Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا اقرأ على الموقع الرسمي

الحِراك الحالي وأولويات المساومة: تعليق على مقالة السفير خالد موسى

صحيفة السوداني



عمّار مُحمّد محمود

(1)
انشغل الفكر السِّياسي، ولا يزال، بدراسة الأسباب التي تحمل شعباً ما وفي مرحلة مُعيّنة على الاحتجاج والثورة بشأن الأوضاع القائمة، وفي ذلك ذهبت التّحليلات إلى مَنازع عديدة؛ بين من يرجع ذلك السلوك الشعبي الجمعي إلى التّوق للحُرية، وبين من يردّها إلى حَتميات تَاريخيّة تتعلّق بالانتهاء التلقائي لصلاحية السُّلطة، ومن يعزوها إلى الرّغبة المَحضة في تغيير الوضع الراهن.. وغير ذلك.
في تفسيره لقيام الثورة الفرنسية، أرجع المُنظّر السِّياسي ألكسيس دي توكفيل الأسباب إلى خيبة أمل الطبقة الوسطى بسبب تناقص الفرص السياسية والاقتصادية، وذلك منحى يُقارب ما ذهب إليه السفير خالد موسى في مقالته المُحرّضة على النقاش والمُثيرة للاهتمام والتي نشرتها "السوداني" في عددها الصادر يوم الاثنين 18 فبراير 2019م، حيث خلصت المقالة إلى ضرورة التّوصُّل إلى مُساومة بين السُّلطة في السُّودان، من جهةٍ، والمُحتجين، من جهةٍ أخرى، تضمن الاستقرار السِّياسي في مُقابل زيادة مساحات الحُريات المَدنية والسِّياسيَّة.
(2)
كثيراً ما توقّفت، كلما تطرّق النقاش إلى أسباب ودوافع الثورات، عند طروحات عالِم الاجتماع والسياسة الأمريكي الراحل جيمس ديفيز في رؤيته التي حَمَلَت عنوان (نحو نظرية للثورة) والمنشورة بدورية (American Sociological Review) في فبراير 1962م، حيث يُجادل ديفيز بأنّ الثورات تحدث عندما يطرأ تَغييرٌ مُفاجئٌ وحادٌ في الأوضاع الاقتصادية بعد فترة من الازدهار، ويذهب إلى أن الازدهار يولّد شُعُوراً جمعيّاً وأملاً مُتصاعداً لذهاب الأوضاع للأفضل دوماً، وما أن تحدث الانتكاسة المُفاجئة حتى يحتقن الوضع وينفجر في شكل احتجاجات وثورة، وقد استعانت هذه النظرية، والتي باتت تُعرف في أدبيات علم الاجتماع السِّياسي بمنحنى جيه (J- Curve) للثورات، بنماذج الثورة الأمريكية والثورة الفرنسية والثورة الروسية لتدعيم صحة افتراضاتها.
(3)
اتفق مع مقالة السفير خالد موسى في مركزية دور الطبقة الوسطى في الحِراك الذي يشهده السودان، وذلك يعود إلى موقع هذه الطبقة في المُجتمع، فالطبقة العُليا تظل غالباً حريصةً على استدامة الأوضاع الراهنة، خشية أن يؤدي أيِّ تغيير إلى فقدانها لامتيازاتها، ولذلك تعقد تحالفات بتمظهرات مُختلفة مع السُّلطة القائمة، أي سُلطة، بهدف عدم التّأثير على الاستقرار. أما الطبقة الدنيا فلديها من مشاغل السعي في طلب الرِّزق ومُكابدة الحياة اليَوميّة ما يصرفها عن المُشاركة في التّغيير.  
لكني أميل إلى الاختلاف مع التّشخيص الذي طرحته مقالة السفير خالد والذي يتمثل في أولوية الحُريات السِّياسيَّة والمدنيَّة لمُعالجة الحراك الحالي، رغم المكانة السّامية التي تحتلها تلك الحُريات في سياق التطور السِّياسي والاجتماعي لأيِّ مُجتمعٍ، وأُشير إلى أهمية وأولوية الحُقُوق الاقتصاديّة، فما من شَكٍّ في أنّ الإنقاذ قد نجحت طوال سني حكمها في توسيع قاعدة الطبقة الوسطى، ولكن هذا التوسع يحمل تحدياً كبيراً في داخله، فالطبقة الوسطى بوصفها قائدة الرّمح في أيِّ تحركاتٍ احتجاجيةٍ أو ثورية تتوقّع من السُّلطة أن تخلق باستمرار ظروفاً ومناخاً اقتصادياً يجعل الطبقة الوسطى تظل في مكانها كطبقة وسطى، على الأقل.. العام الماضي أوجد ضغوطاً كثيرةً على الطبقة الوسطى بما هددها بالتّدحرج إلى أدنى، ومن هنا اندلعت الاحتجاجات.

(4)
مع أهمية التّأكيد على أهمية المُساومة في الحقوق الاجتماعية والسِّياسيَّة، فالمطلوب هو منح الأولوية للحُقُوق الاقتصادية التي تكفل للطبقة الوسطى مكانتها، فالاختبارات المُثبتة لنظرية جيمس ديفيز وفّرت مُعطيات قابلة للقياس لاحتمالية اندلاع الثورات، وأكّدت أنّ المزاج الثوري يرتفع كلما تدهورت الأحوال الاقتصادية.
ولعلّ في خُرُوج بعض أبناء قيادات الإسلاميين في هذه الاحتجاجات مظهراً يدلل على الخشية من تراجع رفاهية الطبقة الوسطى، فهؤلاء الشباب نشأوا في كنف آباء ينتمون لهذه الطبقة بمُستوياتها الثلاثة (الوسطى العليا، الوسطى الوسطى والوسطى الدنيا)، ولذلك خرجوا مع غيرهم من الشباب، غاضين الطرف عن الخلفيَّات الفكريَّة والسِّياسيَّة لآبائهم.
(5)
زبدة القول؛ إنّ الخيارات الصفرية في مُعالجة الحراك الحالي غير واردة، فلا "السقوط" مُمكن في ظل ما ينطوي عليه من رجحان القفز للمجهول، ولا "القعود" بالتّرتيبات القديمة مُتوقّعٌ، فالحل في التّوسُّط.. ولو قبلنا بهذا التّحليل فإنّ ذلك يستدعي تكريس المُعالجات لإعلاء مكانة الحُقُوق الاقتصادية ابتداءً، ومن ثَمّ استيعاب التّحوُّلات الديمغرافية والسِّياسيَّة في المُجتمع السُّوداني من أجل بلورة رؤى تعزز الأمل في الإصلاح وتكون جُزءاً من التكوين المدني والسِّياسي للسُّودان في مُقبِل فتراته.   

March 5th 2019, 3:26 am
اقرأ على الموقع الرسمي

0 comments
Write a comment
Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا