Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا اقرأ على الموقع الرسمي

لماذا أخاف على الحراك الجزائري؟

الجزائر تايمز

أمضيتُ العشرين سنة الأخيرة (حتى أكثر) أنتقد النظام الجزائري، بحدّة وبلا هوادة، في هذه الصحيفة وفي منابر أخرى مكتوبة ومرئية ومسموعة. مرّت عليَّ لحظات إحباط ويأس كثيرة من استمرار الظلام الدامس. وصل بي الأمر أن خفت أن أموت وبوتفليقة وعصابته جاثمون على رقابنا. كنت أختنق. كثيرا ما توقفت أمام شاشة الكمبيوتر عاجزاً عن الكتابة محتارا: ماذا بقي لم أقله؟ وهل ما زالت تنفع الكتابة؟ وهل أنا فعلا على حق وقطعان الوطنيين على باطل؟ وماذا سيتغير اليوم ولم يتغيّر في السنوات الماضية؟ ولماذا أصرُّ على تضييع وقتي وجهدي في نفخ قربة مثقوبة؟ وغير ذلك من الأسئلة المتعِبة. تشكلت لي عقدة مزمنة من مقولة صديق لي، وهو مثقف لبناني يزور الجزائر كثيرا، عندما سألته مرة فقال: بلدكم مخدَّر لا يستجيب للألم. نالني الكثير من العتب واللوم، حتى من أقرب الناس إليَّ. كنت على موعد مبكر جداً مع الذباب الإلكتروني إذ أحتفظ في أرشيفي بمئات الرسائل الإلكترونية اللائمة التي تنضح فراغا سياسيا وفكريا، ووطنية مزيّفة. كثيرة منها حادَّة تحمل من الشتائم وقلة المروءة لو نشرتها اليوم وقد غيّر الخوف معسكره وتغيَّر مفهوم الوطنية، لشَعر أصحابها بالعار. كثيرون مارسوا عليَّ أبوّة لا أحتاجها، من قبيل: لماذا تربح العيب (تجلب الأذى لنفسك)؟ وماذا تستفيد من هذا العداء لبلادك؟ (هم لا يفرّقون بين الموقف من البلد والموقف من العصابات الفاسدة التي تحكمه) ووعلاش تطوّل في لسانك في الخارج (لماذا تُكثر الانتقادات من الخارج)؟ كثيرا ما شعرت بأنني أصارع طواحين الهواء وحيداً. لكن قناعة واحدة بقيت مسيطرة على ذهني راسخة فوق كل الظنون وما يتفرع عنها من مشاعر سلبية ومحبِطة، وهي أنني سأكون آخر من يستسلم ويصمت، وأن ظلمة الليل، مهما طالت، يجب أن يعقبها ضوء النهار. عشت على هذا الأمل، وقاطعت وسائط التواصل الاجتماعي حتى أحمي نفسي من التلوث الرقمي ومن الإرهاب الافتراضي.اليوم وقد حدث ما حدث بفضل هبَّة 22 شباط/فبراير، لا أخفي أن فرحتي لم تسعها الأرض والسماء، وأنني وجدت نفسي أُسرُّ لمقربين مني أنني كنت أخاف أن أموت قبل أن أرى هذا اليوم.لكنني في المقابل، أخاف أن الفرحة بدأت تتعثر وقد لا تكتمل، وأن الحلم مرشح لأن يصبح كابوسا، وأن الآمال الجميلة يمكن أن تتحوّل كوابيس شنيعة. عندي أكثر من سبب يجعلني أخاف على هذا الحراك الجميل. أسباب داخلية وخارجية، لكن الداخلية تخيفني أكثر، فقط لأنها داخلية أدواتها جزائرية.أخاف على الحراك..ـ لأن الكثير من الغربان تحوم حوله وتنعق بلا توقف.ـ لأن الجزائريين تخلصوا من طاغية اسمه عبد العزيز بوتفليقة، وهناك من يسعى لفرض عليهم طاغية آخر اسمه أحمد قايد صالح.ـ لأن هناك من يريد أن يوهم الجزائريين بأن قايد صالح أدرى بمصالح الجزائريين من الجزائريين.ـ لأن المنطق السائد اليوم هو أن كلهم خونة وفاشلون ولا أحد يصلح.ـ لأن مناجل الإبادة المعنوية تشتغل أكثر قوة من السابق، في السر والعلنية.

لأن التشكيك والتخوين، العرقي والديني واللغوي وكله، على وشك أن يصبحا بضاعة وطنية رائجة.ـ لأن جيوشا إلكترونية تلوّث الهواء وتطلق سمومها للتشكيك في كل الناس وكل شيء.ـ لأن القضاء العسكري يحاكم الجنرالين توفيق مدين وبشير طرطاق والسعيد بوتفليقة على اجتماع عقدوه للتآمر على قايد صالح، ولا يحاكمهم على جرائم متراكمة منذ 27 سنة للأول والثاني و20 سنة للثالث.ـ لأن خالد نزار ما زال يحوم من حول الجزائريين، وهناك من يسوّقه لهم بطلا مغواراً.ـ لأن لويزة حنون، وهي سيدة تمارس السياسة منذ 4 عقود، أخطأت أكثر مما أصابت، سيقت إلى سجن عسكري بينما كان يمكن إطلاق سراحها ومنعها من السفر (أشك إن كان لديها جواز سفر) في انتظار التحقيقات.ـ لأن القضاء العسكري لم يقترب من عبد الرزاق مقري، رئيس حركة مجتمع السلم، على الرغم من أنه كان سبّاقا لعقد اجتماع مشابه للذي عقدته حنون مع السعيد بوتفليقة.ـ لأن القضاء يحاكم علي حداد على جواز سفر مزوَّر و7 آلاف يورو وُجدت بحوزته، وليس على الفساد الذي مارس ونشر منذ مكنّته عصابة آل بوتفليقة من أموال الجزائريين.ـ لأن يسعد ربراب مسجون في اتهامات بالتصريح الجمركي الكاذب، وليس لسؤاله كيف راكم ثروته الطائلة.ـ لأن، لأن ولأنما سبق ذكره هو الوصفة المثالية للفشل، بل للتناحر. الجزائر تحتاج اليوم إلى كل شيء إلا التناحر. تحتاج إلى كل أبنائها بكل تناقضاتهم، وهؤلاء ليسوا مثاليين ولا كاملين، ولا أحد يتأمل منهم أن يكونوا كذلك. يكفي أن يتوقفوا عن تسويق ثقافة التخوين. وكي يتوقفوا عن التخوين، عليهم جميعا أن يتذكروا بأن زمن الأنبياء ولّى، وأن يقتنعوا بأن هناك حداً أدنى يجمعهم، وهذا يكفي، وأن لا أحد ينتظر منهم أن يتفقوا بسرعة وعلى كل شيء. عليهم أن يتعلموا فن التنازل. عليهم أن يتذكروا أن ضياع فرصة 2019 يعني 50 سنة أخرى من الانتظار، وأنهم إن اضاعوها فيستحقون آل بوتفليقة وأويحيى وحداد وولد عباس وبن يونس وبقية الأسماء الكوابيس.الفاتورة التي دفعناها نحن تكفي للمئة عام المقبلة. فلا أحب أن أتخيّل صحافيا من الأجيال الجديدة يمضي ربع قرن في ما أمضيتُ، ثم يسكنه الخوف من الموت قبل أن يرى 22 فبرايره. كلنا في مستنقع نستحق أفضل منه.

توفيق رباحي القدس

May 20th 2019, 9:43 pm
اقرأ على الموقع الرسمي

0 comments
Write a comment
Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا