Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا اقرأ على الموقع الرسمي

التعليم في فنلندا كتجربة شاملة: لماذا هي واحدة من الأفضل في العالم؟

أراجيك

الفنلنديّون يعتزون بمصدر ثروتهم في التعليم والعلم؛ قائلين:

 نحن لا نملك نفطًا، لكن لَدينَا تعليم.

والحقيقة أنهم مصيبون جدّا في ذلك فوجود النّفط معدَمًا من كيفية استغلاله، والطّرق والوسائل المثلى لابتكار بدائلَ عنه والتي يوفرها التّعليم الممتاز، مساوٍ لعدم وجوده. فالتعليم النّاجح الفعّال سبيلٌ إلى التطوّر في جميع المجالات العلمية والاقتصادية، ولو في غياب الثروات الباطنية.

وهذا ما فعلته فنلندا – تلك الدولة الاسكندنافية الصغيرة الواقعة شمال أوروبا، والتي صنفت كثاني دولة مستقرة في العالم، والأولى من حيث الصحة والتعليم؛ حيث توّج نظامها التعليمي بلقب أفضل الأنظمة في العالم.

فما السرّ وراء ذلك؟ دعونا نكتشفه معًا على طول المقال.

في فنلندا اللّعبُ قبل التعليم مجملًا، والحجم السّاعيّ أقلّ ممّا تتصور!

التعليم هنا مختلفٌ مميّز عن جميع النظم، فمدارسها -قطعًا- ليست كتلك المدارس التي ارتدتها، ولا التي سيرتادها أولادك. هذه الأخيرة، تتبع مبدأ واحدًا في جميع أنحاء البلاد: تربية أجيال سعيدة، تستمتع بطفولتها على أكمل وجه.

وهذا ما جعل الأطفال الفنلنديين يعشقون الذهاب إلى المدارس، ولا يتهرّبون منها مثل بقية دول العالم، لأنّها وفرت لهم جوًّا ملائمًا لنفسياتهم واحتياجاتهم.

التعليم قبل سنّ السابعة غير موجود، ويعوّضه نظام الرعاية اليومية بالنسبة للأطفال الرضع، ومرحلة ما قبل الدراسة لأطفال السادسة، والتي هي غير إلزامية بتَاتًا. ليبدأ بعدها التعليم في المدرسة العامة لمدة 9 سنوات (من سنّ السابعة حتى السادسة عشر)، تليها المرحلة الثانوية الممتدة لثلاث سنوات ثم الجامعة.

ولعلّ أبرز ما يميّز النظام خاصة في المرحلة الابتدائية هو عدم وجود واجبات دراسيّة مطلقَا، فاللعب عندهم مقدّس جدًّا حتى إنهم يستخدمونه في جميع أساليب التعليم حصرًا، ويهدفون به إلى تعزيز مهاراتِ الطّفل وتفكيره النّقديّ وسرعة البديهة والاستجابة. هذا إضافةً إلى تأهيله للحياة، بتعليمه شيئًا من كلّ شيء: الطبخ والصناعة والتنظيف والأشغال اليدوية.

كما أنّ الحجم الساعي للدراسة قليل جدًا ومقتصر على الفترة الصباحية والتلاميذ هنا، لا تتمّ تفرقتهم حسب المستوى الدراسي مثلما يحدث في البلدان الأوروبيّة، لأنّ الضعيف إذا وضع إلى جانب الضعفاء، فسيكون هناك مستوى واحد لا قيمة مضافة فيه، فكيف سيطوّر التلميذ من مستواه إذن؟ وكيف سيوسّع من آفاقه ومعلوماته ومهاراته؟

أما عن الطاقم البيداغوجيّ، فهو الآخر مميز جدًّا، إذ يمتلك جميع المعلمين شهادة ماجيستير في علوم التربية، ومؤهلًّا عاليًا جدًّا في المادة التي يدرسونها، وأرجوكم لا تسألوني إن كانت المادة أساسية أم ثانوية، فصدقًا هذا التقسيم الذي تعودتم عليه غير موجود البتة: كلّ المواد هنا أساسية من مادة الرياضيات إلى مادة العزف على البيانو، وكلها تكتسب قيمة خاصة ووقت تدريسٍ كافٍ.

كما أنّ المعلم يدرس أربع ساعات فقط يوميّا، حتى يستطيع تسخير الوقت المتبقي لتطوير أساليب التعليم والتعامل مع التلاميذ وذلك لأن المنهج غير موحّد؛ إذ تقوم الوزارة بإرسال التصور العام للمنهج السّنوي وتترك الحرية لكل مدرسة بالتنفيذ وفق منظور أساتذتها الخاص، وهذا ما أكسب النظام ككلّ سلاسة ومساحة كافية للابتكار والإبداع.

أما عن العلاقة بين المعلم والتلميذ، فهي ودية للغاية، إذ يطالب المعلم بتدريس طلبته لخمس سنوات، حتى تكون هذه المدة كافيةً لإحداث أثرٍ واضحٍ في مسارهم، كما أن الطلبة ينادون معلميهم بأسمائهم.

عودةً إلينا وإلى بلداننا، ساعاتٌ دراسية طويلة وواجبات كثيرة، ولعب أقل، ثمّ ماذا كانت النتيجة يا ترى؟

التعليم في مدارس فنلندا: نقاطٌ شاملة

جاء في كتاب (الدروس الفنلندية) للدكتور باسي سالبرغ – Pasi Sahlberg الذي كان المؤطّر والمنظّر الأوّل لأساليب التعليم الفنلندية منذ سنة 2000:

يجب أن نذكر أنفسنا دائمًا بأهداف التعليم وأولها بناء اقتصاد جيد؛ وثانيها المحافظة على ثقافة البلاد.

ولعلّ نظام التعليم الممتاز في فنلندا هو الذي جعلها تخرج منتصرةً من أزمة اقتصادية حادّة واجهتها في تسعينات القرن الماضي ثمّ منافسة دول العالم. فحينما تُكوّن المدرسةُ أشخاصًا مؤهلينَ لمواجهة المشاكل بشجاعة ومحاولة حلّها، ومزوّدين بمهاراتِ التّفكير الإبداعيّ والابتكاريّ لإيجاد الحلول، فهنا بالذات يستفيد اقتصاد الدولة ويكون قادرًا على الصمود والتطور بكيفية دائمة.

الدكتور باسي سالبرغ.

يرى الدّكتور كذلك، بأنّ الأساليب الصارمة والمبالغة المستمرّة في مراقبة المعلمين والطلاب ومحاسبتهم لن تأتي بشيء سوى بمزيد من الرّسوب والفشل ويعلّل ذلك بضرورة السّير نحو وسائل جديدة معاصرة. إذ أنّ هذه الاستراتيجيات وفق منظوره قديمةٌ، قد ولّى عهدها مع انتهاء الحرب الباردة والثورة الصناعية.

 عوامل تطور المنهج الفنلنديّ حسب الكتاب

التعليم أقل

فالمنهج يرى بأن الساعات الصباحية كافيةٌ جدا من أجل التعليم الخاص بالتلاميذ، وأن الفترة المسائية يجب أن تكون من حقهم حتى يوسعوا من اهتماماتهم خارج المدرسة ويساهموا في النشاطات الاجتماعية. وقد أتت هذه الاستراتيجية بفوائدَ عديدة، فالطالب الفنلنديّ هو الأكثر إنتاجًا، والمعلّم الفنلنديّ هو الأكثر كفاءة ومهارة، كما أن نسبة القلق والحزن والاكتئاب قلّت بصفة ملحوظة جدًّا، وارتفع بالمقابل تقييم الحياة الاجتماعية والصحة هناك بأن جعلها الثانية عالميًا.

لا فائدة من المعلومات التفصيلية

احتوَى الكتاب على تحذير من التّعمق في المعلومات المفصّلة التي هي حكر على المتخصصين في ذلك المجال، وأكد على ضرورة التركيز على تنمية مهارات التفكير الإبداعي والتواصل وأخلاقيات العمل وطلب العلم.

وفي هذا السياق، دعونا ننقل ما قاله ميتشيو كاكو؛ عالم الفيزياء الشهير الذي يرى بأن الخلل في نظام التعليم لدينا يبدأ خاصة من الثانوية العامة عن طريق إجبار التلاميذ على حفظ عدد هائل من الوقائع والأرقام والتفاصيل وحشو المعلومات في رؤوسهم، الأمر الذي يجعلنا نظنّ بأن الحفظ والعلم سواء في التعليم مجملًا. الفيزيائيّ أشار إلى أننا جميعا نولد علماء، ونسأل أسئلة فضولية عن الوسط الخارجي وتكوين الطبيعة وحدوث الظواهر، ثمّ تُسحق تلك المَلَكة فينا إلى أن تتلاشى، بسبب نظام التعليم السيء والخطير.

لا وجود لامتحانات

في فنلندا تكتسب المدارس تسمية خاصة: منطقةٌ خالية من الامتحانات.

فالمسؤولون عن نظام التعليم يرون أن الاختبارات ليست محدّدًا دقيقًا لمستوى التلميذ، حتى إنها لا تجرى قبل الصف التاسع كما سبق وأشرنا، والطلاب هناك لا يأخذون شهادات عن درجاتهم ولا علامات ولا تقييمات تقسيمية مثل: (ناجح – راسب) بل إنّ الأمر ممنوع قطعًا. وهم يعللون ذلك بأنّ نظام التقييم التقليديّ يؤثر على نفسية التلميذ الذي لم يستطع أن يحقق درجة مطلوبة ويزيد من توتره أكثر، وأن الهدف من التعليم والمدرسة هو إسعاد التلميذ وتشجيعه لا إحباطه.

هل رأيتم الآن لماذا يجب على كل واحد منا أن يبحث عن طريقة ما ليدرس في فنلندا؟

النظام الفنلنديّ في كلمة واحدة: بسيط – SIMPLE

الحقيقة أنّ الناظر من بعيدٍ للنجاح الباهر الذي حقّقته فنلندا في مجال التعليم قد يتوقّع إمكانيات عالية جدًّا وغير متخيّلة، سواء في مجال التكنولوجيا أو حتّى هندسة المدارس، وقد يظن أن المدرسين هناك خارقون للطبيعة، لكن الواقع عكس ذلك تمامًا!

تيموثي ووكر هو كاتب أمريكيّ ومُؤلف لكتاب درّس مثل فنلندا – Teach like Finland كان هو الآخر يتوقّع ما أشرت إليه أعلاه، فقام بزيارة المدارس في البلد ليتفاجئ بعدم وجود أي شيء غير طبيعيّ، ولخص المنهج الفنلنديّ في ستّ كلمات يجمعها لفظ SIMPLE الذي يعني بسيط، وتتمثل هذه الكلمات في:

في الختام، لا يسعني سوى أن أشير إلى أنّ الفرق بين البلدان التي تحتل مراتب عالية في نظام التعليم وأولها فنلندا، وبين البلدان الأخرى التي تستأثر بالحضيض، خاصة بلداننا العربية؛ هو أنهم يستثمرون في الإنسان، بينما نستثمر نحن في الجدران!

التعليم في فنلندا كتجربة شاملة: لماذا هي واحدة من الأفضل في العالم؟ بواسطة أراجيك - نثري المحتوى العربي

October 7th 2020, 2:23 pm
اقرأ على الموقع الرسمي

0 comments
Write a comment
Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا