفاتر تاريخ المريخ العظيم.
ما ان اعلن الحكم عن نهاية مباراة المريخ وتاون شيب، الا وتداعى الجميع الى الحديث عن الوحدة والتماسك واعادة الفريق الى جادة الطريق.
كان قائد ثورة الحداثة والتطوير جمال الوالي كبيرا كعادته، واطلق تصريحات قوية أكد من خلالها قدرة المريخ على تدارك ما حدث من خسارة ببتسوانا.
ابدى الرئيس المحبوب ثقته في تدارك الموقف وقلب الطاولة على الخصم البتسواني استنادا على عظمة وشموخ هذا الكيان وارثه التنافسي التليد وانجازاته واعجازاته التي حققتها وقفات ابنائه الاستثنائية وتكاتفهم وتلاحمهم عند الشدة وهم عند الشدة بأس يتجلى.
*وتصريحات جمال الوالي ليست تصريحات عابرة لاداري عابر في كوكب المريخ، ولكن تصريحات جمال الوالي فكر وبرنامج عمل واستنفار للقدرات واستنهاض للهمم ومداوة للجراح ودعوة للنهوض من الكبوة وإعلان لشموخ وهيبة بني الاحمر.
ولم يكتفِ قائد المسيرة بتصريحاته فقط عبر الوسائط الاعلامية ولكنه أردفها باتصال بطارق سيد علي المعتصم الامين العام لمجلس ادارة نادي المريخ مقدما من خلال الاتصال دعمه الكامل لمسيرة الفريق ومساندته قبل لقاء العودة ومناشداً من خلال المجلس كل الفعاليات الجماهيرية بضرورة الاستعداد لمعركة التدارك.
وذود رئيس النادي السابق الامين العام بعدد كبير من النصائح التي ستفيده كثيرا في مباراة الكرامة ورد الاعتبار من خلال تجربة الرئيس المحبوب في مثل هذه المواقف وقد قاد عدداً من المعارك وتدارك الكثير من النتائج وكان آخرها ريمونتادا ريفرز النيجيري الموسم السابق.
تابع الجميع تلك المعركة الاستثنائية الموسم السابق عندما عاد الفريق خاسراً من نيجيريا بثلاثية، وتوقع الشمات ايضا انهيار المريخ ووداعه للمنافسة واستعجلت الالة الاعلامية الهلالية في الاعلان المبكر عن خروج المريخ من المنافسة، ولكن كان لتضامن ابناء المريخ وتعاضدهم وتصميمهم على التدراك اثراً كبيراً في الروح المعنوية لنجوم الفرقة الحمراء واستنهضت القدرات وتلاقت الرغبات الجماهيرية مع طموحات القاعدة وبذل وعطاء الابطال داخل مسرح النزال.
كانت المحصلة النهائية لتلك الوقفة الاستثنائية فوز المريخ برباعية نارية قتلت في الشمات الاحساس بطعم النصر وتذوقوا معها مرارة الهزيمة لانهم استعجلوا اعلان خروج المريخ من المنافسة خالي الوفاض ولم يتعظوا بتجربة باماكو ولا عزام التنزاني ولا من قبلها يوسكاف والقطن التشادي ليقعوا فريسة احلام زائفة وظنون خائبة.
انتصر المريخ برباعية وعبر الى دوري المجموعات وأشعلت جماهيره الشوارع والمدرجات واهتزت اركان العاصمة لأقوى الانتصارات، والآن يكرروا نفس السيناريو في شماتة غير مدروسة واستعجال خروج المريخ من المنافسة، وبإذن الله ستكون النتيجة كسابقاتها نصراً مريخياً عزيزاً وبؤساً للشمات وانكساراً لهم وقطع لسان.
تصريحات جمال الوالي بالامس أنعشت الآمال وشحذت الهمم للقتال في معركة رد الاعتبار وتدارك ما حدث في لقاء العاصمة البتسوانية.
أما السيد رئيس مجلس الشورى المريخي محمد الياس محجوب فقد بدا متماسكاً واطلق تصريحات ناشد من خلالها كل ابناء المريخ بالتركيز على مباراة العودة من اجل تحقيق الانتصار وتجاوز حاجز الخسارة.
ومناشدة كبير البيت المريخي بالطبع هي تعليمات لكل ابناء الكيان بضرورة تأجيل كل الملفات لحين العبور وتدارك خسارة بتسوانا.
وعلى درب الكبار والرموز سارت القواعد الجماهيرية والتي نزلت الميدان عقب اعلان الحكم عن نهاية مباراة بتسوانا مباشرة.
واعلنت لجنة التعبئة الجماهيرية استنفار قواعدها لمعركة الكرامة وناشدت جماهير المريخ بالعاصمة والولايات بضرورة الاستعداد لأم المعارك.
وايضاً احتشدت أعداد كبيرة من جماهير المريخ في دار النادي وفتح مدير الدار المجال لكل الروابط والفعاليات التشجيعية للتكاتف والتعاضد واطلاق شرارة (الريمونتادا) من داخل البيت الكبير للقبيلة الحمراء.
هناك ندوة جماهيرية حاشدة ستقام داخل دار النادي لترتيب الملحمة التشجيعية، وقبل ذلك ستنطلق روح الانتصار من استقبال اللاعبين بالمطار..
إضافة أخيرة:
المريخ عالم جميل..

February 12th 2018, 6:00 am

القدس إسلامية الهوية عاصمة فلسطين الأبدية

صحيفة السوداني


د. مصطفى يوسف اللداوي


لا نُصاب باليأسِ والإحباطِ والقنوط والعدمِ، ولا نُسلمُ ونستسلمُ ونخضعُ ونخنعُ، ولا نقبل ونعترف ونقر ونوافق، فَمَا حَدَثَ ليس قدراً مَحتوماً ولا كتاباً مسطوراً، ولا قلماً يكتب التاريخ ويرسم المُستقبل، إنّما هي إعلانات مأفونٍ وتصريحاتُ مجنون، وأحلام سفيهٍ وتصرفات أهوجٍ، وأقوالُ رجلٍ يظن أنه مَلَكَ الدنيا وحكم العالم، وامتلك الكون وسيطر على الأرض، وأنّه بجرة قلم أو بتغريدةٍ على التويتر، أو بصفقةٍ في السوق أو بمُغامرةٍ في البورصة، يستطيع أن يُبدِّل صفحات التاريخ وأن يُغيِّر معالم الجغرافيا، وأن يستبدل واقعاً ويثبت آخر، وأنّه بهوسه الغريب يستطيع أن ينسي الفلسطينيين حقهم، وأن يُجرِّد المسلمين من قدسهم، وأن يشطبها من قاموسهم ويلغيها من كتابهم.
نسي هذا الأهوج أنّ القدس آيةٌ في كتاب الله، وأنّها بعضٌ من القرآن الكريم، يتلوها المسلمون آناء الليل وأطراف النهار، يقرأونها في صلاتهم ويتهجّدون بها في قيامهم، ويتقرّبون إلى الله سبحانه وتعالى بذكرها، ويحفظونها صغاراً ولا ينسونها كباراً، ويورثونها لأنفسهم أجداداً لأحفادِ، وأنها مسرى رسولهم من البيت الحرام، ومعراج نبيهم إلى السماوات العلى، وقد باركها الله عز وجل لهم وفيما حولها من أجلهم، وجعل فيها طائفةً من أمته على الحق ظاهرين ولعدوهم قاهرين، لا يضرّهم من خالفهم ولا ما أصابهم من اللأواء في سبيله، وهم على العهد ماضون، يُحافظون على قُدسهم، ويُرابطون في أقصاهم، ويدافعون عن مسجدهم، الذي هو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، وأحد ثلاثة مساجدٍ يشد إليها الرحال، ولهذا فإنّهم عنه وعن القدس يدافعون، وفي سبيلهما يُضحُّون بالأرواح والمُهج وبالأموال والولد، وبهما لا يفرطون، ولهما مهما طال الزمان لا ينسون ولا يهملون.
نسي هذا الهائج كالثورٍ الذي أطلق إلى ساحة مصارعةٍ يجهلها، فبات يتخبّط في نفسه، ويضرب ضرب هوجاء في الفضاء علّه يصيب خصمه وينال من مصارعه، أنّ القدس عربية الأثواب والأسمال والمَعَالم والأسماء، وأنّها عربية الحرف واللِّسان، وعربية البنيان والعُمران، فتحها عمرٌ وحرّرها صلاح، وسكن فيها عليٌ وعمّرها عثمان، ومشى فوق ترابها شدادٌ وأبو عبيدة، وَصَالَ فيها عبادة وسلامة وأبو طلاسة، وبقي فيها المُسلمون عهوداً، وشد إليها العربُ الرحالَ عمراً، ما زالت إلى اليوم تحمل اسمهم وتخلد ذكرهم، وتبقى رغماً عن الاحتلال آثارهم.
لو قُدِّر لهذا المُفتون بنفسه، الَمغرور بقوته أن ينبش تراب الأرض، وأن يستخرج أجداث الأموات من الآباء والأجداد الذين سبقونا، وأن يحلل بقايا الرفات والعظام، فإنّه سيجد أن أديم هذه الأرض هو من تلكم الأجساد الطاهرة المُؤمنة، المُسلمة المُوحّدة، وأن تربتها تحتضن رفاتهم، ويسكنها أبطالهم، ويصبغها بالعروبة والإسلام رجالهم، وأن ترابها رطبٌ بدمائهم، ومُعبّقٌ بطهرهم، وفيه بقايا من آثارهم، والكثير من علاماتهم، فهي الأرض المُقدّسة التي فتحوها بعهدتهم العُمرية، وهي تلك التي حرّروها من الاحتلال الصليبي بالدماء الذكية، وهي نفسها التي طهّروها من الغزو المغولي، فبقيت عربية الوجه، إسلامية الهوية والحضارة.
ليس أدل تشبيهاً لهذا الأرعن الأمريكي، ولا أدق وصفاً له من قول الله عز وجل (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ثُمَّ نَظَرَ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلا....)،  HYPERLINK "http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?idfrom=3630&idto=3630&bk_no=48&ID=3100" \l "docu" وبذات حمق الكفار وعنادهم القديم، وجهلهم وسفههم المعروف، قال: إنّها أورشاليم عاصمة إسرائيل الأبدية المُوحّدة، وبها اعترف عاصمةً، وفيها أعلن أنه سيبني سفارة بلاده، ومنها ستزاول عملها ونشاطها، وقد ظن في نفسه جهلاً أنه البطل دون رؤساء أمريكا السابقين، وأنه الأكثر شجاعة والأصدق وعداً، وما علم أنه سيبوء بالخسران، وسيجد نفسه مُضطراً للإذعان إلى الحق، والقُبول بالعدل، والنكول عن الوعد والنكوص على العقب، وسحب الاعتراف وإبداء الندم، وسَيشهد التّاريخ على جهله، وستذكر الأيام مدى سخفه وقلةِ عقله، ونقص خبرته وضحالة تجربته.
لا تنسوا أيُّها العرب والمُسلمون، وأيُّها الفلسطينيون في الوطن والشتات، أنّ فلسطين كلها محتلةٌ أرضها، ومغتصبةٌ حُقُوقها، ومنتهكةٌ مُقدّساتها، ومنهوبةٌ أملاكها، وأهلها منها مَطرودون وفيها لاجئون وعنها مُبعدون، وقد اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية بالكيان الصهيوني عند تأسيسه في العام 1948، بل كانت أول دولةٍ تعترف به، ولم تكتفِ بالاعتراف به وتشريع وجوده، بل زوّدته بالمال والسلاح، وبالخبرة والرجال، والعلوم والتقنية الحديثة، ليبقى مُتفوِّقاً، ويستمر قوياً، ولكن اعترافها الأول به لم يلغِ عروبة القدس، ولم يشطب هويتها الإسلامية ولم يُغيِّر معالمها الأصيلة، رغم مساعيه المحمومة ومُحاولاته المجنونة، وإجراءاته التهويدية التي لا تتوقّف، إلاّ أنّ القُدس تبقى عصيةً على تهويدهم، وترفض أبداً تغريبهم، وتصر على أن يبقى الضاد لسانها، وأن تصدح بنداءات الله أكبر مساجدها، وتتردّد فوق قبابه وفي جنباته تلاوةً وتجويداً كلماتُ ربها وآياتُ قرآنها، ذكراً حسناً خالداً أبداً وعد الصدق إلى يوم القيامة.
بيروت في 9/12/2017


December 10th 2017, 8:23 am

شفافية برقو وطموح مازدا

صحيفة السوداني

الطيب شيخ ادريس


المؤتمر الصحفي الذي عقدته لجنة المنتخبات الوطنية ظهر أمس بمباني أكاديمية تقانة كرة القدم، على الرغم من أن وسائل الإعلام التي تواجدت فيه لم تكن بصورة كبيرة، ولكنه حوى على الكثير من الشفافية خاصة في الشق المالي وبصفة خاصة الدعم السخي الذي وجده المنتخب من رئاسة الجمهورية.
فرئاسة الجمهورية وضح من خلال حديث رئيس لجنة المنتخبات الوطنية دعمها الكبير واللا محدود عبر النائب الأول لرئيس الجمهورية ونائب رئيس الجمهورية ودعمهما لمسيرة المنتخب في التصفيات الإفريقية في الشان والتي تكللت ببلوغ الصقور إلى النهائيات بالمغرب كإنجاز جديد للسودان.
فالجميع يدرك حجم الصعوبات التي تواجهها الرياضة في حالة عدم دعمها في الوقت المناسب، فكرة القدم تعتمد في المقام الأول على الدعم المالي، وفي حالة عدم وجوده فإن برامج الإعداد لن تقام مما يسبب خللاً في البرنامج التحضيري للأطر الفنية، ولكن رئاسة الجمهورية فطنت لهذا الأمر وأسعفت مسيرة المنتخب في الوقت المناسب، حيث قدمت الدعم على مرحلتين كما كشف ذلك برقو، ففي المرة الأولى قدمت مبلغ (50)ألف دولار، ومثلها في المرة الثانية، مما جعل برنامج المدير الفني مازدا ينتظم وعلى إثره حقق الصقور آمال وتطلعات الأمة السودانية ببلوغ نهائيات الشان بعد تخطي عقبتي بورندي وإثيوبيا.
 الدعم الرئاسي لمسيرة المنتخب ليس بمستغرب أو جديد، والجميع يعرف أن رئيس الجمهورية نفسه رياضي من الدرجة الأولى حيث سبق له أن مارس العمل الإداري في مجلس نادي كوبر، ويعرف متطلبات الرياضة، ولذلك يعمل على توفير أفضل السبل لتحضيرات المنتخبات الوطنية حتى تحقق البطولات الخارجية التي طال انتظارها فمنذ العام (1975)م لم يحقق صقور الجديان أي لقب خارجي.
المدير الفني لصقور الجديان محمد عبد الله مازدا بدا سعيداً في المؤتمر الصحفي ببلوغ الصقور إلى النهائيات بالمغرب ،وقدم برنامجاً طموحاً في حالة تنفيذه بحذافيره فإن الصقور لا محالة ستكون على مؤعد مع ذهب الشان الذي فقدناهو بالخرطوم عندما استضفنا البطولة في العام (2011)م ،وأكتفينا فيها بالمركز الرابع فقط .
نأمل في أن تتاح إلى مازدا الفرصة الكافية لإعداد الصقور وعلى الوجه الأكمل، حتى يحقق لنا الفرسان لقب طال انتظاره، فكون السودان أحد البلاد التي أسست الكاف مع الثلاثي (مصر إثيوبيا وجنوب إفريقيا)،ولكنه في مجال الألقاب فقيراً للغاية ولا نملك سوى بطولة إفريقية واحدة لصقور الجديان، وقد حان الوقت لنيل المزيد من البطولات خاصة في عهد الدعم الكبير الذي يجده صقور الجديان من الحكومة.
شفافية برقو جعلت جميع من حضر المؤتمر الصحفي يخرج راضياً عن التناول المالي الذي قدمه رئيس لجنة المنتخبات الوطنية وبالمستندات والتي أثبتت أن كل اللاعبين وأعضاء الجهاز الفني قد استلموا مستحقاتهم المالية  ولا يوجد أي شخص عليه مستحقات في هذا الشان، والأجمل من ذلك البرنامج الطموح لمازدا، ويجب علينا أن نشد من أزرهم ونساعدهم حتى نحقق البطولات للسودان.

October 25th 2017, 9:33 am

الجهل بالحركة الإسلامية

صحيفة السوداني

اسامة عبدالماجد


 حاول البعض الاستثمار في نبأ تأجيل المؤتمر التاسع للحركة الإسلامية – وإن كان التشويش قد حدث بعد أن أشارت إحدى الصحف إلى الغائه – وبحسب ما لدي من معلومات أن المؤتمر تأجل حتى إبريل المقبل.
 لاحظت مساعي حثيثة من البعض للنيل من الحركة الإسلامية لدرجة المطالبة بحلها، وهي دعوات تنم عن جهل بدور الحركة المجتمعي والتزكوي والدعوى وهو الأصل في المجتمع السوداني المعتدل.
 محاولات استهداف الحركة ظهرت في صور مختلفة مرة بتصويرها وكأنها خصماً على المؤتمر الوطني والحكومة.. وتارة وكأنها السبب في كل الابتلاءات والمصائب التي حلت بالبلاد من أزمة اقتصادية الي انفصال الجنوب وغيرها من الأزمات التي خنقت البلاد وعطلت الإنتاج.
 يحاول أعداء الحركة تجريد الإنقاذ من سيفها، لا المطالبة بإعادته إلى غمده .. لم تمر الإنقاذ بضائفة إلا ووجدت أبناءها الإسلاميين يدافعون عنها بأرواحهم قبل أموالهم جنباً إلى جنب مع القوات المسلحة .. لولا ذلك لوضع الجنوبي جون قرنق رجلاً على رجل في قلب الخرطوم و(كلاشه) إلى جواره.
 قدمت الحركة الإسلامية أبناءها شهداء فداء للوطن، في ساحات القتال في كل أنحاء البلاد، رووا بدمائهم أرض الوطن الطاهر .. في وقت باع فيه (خونة) الوطن وأشانوا سمعته، ومرغوا أنفسهم في تراب الأعداء.
لن تُحل الحركة الإسلامية، يوماً من الأيام حتى وأن جاء الإعلان من أمينها العام نفسه، الشيخ الزبير أحمد الحسن - في حوار معه - تجدونه بالداخل – قال لا يوجد حديث عن حل للحركة .. إن الحركة تيار يسري في جسد كل من انتمى إليها .. أصبحت دمه الذي يجري في شرايينه .. وبيته الذي يأويه.. الحركة الإسلامية شمس تشرق صبحاً، لتذكر الناس برجال عاشوا بالنيرات.
 يحاول البعض تصوير الحركة أنها خطر على الحكومة، مع أن الرئيس البشير هو ابن الحركة الإسلامية .. إن الحركة إسلامية سودانية خالصة مرتبطة بالسودان وأهله من (الغبش)، قبل الصفوة .. لا علاقة لها بتنظيم الإخوان العالمي، وهي المعلومة المهمة التي أكدها الرئيس البشير في حوار سابق.
 الحركة اليوم ماهي الحركة التي كانت في عهد مؤسسها الشيخ حسن الترابي – عليه الرحمة – لم تعد تنظر خارج الحدود .. حتى دعوة الرئيس الجنوبي سلفاكير، للخرطوم بملاحقة متمرديها داخل أراضي بلاده لم تجد أذناً صاغية من الحكومة .. في هذا تأكيد على أنه ليس الحركة وحدها، من تأبى التدخل في شؤون الآخرين، بل حتى الحكومة.
راجعت الحركة الإسلامية نفسها مراراً وجددت مشروعها وتصوراتها ومؤسساتها ولكنها ظلت ثابتة على مبادئها وأهدافها.. نعم اندفعت في وقت سابق، وتوعدت أمريكا وروسيا بدنو العذاب .. وأسهمت في تغيير أنظمة وآوت معارضين لحكومات.. بيد أنه لكل زمان حديثه.
 لكن مما لا خلاف حوله أن الحركة تحتاج إلى مزيد من المراجعات بعد أن فتنت السلطة (بعض) رجالها وأنستهم عهد شهدائها.



October 25th 2017, 9:33 am

(نقوش على جدار السلام) رفع العقوبات خطوة مُهمّة ولكن!

صحيفة السوداني


  السفير د. معاوية التوم الأمين

   
سنوات عجاف عاشها السودان في تاريخه الحديث، بعضها بأسباب طبيعية فيما طاله من جفاف وتصحر في بعض أطرافه، وبعضها يعود للأزمات والحروب والنزاعات التي امتدت شرقاً وغرباً وجنوباً وما أفرزته من واقع وتداعيات، وكلفتها الكبيرة مادياً وبشرياً، أقعدت البلاد عن التقدم خَاصّةً في المسار الاقتصادي بكل مطلوباته في النماء والرفاه وحياة الإنسان اليومية ومعاشه. وبلا شك فإنّ التدخلات الخارجية من خلال المنتوج الكلي السالب لهذه الأزمات مُجتمعةً كان وراء العقوبات الثنائية من بعض الدول كالولايات المتحدة الأمريكية، وجماعياً كما هو الحال مع الاتحاد الأوروبي والتي قادت من بعد إلى عقوبات دولية وتأزيم للأوضاع الداخلية وتعقيد الحياة الاقتصادية والتراجع الذي لحق باقتصادياتنا في أوجهها المُتعدِّدة، سواء ما اتصل بالاقتصاد الصغير أو الكبير وحركة الإنتاج، ومعدلات البطالة وتدهور الصناعات الوطنية وعدم قدرتها على التنافس، ومُعَدّلات سعر صرف العملة الوطنية في مقابل العملات الأجنبية وغيرها من الإشكالات التي اعترضت مسارنا الاقتصادي. وبالمّقابل، فإنّ للسودان من الإمكانات والقدرات الاقتصادية ما جعله في السابق ويفترض أن يجعله الآن في مصاف الدول المُتطوِّرة إن لم تكن المتقدمة، لذلك لا ينبغي أن يكون القياس بما أفرزته الأوضاع الماثلة تحت ظروف الحروب والأزمات فحسب، حتى نقف على حقيقة ما هو مطلوب وما يُمكن فعله لجهة الالتزامات الداخلية وتوفيق أوضاعنا تحت كل الظروف، وبلادنا ظلت تُواجه تحديات كبيرة وعصيّة على التطويع، والوجهة الكلية للاقتصاديات التي أقرها هذا الواقع كانت ترمي بثقلها لمُقابلة الأمن القومي والدفاع لدرء آثار الحرب وتحقيق السلام والاستقرار، وهي مُعادلة من شأنها أن تضعف حركة الاقتصاد وتشل الموارد وتنسحب على حياة المُواطنين وغلاء المعيشة، وهذا ما جعلنا نقف لأكثر من عقديْن من الزمان تحت طائلة عُقُوبات مُتعدِّدة المصادر ومُتنوِّعة الأهداف استنزفت الطاقات وأحدثت من التشوهات على بنيتنا الاقتصاديّة ما يصعب مُعالجته في سنواتٍ محدودةٍ حتى وإن توفرت الموارد والإمكانات وصلحت الخُطط والبرامج، فلابُدّ من إطار زمني وافر لعَودة حَركة الاقتصَاد إلى طَبيعتها وتحقيق درجات التعافي الواقعي، هذا من حيث الإطار النظري والمفاهيمي الذي يفترض له أن يتماهى مع الواقع العملي على الأرض.  
بالمُقابل، وبمثل ما عَاشَ السُّودان هذا الواقع المرير بكل تبعاته وآثاره وما أوجده من ضائقة ومُعاناة، ظلّت الدولة حاضرةً وموجودةً بالرؤى والخُطط والبرامج التي رمت لمُقابلة هذه التحديات، عبر حزمة إصلاحات اقتصادية ودورات مرحلية وفق ما أتاحته الظروف، بعضها كان ناجعاً وأدى أكله وبعضها ارتضم بصخرة التكيف دون أن يبلغ غاياته أو يُحقِّق أهدافه، وكانت أيضاً هنالك إنجازات في المشروعات الكبيرة خاصةً المتعلقة بالبنى التحتية في ظل هذا الراهن الاستثنائي. فخطى الإصلاح تمضي وتأتي أُكلها في الظرف الطبيعي وفقاً للفرضيات المُتعارف عليها، ولكنها في واقع حالنا في المُؤشِّرات الاقتصادية والمُوازنات التي ظَلّت توضع والنتائج التي كانت مُتوقّعة وقياسات الأداء الكلي لم تكن لتأتي على نحو ما هو مألوف عند الدول ذات الأوضاع الاعتيادية، وعليه فإنّ ما تحقق يظل دون المطلوب والطموح آخذين في الاعتبار الخلفيات التي قادت لما نَجَمَ، وبلادنا ظلت تُعاني وتفتقد مدخلات الإنتاج والصناعة وقطع الغيار والتكنولوجيا التي تمتلكها هذه الدول القابضة بمفاصل الإنتاج التقني، فضلاً عن توقف القروض والهبات والتسهيلات، وتقييد حركة المصارف والبنوك ووقف الاستثمارات الأجنبية والدعم التقاني والمُساعدات الفنية، ومنعه من التمتع بميزات من شأنها أن تساعد في تسريع خُطى الإصلاح والهيكلة والإنعاش. لذلك مضت البلاد تكابد هذا الذي وقع عليها، وكان طبيعياً أن يكون مردوده بهذه المحدودية في النتائج، ليظل اقتصادنا حَبيس القيود والمُكبّلات التي تُحيط به، واستعصت نجاعة السياسات أن تعبر هذه المتاريس، والسودان عرف تاريخاً بما حققه من نهضة اقتصادية وعُمرانية وتقدم لعملته وفيض بالدعم والهبات لصالح دول بمصاف ألمانيا في مطلع السبعينات. وبمَا أنّ الاقتصاد يُقاس بالأرقام ويعرف بلغتها إلاّ أنّه لن يكون مُنصفاً أن تطبق هذه المعايير لمحاكمة ما ظل قائماً رغم المسؤولية الوطنية والأخلاقية على الدولة، بل ليس عدلاً أن تلتزم بعض هذه الدُّول كما في إعلان أوسلو قبيل إبرام اتفاق السَّلام الشّامل في العام 2005م وغيرها من الالتزامات الثنائية، دون الوفاء إلا بقدر محدود منها، ومن هنا تكمن العواقب الوخيمة ومَظاهرها في أشكال الحصار والعُقوبات التي طالت البلاد، وما انتهت إليه من نهايات نعيشها واقعاً.
نسوق ذلك وبلادنا تخطو مرحلة جديدة في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية من خلال مسيرة حوار جدي استمر لأكثر من عامين لم يكن الأول من نوعه وله مَسارات بموضوعات منضبطة، ولكنه للتاريخ لأول مرة تلتزم فيه أمريكا وتوفِّي بوعدها الذي قطعته على نفسها برفع العُقوبات الاقتصادية في أو قبل 12 أكتوبر 2017، وإن سبقته قبل ثمانية أشهر بخطوة أولى في رفع جزئي له، لم تكن نتائجه بالوضوح المطلوب. لنأتي إلى مرحلة السادس من أكتوبر بحسبانها مرحلة مُهمّة وانطلاقة لتعاون مُستقبلي ينتقل بعلاقات البلدين إلى واقعٍ مُشتركٍ تحكمه أطر التعامل الدولي المُتعارف عليها. ولا غرو أن تُقابل هذه الخطوة من السودانيين حكومةً وشعباً بهذه الفرحة والارتياح لكل قطاعات الشعب وتياراته، وهي مشروعة ومتفهمة في ظل الحرمان وحالة الضيق التي ظلّت تُسيطر على المشهد، وحالة العداء والكراهية التي كانت تُشكِّل المزاج الشعبي تجاه أمريكا. وبعد أن استقرت المشاعر علينا أن ننظر لما يمكن أن تسفر عنه الأيام المُقبلة وما ستحدثه هذه القرارات من انفراجات على صعيدنا الداخلي وعلاقاتنا الخارجية، وإن كانت بحاجة لتكلمة فيما أسماه السيد وزير الخارجية بروف غندور بمفارقة إزاء ملف الإرهاب، وحاجتنا للسعي مع الأطراف الدولية الأخرى لأن تأخذ هذه الخطوة بذات الجدية لديهم وتنعكس في قرارات مُشابهة تُعزِّز من فرص السودان في النهوض من كبوته وإزالة العوائق كَافّة أمام مسيرته الاقتصادية، بما يفضي إلى توجُّهٍ جديدٍ يحتاج لمُخاطبة تأخذ بهذه التطورات بتقديرات مستبصرة.
لا نريد لموجة الفرح العَارم التي تنتظم الأوساط الداخلية أن تفرط في التفاؤل والرجاءات في سرعة النتائج والمآلات لجهة الإيجابية والانفراج في حركة الاقتصاد وأسعار السلع والخدمات، نظراً لأنّ العُقوبات لم تكن العامل الأوحد فيما لحق بنا، ولكنها كانت جُزءاً مُؤثِّراً فيما طال بلادنا من ضعفٍ وتدهورٍ اقتصادي وحملات للتشويش أضرّت في أكثر من ناحية. لقد آن الأوان أن تضاعف الجهات الرسمية جُهودها من وحي هذه السانحة مع المجموعة الأوروبية ومع الأمم المتحدة كي تتّسق الخطوات، بحسبان القرارات الأمريكية في حدها الأدنى اعترافاً بخلو سجل السودان من تبعات ما نُسب إليه أو تحسناً في توجهه على أقل تقدير بمعاييرهم. علينا أن ننظر في هيكلة قطاعنا الاقتصادي ومُؤسّساته بما يجعل خُططنا وبرامجنا تكيف لصالح إقالة هذه الكبوة وعدم الرجوع إلى سابق ما جرى. نريد أن نصوب على مسؤوليتنا الوطنية ومُضاعفة جهدنا وتَوظيف إمكاناتنا بأكثر من تعويلنا على ما سيأتي من الخارج. فرفع الحصار والعُقوبات الظالمة عن بلادنا خطوة مُهمّة ومُشجِّعة لكنها لن تفوق مطلوباتنا الذاتية للنهوض باقتصادنا وإصلاح أحوالنا على نحو ندرك فيه قيمة مثلنا في وطئنا للجمرة والاكتواء بنارها.      




October 11th 2017, 7:00 am

تسوُّل (أوفر تايم)

صحيفة السوداني


محاسن أحمد عبد الله


اعتدنا مشاهد ومناظر المُتسوِّلين الذين يُصافحون أبصارنا في الرواح والغداة وهم يرهقون آذاننا بعبارات حفظناها عن ظهر قلبٍ حتى بتنا لا نستطيع أن نُميِّز الصّادق من الكَاذب لتعدُّد الروايات وتشابه الروشتات التي يستجدون بها الشّخص، إلاّ أنّ اللافت للأمر أنّ المُتسوِّلين لم تقتصر وردياتهم خلال الفترة الصباحية حتى غروب الشمس، بل أصبح هناك تسوُّل (أوفر تايم) أي ما بعد منتصف الليل ما يدل على اتساع هوته وعدم السيطرة عليهم بعد أن تَعَدّدت أشكالهم وألوانهم ولُغاتهم وأساليب احتيال البعض منهم من أصحاب الأغراض الأخرى.
لفتني وأسرتي قبل أيام بعد خُروجنا من مطار الخرطوم حوالي الواحدة صباحاً في طريقنا للمنزل، وعند تقاطع المستودعات بالقرب من التصنيع الحربي شاهدنا امرأة يبدو عليها في العقد الرابع من عُمرها وهي تحمل طفلاً رضيعاً على كتفها وآخر مُمسكة به في يدها وهي تطرق زجاج سيارتنا تريد مالاً، نظرت إليها ملياً وتفحّصتها لأتفاجأ بها وأنا أقول لوالدتي (دي نفس المرا الكانت تشحد في استوب أبو حمامة وكانت في عجلة مُتحرِّكة!!) اندهشت أسرتي على هذا الاحتيال الذي بلغ بها أن تكون متواجدة ما بعد منتصف الليل لممارسة التسوُّل بتلك البجاحة وبرفقة أطفالٍ أبرياءٍ، الذي لفتني ليس حَوجتها أو رُبّما فقرها، لكن الذي لفتني احتيالها وكان الأجدى لها أن تشحد دُون أن تدّعي المرض أو غيرها من الأساليب الأخرى التي بات يتقنها بعض المُتسوِّلين والتي أصبحنا نفهمها تماماً.
في رأيي ظاهرة التسوُّل تُعتبر من الظواهر المُجتمعية السالبة التي تكشف حال البلد وفقره وتخلُّفه والفشل في مُحاربته، والحدود المشرعة للأجانب من البلدان المجاورة ليضاعفوا نسبة التسوُّل الموجودة أصلاً فتتفاقم الأزمة بعد أن ينتشر الجميع لأوقات مُتأخِّرة من الليل، حتى بتنا نشك فيهم بأنّ الموضوع ليس تَسوُّلاً فقط، وهناك نماذج كثيرة لمُتسوِّلين (أوفر تايم) ارتكبوا جرائم نهب وسرقة خاصة الذين يجوبون الأحياء السكنية من النساء.
إذا دقّقنا في أمر المُتسوِّلين ما بعد منتصف الليل.. كم سيكون حصادهم المالي؟ ومن هي الفئة المُستهدفة في ذلك التوقيت المُتأخِّر؟ من الذي يقوم بترحيلهم إلى أماكن سكنهم، خَاصّةً إن كُنّ نساءً يحملن أطفالاً صغاراً؟ مع العلم بأنّ أغلبهم لديهم سكن وأسِرّة وتحديداً الأجانب ممّن يستأجرون الشقق المفروشة جنوب الخرطوم (جبرة) ومنطقة الديم وأركويت ومناطق أخرى.
عليه.. لابُدّ من الجهات المعنية بالأمر بحسم وضبط كل مُتسوِّل أياً كانت جنسيته وهو يجوب الشوارع والتقاطعات والإستوبات ما بعد منتصف الليل بغرض (الشّحدة) وخَاصّةً النساء والفتيات، لأنّ لبعضهم مآرب أخرى نخشى أن تتطوّر فتصل مرحلة الظاهرة حتى يتم القضاء عليها نهائياً قبل أن نصل مرحلة مُتأخِّرة من الضرر.
بدون قيد..
لا تترك الحبل على الغارب!!

October 4th 2017, 9:20 am

ندى القلعة خارج سباق (العدَّادات)

صحيفة السوداني


الخرطوم: كوكتيل
كشف بعض أصحاب ومديري الصالات بالخرطوم عن أسماء أكثر الفنانين تسجيلاً للحضور داخل صالاتهم بغرض إحياء حفلات الزواج والمناسبات الخاصة، وكشف مدير إحدى الصالات- والذي فضَّل حجب اسمه- أن أكثر الفنانين حضوراً داخل صالته هم: سامي المغربي وطه سليمان وعاصم البنا، في الوقت الذي كشف فيه آخرون عن تراجع واضح لبعض الفنانين الذين كانوا يسجلون حضوراً مكثفاً خلال الفترات الماضية، وفي مقدمتهم الفنانة ندى القلعة.

October 2nd 2017, 7:21 am

الواقع العربي.. سُقوط أنظمة أم انهيار دول؟!

صحيفة السوداني

فريق أول ركن/ حسن يحيى مُحمّد أحمد


جاءت قمة البحر الميت ميتة كسابقاتها، حيث لا جديد فيها وكل مخرجاتها أقوال بلا أفعال. نجاح القمم لا يُقاس بعدد الملوك والرؤساء المُشاركين فيها ولا بدقة التنظيم والإعداد ولا كرم الضيافة وحرارة وحُسن الاستقبال، ولكنها تُقاس بما يَصدر عنها من قراراتٍ قويةٍ تَحدث اختراقاً في الواقع العربي المُؤلم والبائس. المُواطن العربي يتطلّع إلى صدور قرارات تاريخية تتناسب مع قُدرات وإمكانات الأمة العربية وأشواق وتطلعات المُواطنين العرب الذين ينشدون الأمن والاستقرار والرفاه. جامعة الدول العربية تمثل الحكومة القومية للدول العربية، وكان بإمكانها أن تستغل الموقع الجُغرافي المُتميِّز للعالم العربي وكل ثرواته وموارده وتفجر طاقات وقدرات قواه البشرية لتشكل قطباً جديداً يكون له شَأنٌ كَبيرٌ في السياسة الدولية. عناصر الوحدة مُتوفِّرة في الأمة العربية، حيث الرابطة العرقية والعقائدية واللغوية والثقافية والهوية ووحدة المصير المُشترك والمُستقبل الواحد. في عالم اليوم لا مكان للضُعفاء حيث إنّ الكل يتّجه اليوم إلى إنشاء الكيانات الكبيرة التي تضمن له البقاء.
مُتغيِّرات السياسة الدولية والتحديات التي تُواجه الأمة العربية تفرض وتحتم عليها تجاوز الواقع العربي المرير الذي لا يتناسب مع أمة ذات أمجاد وتاريخ تليدٍ. لقد حَانَ الوقت للأمة العربية أن تتجاوز خلافاتها ومُكايداتها السياسية من أجل الحفاظ على كيانها. الأمة العربية تملك كل عناصر وعوامل
القوى وهي غير قادرة لاستغلالها وهذا يعني أنّ هنالك خللاً يتطلب العلاج السريع.
السؤال هنا: هل يكمن الخلل في الجامعة العربية التي تتولى تنسيق وإدارة الشأن العربي أم يكمن في الرؤساء؟ أم في التدخلات الخارجية التي تعرقل كل مشاريع الوحدة العربية؟ بعض الدول العربية لها ارتباطاتها الخارجية واتفاقياتها الدولية التي كبّلت حركتها نحو مشاريع الوحدة العربية. بعض
الدول العربية لها علاقات دبلوماسية مع اسرائيل، بينما هنالك دولٌ عربيةٌ أخرى ترى أن اسرائيل عدو استراتيجي. عدم توحيد المفاهيم وتباين المواقف في القضايا المختلفة تبعاً للارتباطات الخارجية وعدم الاتفاق على مَن هو العدو ومَن هو الصديق، كل ذلك انعكس سَلباً على الواقع العربي الراهن.
من المعروف أنّ المُنظّمات الدولية والإقليمية قد أصبحت آلية للنظام العالمي الجديد. مَقر الجامعة العربية لعب دوراً كبيراً في قراراتها لأنّ دولة المقر أصبحت آلية من آليات النظام العالمي الجديد، حيث أنها قادت القوات العربية المُشاركة في حرب الخليج الثانية ضمن قوات التحالف التي أنشأتها الولايات المتحدة الأمريكية خارج نطاق الأم المتحدة، بالإضافة لأنّ اتفاقية كامب ديفيد قد كبّلت مصر وأخرجتها من أيِّ صراع مسلح مع اسرائيل، هذا بالإضافة لأن منصب الأمين العام للجامعة قد أصبح حصرياً لوزراء الخارجية المصرية الذين أصبحوا يتعاملون مع الجامعة العربية وكأنها تأتمر بأوامر وزارة الخارجية المصرية!! إذا لم ينهض القادة العرب بمسؤولياتهم التاريخية ويُغيِّروا هذا الواقع، فإنّ حال الجامعة العربية سوف لن ينصلح أبداً!
خلاصة القول: أصبحت جامعة الدول العربية عبارة عن ملتقى علاقات عامة للمجاملات والتمسك بشعرة معاوية لحين الاتفاق على الوقت المُناسب لإعلان تشييع جامعتهم التي ماتت إكلينيكياً منذ وقت طويل. أول قمة عربية ناجحة هي قمة الخرطوم بلاءاتها الثلاثة (لا للتفاوض ولا للصلح ولا للاعتراف باسرائيل). بعد تلك القمة خرجت الصحف الاسرائيلية تحمل في صفحاتها الأولى كعناوين بارزة: (وخرجت الخرطوم تصفق للقائد المهزوم). تلك هي القمة التي حققت للأمة العربية عزتها وكرامتها. ينبغي
أن تعلو الارتباطات العربية والاتفاقيات العربية على أي ارتباطات أخرى مَهمَا كانت أهميتها. الخروج من الواقع العربي الراهن يتطلب إرادة سياسية وقوة عزيمة قوية تساعد في اتخاذ قرارات شجاعة وتاريخية مع وجود آلية لمُراقبة ومُتابعة التنفيذ. الاتحاد الأفريقي كمنظمة إقليمية وليدة يتمتع بإرادة سياسية قوية في صنع القرارات الاستراتيجية والمصيرية ومتابعة تنفيذها. من يهن يسهل الهوان عليه وليس لجرح بميت إيلام!!
الواقع العربي المُزري يتطلّب التحرك السريع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه لأن المقصود ليس سقوط الأنظمة وإنما المقصود هو انهيار الدول والكيان العربي الإسلامي الذي يملك الثروات والموارد الضخمة والمناطق الحيوية والاستراتيجية التي تمثل قلب الأرض ومن يسيطر على قلب الأرض فسوف يسيطر
على العالم أجمع كما ينادي بذلك علم الجيويولتيكس.
ختاماً: قبل أن يطوق على جامعة الدول العربية ما لحق بالاتحاد الأوروبي فإنّه ينبغي إعادة النظر في هيكلتها على أعجل ما تيسّر.
وبالله التوفيق


April 9th 2017, 9:07 am

السودان وأرتريا والغرب الدم على الحدود ١-٢

صحيفة السوداني


محمد عثمان إبراهيم

قبل سنوات كانت القوى السياسية المعارضة تتهافت على تحريض المجتمع الدولي ومحكمة الجنايات الدولية من أجل إصدار مذكرة توقيف بحق الرئيس وأركان حكومته. لقد كانت المعارضة بسذاجتها البينة وكسلها المعهود تهدف إلى استخدام طاقة المجتمع الدولي للقيام بالمهمة التي عجزت عنها وهي إسقاط النظام والحلول مكانه. على شط الرشاد كانت هناك جماعة محدودة من خارج أنصار الحزب الحاكم تقف ضد مثل هذا التدخل وكاتب هذه السطور من بينها بكل اعتزاز. كنا نرى أن أكثر ما يعيق نمو الحكم الراشد في بلادنا (صرت لا أحبذ استخدام كلمة ديمقراطية) هو أن يضطر أحد الأطراف إلى التمسك بالسلطة كخيار وحيد، وهذا بالضبط ما حدث لحزب المؤتمر الوطني الذي أدرك، دون كثير اجتهاد، أن تخلي قادته عن السلطة وآلة الدولة هو صافرة البداية لسحلهم في الشارع السياسي. ماذا جنى مؤيدو التدخل الدولي وأنصار أوكامبو الذين تكأكأوا على لاهاي ونيويورك لالتقاط الصور مع الحقوقي الأرجنتيني المهووس بالإعلام؟ لا شيء سوى أنهم أغلقوا على أنفسهم الباب في غرفة المعارضة وأضاعوا المفتاح.
ما تتخذه الحكومة الآن بقيادة الرئيس عمر البشير من خطوات للانفتاح على القوى المعارضة، وتلك التي يعجزها صندوق الانتخاب عن الحضور في مشهد الحكم، إنما ينطلق من موقف منتصر. لقد حققت حكومة البشير انتصارها السياسي التاريخي في أعقاب مذكرة أوكامبو بمجموعة من الإجراءات القاسية والقرارات الصعبة، وهي الآن تمتلك المصدات الكافية لحماية جوهر السلطة من أي محاولة للتآكل لذلك فإنها تمد يدها، بثقة، لاستيعاب الخصوم الراشدين. إذا أقبلت القوى السياسية فستتاح لها الفرصة للمساهمة في الصالح والخير العام وفق استراتيجية الإنقاذ، وإن امتنعت فإنما هي تزيد من تعزيز بقاء الإنقاذ حيث هي.

ما حدث في السودان من محاولة للاستعانة بالظروف الخارجية لإحداث انتصارات داخلية حدث بشكل أكثر بشاعة وألماً في الجارة أريتريا، وبينما ساهمت عوامل الإرث السياسي منذ الاستقلال، وصلات التاريخ والجغرافيا والدين والاقتصاد بالخليج والعالم العربي في إنقاذ السودان فإن جارتنا العزيزة أريتريا لم تستطع، للأسف، النجاة حتى الآن.
لقد كنت شاهداً على تداعيات الحرب الأريترية الإثيوبية المدمرة، ورأيت مشاهد الدمار والخراب التي ضربت العمود الفقري للدولة الناشئة الفتية ورأينا مع المواطنين المشفقين والمذهولين كيف كاد حلم الدولة المستقلة أن يجهض في أسابيع محدودة. في ذلك المناخ انتعشت معارضة سياسية شرسة ضد الرئيس أسياس أفورقي وحكومته ورأى خصوم الجبهة الشعبية في الجيش الإثيوبي الذي كان يدك المنشآت الصغيرة يداً مُعينة قد تسهم في توفير فرصة مواتية لهم للوصول إلى الحكم. في ذات الوقت ساعد الحراك المعارض المتوقد بفعل الحريق المدمر بعض القوى المدنية على التعبير عن رفض الحرب والشكوى من آثارها فيما حاول رفاق الرئيس في الحزب الحاكم العمل على إعادة ترتيب البيت الداخلي بما يحقق لهم بعض الأهداف. لست في موقف لأقول من كان منهم على حق ومن كان على خطأ لكن كان موقف الرئيس أفورقي رافضاً لما ظنه استثمار غير شريف لظرف كان ينبغي فيه تنحية الاحتقانات والخلافات والتفرغ للمعركة الوطنية وقد كتب بشكل مباشر إلى رفاقه الذين كان يعقدون الاجتماعات ويدعونه إليها كأي عضو عادي "أنكم ترتكبون خطأ كبيراً". بعدها سارت الأمور على غير ما يشتهي الجميع، ودخلت مجموعة الـ١٥ السجن واضطرت الحكومة للتشبث أكثر بالسلطة، ووأد الدستور الجديد والانتخابات التي كانت في الطريق، وانطفأ أمل المستقبل الزاهر الذي كان طلاب المدارس حينئذ يحلمون به وكالعادة كان المجتمع الدولي في الموعد تماماً فأضاف على نار الحرب وبشاعة آثارها مزيداً من زيت العقوبات الاقتصادية والضغوط السياسية والعزلة الدبلوماسية على جارتنا الأقرب إلينا رحماً ووجداناً.
يوم الخميس نقرأ كيف يدفع الشَّعبَان على الحدود الثمن.


March 14th 2017, 9:29 am

لالوبة يا خداما

صحيفة السوداني

                               

د. محمد علي عبد الجابر

لالوبة يا خداما *** الليل يجيب كلاما 

         النوم بقالي ملامة

كَم يحدوني الأمل وأكون في شوقٍ وتتوق نفسي لهذا التناجي الأثر الشفيف الذي يثري الدواخل ويُعمِّرها بنفحات الإيمان حتى لا يفلت لجام النفس وتتُوه في حُب الدنيا، وتنغمس في ملذات تؤدي بالإنسان، في شوق لهذا التداعي (الوخاز)

 حتى لا تطيح الغفلة بالفكرة، ويعكر الندم صفونا، كم أكون في حاجة إليه لتفادي هوى النفس في بساط المُغريات الممدود على مَد البصر.

حوار الليل وهمس الوجدان المُتعشِّم في هبات الليل ونفحاته التي تتخيّر وتصطفي ولا تؤتى إلاّ للصابرين والصادقين والمُخلصين أصحاب الهمم العالية الذين يروق لهم الليل، يَستنطقون هدوءه ويقرأون في كف صمته كل التفاصيل المخبوءة، أولئك الذين يحترقون في سر المَعَاني وعمق المَقاصد يسمون فوق المَحسوس وتلك التي تدركها العُيُون، تُحلِّق دواخلهم إلى عوالم تجعلك تعبد الله كأنك تراه، يدرجون الفعل من مقام المُمارسة المُعتادة إلى مقام التذوق ومُتعة العبادة، في الليل الذي يُوغل في الصمت والهُدوء يتحرّرون رويداً رويداً من كل آصرة ورابط وقيد يشدهم إلى الدنيا الفَانية، تتوق نفوسهم لتلك التي لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، في الليل الذي يُوجد الصدق والإخلاص ويبعد الرياء تتولد الفتوحات من أتون الوعد القديم مازال العبد يتقرب اليّ، فإن رأيت الرجل يشطح ويهزيء ببعض الغيبيات فترقب ليله ولا تزدري انطواءه ونزعته للوحدة والانفراد فذلك مقام تسقط فيه الأحلام الوضيعة والدنيئة التي تشغل العوام وليس لها سلطان على عباد الله المخلصين الذين تناجوا لمرتبة اليقين والنفس المُطمئنة، يتسربون عز الليل، ينجذبون إلى عوالم النجوى والناس نيام.

 لطف الحوار المسكون بمَسحَة العتَاب وتقريع الذات وخزات تنعش الذاكرة ولا تؤذي الجسد، الجسد المجبول على الدعة والذي لا يروِّضه إلا الليل والحرمان الذي يردم الهوة وفراغات الضعف الإنساني ويتعالى فوق الشهوات والرغبات ويسد الطريق أمام الاشتهاء لمتاع الدنيا المتاحة، جسد أضناه السهر وبقي نحيلاً لم يعرف السحت طريقه إليه فبدا أشعث أغبر لو حلف على الله لأبرّه.

الألم (السهراجة) الذي يشعرنا دائماً بالتقصير في جنب الله ويجعلنا نسرع الخُطى ونسرج خيول الليل الى مقامات الصفاء ومنابع الحق واليقين.

النفس لا يهذبها ولا يشذبها ولا يلجم طمعها وجشعها إلا الإدراك العميق، لكنه الحياة والتأمل الثاقب لما وراء هذا المشهد الصّاخب الضاج وقوام ذلك الخلوة ومُداعبة اللالوبة في الليل البهيم.

 الزهد الذي يقرب الصورة مهما تزيّنت الدنيا وأدهشتنا بعطاياها التي تتجدّد وتهزم فينا الصمود، الزهد هو الذي يقوي إيماننا بأن ما عند الله هو الأكبر وهو الأجمل وهو الذي يبقى ولا يزول، كسباً ندّخره ونحتمل من أجله كل ابتلاء ومسغبة وحزن.

الليل أيُّها الأحبّة (ويا قوم) والتأمُّل فيه هو الذي يُجرِّدنا من كل التزام يُكبِّل خطانا ويوقفنا أمام الحقيقه الناصعة أننا سنأتي الله فرداً فرداً. 

 

 

 

November 20th 2016, 4:54 am

اقتصاديات الحرب... وتكلفة الصراع في الشرق الأوسط

صحيفة السوداني


ـ لواء مهندس ركن أمين إسماعيل مجذوب

ـ يبدو المشهد العالمي كئيباً والصورة قاتمة لما يكتنفه من مشاهد مُتكرِّرة للصراعات والحروب التي أضحت مشهداً ثابتاً على القنوات الفضائية، ولم تعد تحرِّك ساكناً في مشاعر الجالسين أمام أجهزة التلفاز، بل يأتيك الشعور أحياناً بأنّ العالم الأول أصبح يتسلى بمشاهد تلك الصراعات والحروب كونها تدور خارج أراضيه وبعيداً عن مناطق رفاهيته وملذاته، بل أصبحت تدر دخلاً بالمليارات لدول العالم الأول المُصدِّرة للسلاح والتي ما أن تريد أن تختبر سلاحاً جديداً، حتى تقوم بخلق وتصدير أزمة تتحوّل إلى صراع مُسلّح لاختبار ذلك السلاح ومن ثم يدفع أطراف الصراع ثمن السلاح وتكلفة الاختبارات التي تمّت على أجساد ورؤوس دولهم ومُواطنيهم، العالم الآن يموج بصراعات تمتد من شرق العالم بين الكوريتين والسباق النووي الذي برعت فيه كوريا الشمالية، وهو صراع تغذيه الدول العُظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، بجانب كوريا الجنوبية، ويقف إلى جانب الطرف الشمالي كل من الصين وروسيا، ثم الصراع الطويل الممتد بين الهند وباكستان وهو صراع يُدار بوسائل خشنة ونَاعمة ونتجت عنه خسائر كبيرة بشرية واقتصادية، ثم نأتي لمنطقة الشرق الأوسط التي تعج بالصراعات والحروب والأزمات المُمتدة، الصراع الإيراني ضد المُجتمع الدولي من أجل امتلاك القوة النووية، والصراع الإيراني مع القوى الإسلامية السنية لأسباب طائفية، ومسرح عمليات الصراع الأخير مَفتوحٌ على مصراعيه في لبنان والعراق وسوريا واليمن ومرشحة مناطق أخرى للانضمام إلى هذا المسرح العبثي الذي يدمر ولا يبني ولا توجد له أهداف واضحة سوى بسط النفوذ الإقليمي واستعادة أمجاد تاريخية اندثرت في حقب التاريخ القديم.
الصراع بين أقطاب النظام العالمي الجديد الذي لم يتخلّق حتى الآن كنظام مُتعدِّد الأقطاب، أو ثنائي القطبية، أو أحادي القطبية، وأصبح الصراع بين أقوى مكوناته (أمريكا ــ روسيا ــ الاتحاد الأوروبي ــ الصين) يتم عبر الوكالة في الأزمة الأوكرانية والأزمة السورية والأزمة العراقية وأزمة اليمن والأزمة الليبية، وأزمة التركيع في مجموعة الأوبك بإغراق الأسواق لتخفيض الأسعار وتدمير اقتصاديات دول بعينها.
 تكلفة الصراع والحرب في العراق وسوريا كلّفت حتى الآن حوالي 209.06 مليارات دولار (تقديرات مؤشر السلام العالمي)، بجانب أن ظهور تنظيم داعش في الدولتين حول المنطقة إلى مسرح عمليات دولي أشبه بما حدث قي الحربيْن العالميتيْن الأولى والثانية، وجعلها المنطقة الأكثر عنفاً في العالم، والأكثر لجوءاً بسبب العمليات العسكرية، وقد أضعف الصراع اقتصاديات الدولتيْن والدول المُُجاورة لهما بسبب التأثير المُباشر للصراع وأدواته، نصيب العراق من تلك التكلفة بلغ 152.320 مليار دولار، بينما بلغت تكلفة الصراع في سوريا 56.74 مليار دولار ما يعادل 42% من دخلها القومي، وتخسر إيران من جراء تدخلها في الصراع العراقي والسوري حوالي 20 مليار دولار سنوياً، وإن كانت تُعوِّض جُزءاً كبيراً منها من موارد البلديْن في النفط والغاز.
بلغت تكلفة الصراع في اليمن حوالي 9.951 مليار دولار كتكلفة عمليات عسكرية على الجانب اليمني، ما يعادل 9% من الناتج المحلي، بجانب أنّ الصراع في اليمن تسبّب حتى الآن في أضرار في البنية التحتية تصل تكلفتها إلى حوالي سبعة مليارات دولار وأضرار اقتصادية أخرى قُدِّرت بأكثر من 7.3 مليارات دولار، (حسب التقرير الذي يحمل عنوان التقييم المبدئي للأضرار والاحتياجات شارك في إعداده البنك الدولي والأمم المتحدة والبنك الإسلامي للتنمية والاتحاد الأوروبي)، وقد خسرت المملكة العربية السعودية من زيادة إنتاج النفط وتخفيض الأسعار حوالي 180 مليار دولار، هذا خلافاً عن تكلفة العمليات العسكرية لتحالف عاصفة الحزم وعملية إعادة الأمل التي قاربت الـ 200 مليار دولار،  وما زالت أطراف الأزمة اليمنية تُعاني من الضغوطات على الاقتصاد الذي لابد أن يتحوّل بعد عام ونصف على بدايته إلى اقتصاد حرب وشد الأحزمة على الميزانيات، وهذا ما بدأت المملكة العربية السعودية في تنفيذه من خلال رؤية 2030م التي كانت من نتائجها إنشاء محفظة جديدة للاستثمار بجانب ضوابط قاسية لسوق العمل والرسوم والضرائب التي لم يعتد عليها المواطن والمقيم، وجاء قانون الجاستا كمُهدِّد مُباشر للودائع والاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة الأمريكية الشريك الاقتصادي الاستراتيجي الأول للمملكة منذ خمسين عاماً، اقتصاد اليمن انقسم بين حكومتيْن وبنكيْن مركزييْن في صنعاء وعدن، وناتج محلي يقارب الصفر، مع استمرار عمليات تهريب البترول من قبل الحوثيين وقوات صالح لتسيير نفقات عملياتهم العسكرية، بينما تعتمد الحكومة الشرعية برئاسة هادي على الدعم الاقتصادي من دول المُبادرة الخليجية منذ عامين.
مع احتدام المعارك للتخلص من داعش في ليبيا، أكبر بلد يملك احتياطي نفطي في أفريقيا، سيكون من الصعب حساب تكلفة الحرب والصراع بين الفصائل المختلفة كونها مُهمّة شاقّة، فلا مُؤسّسات حكومية يمكن القياس بها أو عليها، ولا اقتصاد مُستقر يمكن تقيمه أو تقويمه عبر مؤسسات النقد المالية القارية والدولية، من ناحية أخرى يتضح للمتابع أن التحدي المُتمثل في الصراع والعنف على نطاق واسع لا يقتصر فقط على البلدان ذات الدخل المنخفض، حيث توضح التجارب والخبرات السابقة أنّ تأثير النزاع يختلف عادةً مع النوع والكثافة والمدة والنطاق الجغرافي، في السنوات القليلة الماضية زادت حُدّة الصراعات وارتفع عدد النازحين ليصل إلى 60 مليون شخص على مُستوى العالم، وتمثل منطقة الشرق الأوسط 40% من المجموع العالمي لمقدار الوفيات المرتبطة بالمعارك منذ عام 1946 حتى العام 2015م، كَما أنّ 60% من الضحايا كانوا في مطلع الألفية الثالثة، أي مُتزامنة مع ما يُعرف بالربيع العربي وظهور داعش والصراعات العرقية والطائفية في المنطقة، وفي الآونة الأخيرة، حاول صندوق النقد الدولي تقدير تكلفة الصراع في منطقة الشرق الأوسط، حيث وضح انخفاض الناتج المحلي الإجمالي في سوريا إلى النصف خلال أربع سنوات من القتال، والانخفاض إلى أكثر من الربع في اليمن، وحتى مع وجود مُعدّل نمو سنوي مرتفع نسبياً قدره 4.5%، إلاّ أنّ الأمر في سوريا سيستغرق 20 عاماً أو أكثر للعودة للناتج الإجمالي المحلي قبل اندلاع الصراع في عام 2011م، بالنسبة للاقتصاد الفلسطيني لا يزال راكداً تقريباً على مدى السنوات العشرين الماضية، في حين نَمَت اقتصادات دول الشرق الأوسط بنسبة 250%، حيث بلغ مُتوسط النمو في البلدان التي لم تشهد صراعاً بين عامي 1970 ــ 2015 التي حَافظت على السلام لمدة لا تقل عن عشر سنوات بعد انتهاء الصراع نحو 4%، استقرار الاقتصاد الكلي  في مناطق الصراع في الشرق الأوسط يعتمد على جوانب عديدة أخرى من السِّياسات الاقتصاديّة، التي يُمكن أن تكون أقل تنظيماً من نواحي التنبؤ والتخطيط، ومع ذلك يُمكن إجراء تعديلات صغيرة على مُستوى البنوك المركزية، مثل تحديد ضوابط رأس المال الأجنبي، هذه السِّياسة طُبِّقت بشكلٍ جَيِّدٍ في السابق في العراق وليبيا، رغم أنّ الحرب الليبية قد خفضت احتياطات العُملة الأجنبية، أمّا في اليمن فقد تم استنزاف الاحتياطات الأجنبيّة في البنك المركزي بصنعاء الشيء الذي أدى لفتح بنك مركزي جديد في عدن.
تواجه البيئة الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط أزمة أخرى بسبب انخفاض أسعار النفط، كما أنّ تونس ولبنان والأردن وتركيا يواجهون صعوبات اقتصادية بسبب أزمة اللاجئين، بينما السودان ومصر يعانيان من أزمات اقتصادية بسبب توقف الاستثمارات العربية خاصةً من دول الخليج المشغولة بالصراع السني ــ الشيعي في أكثر من جبهة، وانخفاض أسعار النفط التي أضَرّت باقتصادياتها بمُستويات متوسطة، وعلى ذلك نجد أنّ التكلفة العالمية للصراع ومُناهضة العُنف حول العالم بلغت 14.3 تريليون دولار أي ما يعادل 13.4 من الناتج المحلي العالمي، وهو يُعادل اقتصاديات البرازيل وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وبريطانيا مُجتمعةً، وبذلك أضحت تكلفة الصراع عاملاً رئيسياً قد يؤدي لتوقف الصراعات حال انتباه المُتصارعين لذلك أو الانهيار كما حدث للاتحاد السوفييتي السابق.

October 12th 2016, 6:13 am

Positions

صحيفة السوداني

This Joomla! template supports a wide variety of module positions which can be archived automatically by the system.The module positions are fully collapsible mean that if there are no modules published in particular position, this module position will disappear and the other modules with take this place. Also you can have 2-Columns layout (content, left or right)

Position Layout1

[lightbox src="http://www.alsudani.sd/images/position1.jpg" width="800" height="auto" lightbox="on" style="border" title="Images Position" align="none"]

Position Layout2

[lightbox src="http://www.alsudani.sd/images/position2.jpg" width="800" height="auto" lightbox="on" style="border" title="Images Position" align="none"]

October 8th 2016, 4:29 am

Item Home 2

صحيفة السوداني

October 8th 2016, 4:29 am
Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا