Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا اقرأ على الموقع الرسمي

“صوت العقل” تكتسي شوارع قرية الحمراء بالقضارف بالدماء نتيجة استئناف الصراعات القبلية، فيما يتجاوز ال

صحيفة اليوم التالي السودانية

الخرطوم – الزين عثمان
(الحمراء) منطقة واقعة على بعد 50 كيلو من مدينة القضارف، وكانت مسرحاً لما اعتادت عليه على الدوام بأن تتغطى بـدماء أربعة عشر شخصا يسقطون ضحايا نزاع بين مجموعات الهوسا واللحويين.
يسرد التفاصيل بيان ممهور بتوقيع لجنة أمن الولاية، ويضع الحقيقة بين قوسي النزاع بين الرعاة والمزارعين, بينما يرسم آخرون المشهد بشكل مختلف ويملأون وسائط التواصل الاجتماعي بصور الحريق ويختمون حديثهم بالسؤال الاستنكاري (تُرى ما الذي حدث لأهل السودان؟).
بالنسبة للكثيرين فإن حدوث نزاع ذي طبيعة قبلية تعقبه حالة من التحشيد والتجييش لرد الصاع صاعين، مشهد بدا أقرب لكونه طبيعياً في ظل ما هو ماثل الآن.
(1)
بالنسبة للبعض فإن سقوط ضحايا للنزاع القبلي في القضارف يعني انهيار أحد أهم سدود التعايش السلمي والقبول بالآخر، لا تبدو الأزمة في الحدث نفسه وإنما في النتائج التي يمكن أن تترتب عليه لاحقاً خصوصاً وأن أحد طرفي النزاع رفضت قبول العزاء في قتلاها وهو ما يعني أن ثمة رد فعل يمكن انتظارها إلا أن البعض يقول إن التزام المجموعة بضبط النفس يعني انتظاراً لما يمكن أن تقوم به السلطات الرسمية وفقاً للقانون الذي تنظم به حياة الناس. في المقابل فإن سلطات حكومة القضارف قامت ببعض الإجراءات الخاصة من أجل اعادة الأمور لنصابها. وبحسب مصادر فإن السلطات قامت بتوقيف المتهمين في الاحداث ومن بينهم عضو مجلس تشريعي عقب رفع الحصانة عنه من أجل تقديمه للعدالة في أقرب وقت، فيما يقلل الكثيرون من الإجراءات الراهنة وقدرتها على إعادة الانضباط في المنطقة.
(2)
بالنسبة لأحد أعضاء مجلس تشريعي ولاية القضارف فإن النزاع يعود في الأساس لخلاف حول حيازة أراضٍ زراعية تم تجميع الرحل فيها، وهو أمر كان ينتظر أن يحسم عبر لجنة تم تكوينها منذ وقت سابق، وقال ان الأحداث المؤسفة نتيجة إهمال اللجنة الوزارية التي كونها والي القضارف ميرغني صالح منتصف أبريل مطلع العام الجاري، وأشار إلى أن تأخير تنفيذ مهام اللجنة لمغادرة رئيس اللجنة عبدالله سليمان بعد توليه منصب وزير الزراعة الاتحادي أدى لإهمال الأمر.
وكانت النتيجة انتهاج سلوك يجعل من كل مجموعة تقوم بالحصول على حقها بالطريقة التي تراها مناسبة ولا شيء أنسب من سلوك العنف في بلاد تعاني من عدم حسم النزاع حول الاراضي وطبيعة ملكيتها، فكل مجموعة ترى أنها صاحبة الملك وان الآخرين مجرد أجانب، وهو الأمر الذي يعود بشكل رئيس لعدم امتلاك الدولة للأراضي وهو السبب الذي يؤدي للانفجارات التي يتغير فيها فقط نوع السلاح المستخدم بحسب المنطقة، فبدلاً من السلاح الناري في مناطق يتم استخدام العصي في مناطق أخرى.
(3)
يفرز النزاع الذي يدور الآن في القضارف بين المجموعتين سؤالا حول مجموعة المستفيدين منه خصوصاً وأن الطبيعة التي يتميز بها السكان هناك تميل إلى التعايش وعدم الرغبة في إثارة النزاعات والصراعات في ظل تكامل الأدوار حتى على المستوى الاقتصادي وهو أمر يدفع البعض للإشارة بأن ثمة أيادي خفية يمكنها أن تساهم في هذا الأمر أو أنها المستفيدة من اندلاع النزاع في منطقة القضارف.
في حين يربط مراقبون بين ما يجري هناك وبين الأوضاع بشكل عام في منطقة شرق السودان في ظل سعي حثيث من اجل إعاة ترتيب خريطة المنطقة، وهو أمر لا يمكن فصله ايضاً عما يجري في الجارة الشرقية خصوصاً وأن المنطقة لا تبدو بعيدة عن منطقة (الفشقة) التي تشهد نزاعا حدوديا بين السودان وإثيوبيا وتنشط فيها بشكل كبير حركة عصابات (الشفتة) الإثيوبية منذ وقت طويل.
(4)
بالنسبة للمراقبين لا تبدو الأزمة في البلاد فقط متعلقة بالصراعات القبلية بل إن الأزمة أساساً تبرز في كيفية التعاطي معها من أجل القضاء على أسبابها بشكل جذري، حيث يستدعي البعض ماراثون النزاع بين المعاليا والرزيقات ومسلسل السفر الطويل من أجل وضع خاتمة له انتهت بعقد مؤتمر في مروي لم يكن ليغير من الوضع شيء كثيرا، كل ما تفعله السلة في هذا السياق أنها تجمع المتصارعين في دائرة للحوار من أجل عقد صلح لا يفضي إلى تغيير حقيقي في المسرح الذي يعرض الموت دون توقف.
يقول في هذا السياق القيادي في تحالف الإجماع الوطني، ساطع الحاج، إن النزاعات ذات الطابع القبلي هي أحد منتجات السلطة الراهنة ويربط بين امتداداتها وبين السعي الحثيث في أوقات سابقة للتقليل من دور الإدارات الأهلية التي كانت تملك الإرث في حسم مثل هذا النوع من التفلتات.
بالنسبة للحاج فإن ما يجري الآن هو فقط حصاد ما تم زرعه في السنوات السابقة ولا يغادر إفادته دون الاشارة إلى أن مثل هذا النوع من الأجواء هي التي ترغب السلطة الحاكمة في وجودها من أجل استمراريتها.
في سياق متصل، يرسل صاحب رواية (الجنقو مسامير الأرض) عبد العزيز بركة ساكن مناشدة إلى حكماء اللحويين والهوسا في جميع أنحاء السودان، بتحكيم صوت العقل، وأن يخمدوا نار الفتنة التي أشعلتها جهات معروفة من أجل أهداف معلومة للجميع، ودعا الروائي المقيم في النمسا للتوسط بين الطرفين من أجل التوصل إلى اتفاق مرضٍ يحقق التعايش السلمي بين المواطنين من المزارعين والرعاة ويكمل أن أرض القضارف خيرة ومعطاء وشاسعة بإمكانها أن تسع الجميع مثلما كانت طيلة مئات السنين.
(5)
فيما يظل سؤال الراهن هو ذلك المتعلق بردة الفعل على ما جرى في (الحمراء) وإلى أي مدى يمكن للسلطات الحكومية أن تضع نهاية للأزمة دون أن تتمدد أكثر مما هي عليه، وذلك في ظل ارتفاع حدة التحشيد بين مكونات النزاع، وذلك باستخدام أدوات التواصل الاجتماعي وهي المواجهات التي يرجعها الكثيرون لغياب دور الدولة في حسم مثل هذا النوع من النزاعات، مقرون ذلك بارتفاع الشعور بأن الحقوق يجب أن تنتزع بالقوة وليس عبر اللجوء لسلطة القانون، وهو ما فتح المجال أمام الأفراد لاستصراخ مجموعاتهم الإثنية بغية الزحف من أجل مواجهة الطرف الآخر، وهو ما يؤكد على عدم تجذر فكرة الدولة ككيان لدى الكثير من المكونات الاجتماعية. في كل الأحوال فإن مشهد النزاع القبلي في القضارف يؤكد على أن ثمة اختلالاً في بنية الدولة يحتاج لإعادة بنائه وبشكل سريع وهو ذات المشهد الذي يبشر بالمزيد من الكوارث المماثلة ما لم يتم تلافيها وبأسرع فرصة ممكنة، وهو التلافي الذي يحتاج لارتفاع الأصوات العاقلة فهل سيسمع صداها الآن؟.

The post “صوت العقل” تكتسي شوارع قرية الحمراء بالقضارف بالدماء نتيجة استئناف الصراعات القبلية، فيما يتجاوز الأمر الاستفهام حول أسباب النزاع إلى سؤال متى يتوقف هذا النزيف؟ appeared first on صحيفة اليوم التالي السودانية.

July 29th 2018, 4:06 am
اقرأ على الموقع الرسمي

0 comments
Write a comment
Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا