Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا اقرأ على الموقع الرسمي

قانون الطوارئ وحلّ الحكومة.. هل وصلت الرسالة؟!

صحيفة السوداني


د. ناجي مصطفى بدوي

المشي على سطح الحدث دُون امتلاك أدوات الغوص عميقاً، واحدٌ من مظاهر الخلل المُلاحظ في تحليل وتناول النُّخب للأحداث السِّياسيَّة والاقتصاديّة التي تمرّ بها البلاد، ومن هذه الأحداث قرارات رئيس الجمهوريّة عشيّة يوم الجمعة الثاني والعشرين من فبراير الجاري والقاضي بفرض حالة الطوارئ وحلّ الحكومة القوميّة والحكومات الولائيّة.
ولأنّي لم أجد في تناول الحَدث ما يُناسب حجمه الطبيعي ودرجة خُطورته المرحليّة، فقد آثرت أن أقطع السلسلة التي أكتب فيها منذ أسابيع لأحرِّر للقارئ الكريم بعض الإضاءات الاقتصاديّة والسياسيّة التي أظنها مُهمّة وغائبة عن التّحليلات المَحليّة والإقليميّة التي تناولت الخبر يوم أمس واليوم.
ومنصّة الانطلاق هي منصّة اقتصاديّة لطبيعة المرحلة الاقتصاديّة التي تمرّ بها البلاد، والتي يتجلّى لي فيها جلّ القرارات التي أصدرها رئيس الجمهوريّة، وفي حين يَتَسَابَق المُحلّلون لفهم العلاقة التناسبيّة بين التّظاهرات والاحتجاجات وبين القرارات في مُحاولةٍ لفهم أثر إعلان قانون الطوارئ على مُكافحة التظاهر والاحتجاج، أجدني مُضطراً للبَوح بأنّ إعلان قَانون الطَوارئ لا يَأتي مُطلقاً ضمن سِياق مُعالجات التّظاهرات أو من أجل تهيئة بيئة أنسب للضغط على المُتظاهرين، وقد كان رئيس الجمهوريّة واضحاً في هذا الأمر عندما أكّد في مطلع حديثه بأنّ هذه القرارات تأتي بعد انجلاء أزمة التّظاهرات والاحتجاجات، فهي القَرَارات التي كَانَ الرئيس ينتظر بها تَوقيت انحسار أزمة التّظاهرات ليُصَحِّح بها الأخطاء والأسباب الاقتصاديّة التي أدّت في البدء إلى نُشُوءِ التّظاهر والاحتجاج.
وللإجابة على السُّؤال الذي قد يَتبادر لذهن القارئ الكريم حول علاقة فَرض قانون الطوارئ بالوضع الاقتصادي، أقول إنّ الأزمة الحَقيقيّة للاقتصاد السُّوداني تتجلّى في جوانب من أهمها ظَاهرة الفساد الإداري والمالي الذي أهدر مَوارد البلاد وجَلَب لها التّضخم وانخفاض القُوّة الشرائيّة للعُملة المحليّة، هذا الفساد يظهر في عددٍ من الأوجه التي حَاولت الحكومة السّابقة مُعالجته مثل "القطط السمان" والتّهريب السِّلعي للخارج وأزمة السُّوق السُّوداء لبيع العُملات الصّعبة، والحقيقة هي أنّ الحكومات السّابقة قد بَذَلَت كلّ الجهد المُتاح وفق القانون لمُعالجة هذه الظواهر، لكنّ طبيعة القانون والأدلّة في مسألة الفساد والقطط السمان مثلاً قادت القضيّة برمتها نحو التّحلُّل كمَخرجٍ لحالة عدم توافر الأدلة القانونيّة الكافيّة، كما أنّ الحماية القانونيّة والدستوريّة للمُواطن تحُول دُون إلقاء القبض عليه أو حجز أمواله أو تقييد حركتها مهما كان في نظرنا فاسداً وسارقاً ومُهرِّباً ومُتاجراً في السوق الأسود إلا من خلال إجراءات قانونيّة مُحدّدَة وواضحة ومدعّمة بالأدلة القانونيّة وهو ما لا يتوافر إلا نادراً.
يُتيح قانون الطوارئ الحجز على أموال أيِّ فاسدٍ وإيداعها في خزينة الدولة إلى حين اكتمال المُحاكمة بشأنها، كما يُتيح إلقاء القبض عليه لتُهمة الفساد والحجز على مُمتلكاته وأمواله، كما يتيح مُلاحقة المُهرِّبين خارج الحُدُود السياسية للدولة للقبض عليهم مُتلبسين بجرم التهريب، وإلى جانب ذلك يُتيح قانون الطوارئ دخول المباني المُشتبه فيها وفَرض الرِّقابة على أيِّ مُمتلكاتٍ، والحجز على المحال والسِّلع، وحظر حركة الأشخاص والأموال، وتَنظيم عَمليّات إنتاج السِّلع والخدمات في السُّوق.
إنّ أهم وظائف قانون الطوارئ وأحد أسبابه الرئيسة هو مُواجهة المُهَدِّد الاقتصادي الذي يضر بأمن المُواطن واستقرار الوطن كما ظهر من خلال مَا سَبَقَ، وهذا هو السِّياق الذي وَرَدَ فيه قرار فرض حالة الطوارئ في البلاد وليس أيِّ سِيَاقٍ آخر.
المَنَصّة الثانية في هذا المقال هي البُعد السِّياسي في قرار حلّ الحكومة والحكومات الولائيّة والذي أجدني أيضاً مُضطراً لكشف الجانب الأهم فيه والذي لم يظهر بدرجة مطلوبة في تناول المُحلِّلين للقرار.
ولفهم هذا الجُزء في القرار نحتاج كما قال "كونفوشيوس" إلى التّمَعُّن في المَاضي، والذي بدأت مرحلته الأولى في العام 1989م بثنائيّة في الحكم بين الجبهة الإسلاميّة والجيش، ثمّ كانت المرحلة الثانية قبل العام 1999م بتحوّل الحركة الإسلاميّة لحركةٍ مُجتمعيّةٍ راعيةٍ للمشروع وتحوّل ثنائيّة الحكم إلى الجيش والمؤتمر الوطني ودخول مرحلة الديمقراطيّة الرابعة، والمرحلة الثالثة بدأت بانطلاق مُبادرة الوثبة والحوار الوطني وتحوّل الحكم إلى وفاقٍ وطني بين كتلة من الأحزاب السِّياسيَّة من ضمنها المؤتمر الوطني راعي الحوار ودخول مرحلة الديمقراطيّة الشاملة الوفاقيّة، وَتَبعَاً لذلك تكونت حكومات الحوار الوطني.
تأكيد الرئيس في قرارات ليلة الجمعة على اعتماد وثيقة الحوار الوطني كَأسَاسٍ صَالحٍ للبناء عليه، وعلى أنّ مُشاركة قُوى الحوار الوطني هي جُزءٌ أصيلٌ من المرحلة المُقبلة يُعطي مُؤشِّراً واضحاً أنّ المرحلة السِّياسيَّة القادمة هي مَرحلة استكمال الحوار الوطني بمَزيدٍ من الحوار وانصهار أحزاب السُّودان داخل وثيقة سياسيّة واحدة تُحَدِّد المُستقبل السِّياسي في السُّودان.
ولتأكيد فاعليّة هذه المرحلة، أكّد الرئيس أنه يقف على مسافةٍ واحدةٍ من الجميع، والجميع هنا هُم كُلّ مُكوِّنات الشّعب السُّوداني، أحزابه دُون استثناءٍ، ومُكوِّناته الإثنية و القبليّة و الشبابيّة والطائفيّة، وعلى المؤتمر الوطني شأنه شأن كل الأحزاب أن يعمل بجدٍّ وعلميّة لإثبات جدوى خياراته في المرحلة المُقبلة التي يُقرِّر خلالها مُستقبل التّعديلات الدّستوريّة أمام البرلمان والتي ستكشف شكل الحكومة القادمة بعد 2020م.
لا أُشكِّك في احتمال حُدُوث آثار اقتصاديّة سالبة من فرض قانون الطوارئ، لكنّه الفُرصة المُتاحة وربّما الأخيرة أمام حكومة الحوار الوطني والمُؤتمر الوطني نحو لملمة الاقتصاد السوداني المُتبعثر ومُعالجة المُشكلات التي أدّت فيما مَضَى إلى اندلاع التّظاهرات. وتأتي هذه القرارات السِّياسية من رئيس الجمهوريّة في إطار إحداث زلزال داخل مُؤسّسات الأحزاب الحاكمة والمؤتمر الوطني تحديداً، للقيام بقوّة نحو إصلاح الوضع الاقتصادي المُتفاقم طالما كانت الفُرصة مُواتية، هل فهمنا الرسالة أم مشينا على سطحها كما فعلنا بعد خطاب الوثبة الشهير؟ أرجو أن تكون الرسالة وصلت.!

March 2nd 2019, 4:05 am
اقرأ على الموقع الرسمي

0 comments
Write a comment
Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا