Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا اقرأ على الموقع الرسمي

الرؤية والإرادة واستحقاقات الإصلاح (2)

صحيفة السوداني


سناء حمد


آن الأوآن أن تظهر شخصية الأمة والدولة من خلال سيطرتها على المشروعات الاستراتيجية الكُبرى، ذات الأثر الاجتماعي الواسع والمردود  الاقتصادي الكَبير، فإنشاء مجلس أعلى محدود العُضوية، واسع الصلاحيات، يتولّى مسؤولية انتخاب المشروعات التي تنطبق عليها المُواصفات أعلاه من ضمن خط الوزارات والولايات، ويقوم بإعادة دراستها وتوفير تمويلها وفتح عطاءاتها والإشراف على تنفيذها، ثُمّ وضع مَعايير لإدارتها وضمان استمرارية جَودة أدائها للمَطلوب منها، كَفيلٌ بأن يعيد تَوازن الدولة في محاور الاقتصاد والتّنمية وعَدالة التّوزيع والتّوظيف.
هذا الجهاز أو المجلس مسؤول، أمام رأس الدولة والبرلمان والرأي العام   في تفسير اختياراته ونتائج العطاءات وحجم المُنصرفات ومُطابقة المُواصفات، مِمّا يقتضي منه الشفافية في عمله، وتكمن أهمية مثل هذا الجسم المسؤول والمُحَدّد الصلاحيات، في ضمان ألا تتأثّر المشروعات الكُبرى بحالة عدم الاستقرار السِّياسي ولا بتغيّر السِّياسيين والمسؤولين خاصةً على المُستوى الوزاري، كما يتم عبره توحيد قنوات الصرف وضبط مصادر التمويل، وهو يُسهِّل إعمال الشفافية والمُحاسبة ويُساعد في تحديد المسؤوليات، وتبعاً لذلك لا بُدّ من إعادة الدور الحيوي لإدارة المُنشآت العامة في كل الولايات ورفدها بالكفاءات وإخضاعها للمُتابعة والتدقيق ليكون دورها مُكمّلاً لأداء المجلس المُقترح.
اليوم، كما الأمس، هناك حَاجَةٌ مَاسّةٌ لإعادة تخطيط وتوجيه الاقتصاد، وبعد التّجارب العَديدة غير المُوفّقة نسبياً، أعاد السُّودانيون - اكتشاف العجلة، وتوصّلوا إلى أنّ الزراعة هي قدرهم ومَخرجهم كدولة لتعزيز اقتصادهم وخلق التّنمية المُتوازنة وتشغيل الأيدي العاملة والحِفاظ على الأمن بشقيه القومي والمُجتمعي ولبناء نفوذٍ إقليمي، وفي حياة الأفراد فإنّ الزراعة سبيلٌ مَوثوقٌ لأمنهم الأُسري ولتحسين أوضاعهم وزيادة دخلهم.
إنّ الزراعة هي مصدر أمن وقوة للدولة لاعتبارات عدّة ومُهمّة، فهي موردٌ اقتصاديٌّ مُتعدِّدٌ ومُتعدِّي الأثر، كما أنها وسيلة لإعادة إنعاش الريف والحد من الهجرات للمُدن.. وهذا ما قد توصّل إليه الإنجليز إبان حكمهم للسودان، فأجروا الدراسات والأبحاث وتركوا رصيداً مُقدّراً من المُؤسّسات وحزمة مُعتبرة من المشروعات، كانت الحكومات الوطنية بلا استثناء، بَارعةً في تبديدها.. فما وجه الخلل وأسباب التّدهور؟ ما زالت هذه المشروعات من حيث أسباب اختيارها صالحةً للقيام بدورٍ فعّالٍ في حركة الاقتصاد السوداني وقابلة التطوير والإصلاح.. لا بُدّ من إعادة دراسة مدى ملاءمة الأجهزة والمُؤسّسات القديمة للقيام بالإشراف على هذه المشروعات وتطويرها وتأسيس مثلها، وتنويع الاستفادة منها ومن إنتاجها وتطويرها، ربما يمكن إنشاء جهة تنفيذية مباشِرة لهذا الأمر..؟
(4)
لا بُدّ من إعادة هيكلة الدولة ومُؤسّساتها بصُورة تُلبي حاجة البلاد وشعبها، إنّ الإصلاح الحقيقي لا يتم بمُعالجة البنيات الموروثة الموجودة وإعادة تدويرها، بل يعني النظر في حاجة الدولة المُثلى ومَصالحها العُليا، وتفصيل أجسام ومُؤسّسات تتناسب وهذه الحاجات، فإذا تَوافَقَت أجسام موجودة مع المطلوب حينها تستمر، أو تتم عملية إحلال وإبدال بطريقةٍ سلسلةٍ لمزيدٍ من التجويد والفاعلية.
على الدولة التّنازل عن العديد من مهامها للقطاع الخاص أو شبه الحكومي، فهُناك تجارب مُلهمة للإقلاع الاقتصادي والتّنموي، وهناك تجارب تستحق التأمُّل والاستفادة منها في المُحيط القريب، وأعني تجربة استقرار ثُمّ نمو ثُمّ انهيار وارتباك، ثُمّ عودة للنمو والنهضة، ولأنّ الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها استهدى بها، فقد استرعت انتباهي تجربة الكيان الإسرئيلي بعد الكساد الاقتصادي العظيم وشبه الانهيار الاقتصادي، الذي حَدَثَ في الفترة من عامي 73 - 85، فقد كانت تجربة لافتة للنظر، حيث تجاوزت إسرائيل ذات الاقتصاد الزراعي وشبه الصناعي ونفقات القطاع العسكري والأمني الكبير، حالة الكساد والانهيار الذي تَعَرّضت له بفضل ببرنامج إصلاحي مُحَدّد، وبفضل سياساتٍ واضحةٍ وقراراتٍ جريئةٍ وإجراءاتٍ صارمةٍ وتفكير خارج الصندوق، وعبرت أزمتها وأعادت موضعة نفسها كواحدة من أهم الاقتصاديات الجديدة، رغم أنها سجّلت أرقاماً قياسيّة آنئذٍ في مُعدّلات التدهور الاقتصادي مع توقف التنمية، حيث وصل معدل التضخم الى  484%، كما ارتفع معدل الأسعار السنوي إلى 192%، لكن بنهاية فترة البرنامج الإصلاحي في 89، كان التضخم قد انخفض إلى 21%، وانخفض معدل الأسعار السنوي إلى 18%.
في خِضِم هذا البرنامج، تمّت إعادة هيكلة وتشكيل اقتصادها، وحددت أولوياتها، واعتمدت على الشركات شبه الحكومية خَاصّةً الشركات التابعة للجيش، واتّخذتها كقاطرة انطلاق لحركة اقتصاد ما بعد البرنامج الإصلاحي.
في السودان نحتاج للاطلاع بذهنٍ مُنفتحٍ على تجارب الآخرين، ووضع البلاد من حيث المَوارد الطبيعية والبشرية والبنيات التّحتية أفضل بكثيرٍ من دول شرق آسيا التي نهضت مِمّا هو دُون ذلك بفضل إصرار قادتها وهمة شعوبها.
هناك ضرورةٌ كبيرةٌ لخطواتٍ جَريئةٍ ومَدروسةٍ في الاقتصاد، تبدأ بتحديد رؤية وسياسات كُليّة، تقرّها الدولة وتلزم بها المُؤسّسات، ويُراقب تنفيذها ويقيّم، لكن حتى اكتمال ذلك لا بُدّ من إصلاحات عاجلة تبدأ من النظام المصرفي الذي يحتاج للتّماهي مع النظام المصرفي العالمي من حيث الإجراءات والضوابط، فيما يتعلق بالبنوك ورأسمالها المُؤسّس، وكفاءة منسوبيها وفاعليتهم، والمُودعين وحقوقهم ومطلوباتهم، والدولة وحدودها وصلاحياتها.. والخدمات التي تُقدِّمها، لا بُدّ من نظام مُراقبة صارمٍ وفعّالٍ وذي صلاحياتٍ واسعةٍ لإعادة ترتيب وتطوير هذا القطاع الحيوي، من قبل البنك المركزي الذي لا يختلف اثنان أنّه بحاجةٍ لمُراجعات وتطويرٍ ليُواكب التّحديات الحَديثة والمُتَجَدِّدَة، وذلك من خلال إقرار سياساتٍ نقديّةٍ ذكيةٍ تُمكِّنه من استعادة ثقة المُودعين في القطاع المصرفي، ولتمكِّنه من السيطرة على حركة المال وعلى مُعدّلات التّضخم.
هناك حَاجةٌ حَقيقيّةٌ لإعادة النظر في تراتبية المَسؤوليات في الدولة وفق الواقع السِّياسي والدُّيمغرافي، لتكون بناءً على حجم أدوار وتأثير الفئات أو  الأجهزة، وأعني هنا التّأثير السِّياسي والاجتماعي، فمثلاً من الضرورة بمكان إعادة تقييم دور المَرأة بعيداً عن المَوروثات والتّقاليد قريباً من الدين الحق والمنطق، عدد النساء الآن في التعليم العام والعَالي والخدمة المدنية هو الأكبر، وتَأثيرهن على سُوق التّجزئة والأعمال الصغيرة، بل والزراعة في مناطق واسعة من السودان يمثل نسبة لا تقل 60%, وهن يمثِلن ما لا يقل عن 55% من حركة الاقتصاد، وفي مجال المُشاركة السِّياسيَّة نسبة النساء هي الأعلى في الانتخابات وقد تجاوزت 68%.
ولذلك كَمَا كانت القيادات السِّياسيَّة قديماً واعية بهذا الدور بصُورة مُبكِّرة فمكّنت للنساء في السودان أوضاعاً متقدِّمة ومواقع متقدِّمة، وترتّب على ذلك أنّ النساء السُّودانيات كُنّ هن الرائدات في المُحيطين العربي والإفريقي في التصويت والترشّح في الانتخابات وتولي المناصب السِّياسيَّة والتّنفيذيّة والتّشريعيّة، بل والعسكريّة، والتّعيين في القضاء والمُحاماة والخدمة المَدنية، لكن ما زالت مُشاركة المرأة في اتّخاذ القرار لا تتناسب مع حجم الكتلة المُؤثِّرة، فهل تقوم الحكومة بخطوةٍ جريئةٍ تكفل للنساء فيها دوراً يتناسب ونفوذهن الكبير في العملية السِّياسيَّة في البلاد سواء في الحكومة أو المُعارضة أو حتى حركة الاحتجاجات الأخيرة؟ وأعني  تحديداً داخل مُؤسّسة الرئاسة، فتقديري أن منصب نائب الرئيس حقٌ لهذه الكتلة التي هي أكبر من كل قبيلةٍ وتشمل كل الجهات، وقد أثبتت النساء بصورةٍ عامة ومن الأطياف السِّياسيَّة وغير السِّياسيَّة كَافّة من خلال أدائهن العام مهنيةً ونزاهةً لافتة للنظر.
قضية مُشاركة واستيعاب الشباب وتحدياتهم، لم تعد تصلحُ شعاراً يستخدمه بعض السَّاسة أحياناً ويُوظِّفونه لمصالحهم الذاتية، من باب التّمثيل وذلك عبر  ترفيع نماذج مَحدودة الأثر وغالباً بعيدة عن مفهوم الشَّباب ودُون صلاحيات حقيقيّة ولا عون، مِمّا أفقد هذا التّوجُّه القاصر قيمته، من الأفضل الاقتناع  بأنّ استيعاب الشباب الكفء هو إضافة حقيقيّة للدولة من خلال التعليم  المُتقدِّم الذي نالوه والخبرات المُختلفة التي حازوها والتّحديات الجديدة التي يُواجهونها في عالم مُتغيِّرٍ ويتحرّك بسُرعةٍ كبيرةٍ، وفي ظل انفجار مَعرفي غير مَسبوقٍ وسُرعة انتشار وتغطيةٍ لم تَعد معها أسرار أو حواجز.
أن أكون أو لا أكون هذا هو السُّؤال؟ افتتح وليم شكسبير مَسرحيته الخالدة هاملت، بهذا السؤال تَعبيراً عن حِيرة الأمير هاملت بعد أن وجد نفسه عند مُفترق طُرقٍ، بلادنا تقف عنده الآن وتُواجه ذات السُّؤال، إذ تُشير كل الدلائل إلى وجود أزمة مُتعدِّدة الملامح، وواقع ليس مُريحاً لكل الأطراف الحكومة والمعارضة، المُؤسّسات والأفراد.. وحالة من الاحتقان والغضب، من الطبيعي في مثل هذا المناخ أن يتنصل الكثيرون عن مَسؤولياتهم ويلقون باللائمة على الآخرين، من الطبيعي وجود حالة القلق العَامّة، ومناخ الاتّهامات والتّخوين والتّعصُّب وروح الإقصاء، فالكل غَاضبٌ ومُرتبكٌ.. ولا يملك إجابات، لكن الصُّورة ليست قاتمةً كُليّاً، فهناك جانبٌ ايجابيٌّ للأزمة الحالية أولها أن الجميع اتّفق على وجود "أزمة"، وعلى ضرورة الإصلاح، والكل ينتظر خَطوات ذكيةٍ ومدروسةٍ في هذا الإطار، الجميع يبحث عن دولةٍ قويةٍ وحكومةٍ مُقتدرة وأجهزة حكم تخدم الشعب، والشعب يُطالب بالحد الأدنى من الخدمات والأمن، والشباب يُطالبون بواقعٍ أفضل وإداءٍ وإدارةٍ للدولة بصُورةٍ أكثر كفاءةً، ويبحثون عن العدالة والشفافية في السِّياسة والسِّياسات وتطبيق القوانين والإجراءات وسُوق العَمل، لكي يسهموا في خدمة بلادهم ومُجتمعاتهم.
في هذه اللحظة المُهمّة في تاريخ الدولة السودانية من المُهم أن نستوعب جميعاً حجم التحدي المَطروح، فهذا الوطن ولكي يقلع، يحتاج لأن يخفق بجناحيْن قوييْن، هما الحكومة والمُعارضة المُنظّمة وغير المُنظّمة، ويمكن أن يكونا النُّخب وعامة الشعب، ولكن في النهاية يقع العبء الأكبر على عاتق الحكومة، والخيارات المُتاحة أمامها هي التّخندق في المَواقف.. أو التّراجع للوراء، أو التّقدُّم للأمام، وتقديري أنّ الأصوب والأصلح والأكثر حكمةً ينبغي أن يكون هو خيار التّقدُّم للأمام، والعَمل بجرأة على بناء مُؤسّسة الدولة - وهو ما لم يحدث منذ استقلال البلاد في 1956 - مع التّركيز على تحقيق الاستقرار السِّياسي والاقتصادي، والذي يقتضي طرح  مُبادرة إصلاح شاملة، تَستوعب الجميع ولا تقتصر على النُّخب الحزبية، بل تنفتح على جيل شابٍ واعٍ وكفء، وعلى خبرات سُودانيةٍ مُهاجرةٍ، مُبادرة تمتص الغَضب وتَضمد الجِراح وتجعل لحراك الشباب نتيجةً ملموسةً، وفي ذات الوقت تفتح الباب لعملية إصلاحٍ مُتكاملٍ مُمرحلٍ وشَفّافٍ.

February 21st 2019, 3:28 am
اقرأ على الموقع الرسمي

0 comments
Write a comment
Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا