Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا اقرأ على الموقع الرسمي

اقتصاديات الحرب... وتكلفة الصراع في الشرق الأوسط

صحيفة السوداني


ـ لواء مهندس ركن أمين إسماعيل مجذوب

ـ يبدو المشهد العالمي كئيباً والصورة قاتمة لما يكتنفه من مشاهد مُتكرِّرة للصراعات والحروب التي أضحت مشهداً ثابتاً على القنوات الفضائية، ولم تعد تحرِّك ساكناً في مشاعر الجالسين أمام أجهزة التلفاز، بل يأتيك الشعور أحياناً بأنّ العالم الأول أصبح يتسلى بمشاهد تلك الصراعات والحروب كونها تدور خارج أراضيه وبعيداً عن مناطق رفاهيته وملذاته، بل أصبحت تدر دخلاً بالمليارات لدول العالم الأول المُصدِّرة للسلاح والتي ما أن تريد أن تختبر سلاحاً جديداً، حتى تقوم بخلق وتصدير أزمة تتحوّل إلى صراع مُسلّح لاختبار ذلك السلاح ومن ثم يدفع أطراف الصراع ثمن السلاح وتكلفة الاختبارات التي تمّت على أجساد ورؤوس دولهم ومُواطنيهم، العالم الآن يموج بصراعات تمتد من شرق العالم بين الكوريتين والسباق النووي الذي برعت فيه كوريا الشمالية، وهو صراع تغذيه الدول العُظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، بجانب كوريا الجنوبية، ويقف إلى جانب الطرف الشمالي كل من الصين وروسيا، ثم الصراع الطويل الممتد بين الهند وباكستان وهو صراع يُدار بوسائل خشنة ونَاعمة ونتجت عنه خسائر كبيرة بشرية واقتصادية، ثم نأتي لمنطقة الشرق الأوسط التي تعج بالصراعات والحروب والأزمات المُمتدة، الصراع الإيراني ضد المُجتمع الدولي من أجل امتلاك القوة النووية، والصراع الإيراني مع القوى الإسلامية السنية لأسباب طائفية، ومسرح عمليات الصراع الأخير مَفتوحٌ على مصراعيه في لبنان والعراق وسوريا واليمن ومرشحة مناطق أخرى للانضمام إلى هذا المسرح العبثي الذي يدمر ولا يبني ولا توجد له أهداف واضحة سوى بسط النفوذ الإقليمي واستعادة أمجاد تاريخية اندثرت في حقب التاريخ القديم.
الصراع بين أقطاب النظام العالمي الجديد الذي لم يتخلّق حتى الآن كنظام مُتعدِّد الأقطاب، أو ثنائي القطبية، أو أحادي القطبية، وأصبح الصراع بين أقوى مكوناته (أمريكا ــ روسيا ــ الاتحاد الأوروبي ــ الصين) يتم عبر الوكالة في الأزمة الأوكرانية والأزمة السورية والأزمة العراقية وأزمة اليمن والأزمة الليبية، وأزمة التركيع في مجموعة الأوبك بإغراق الأسواق لتخفيض الأسعار وتدمير اقتصاديات دول بعينها.
 تكلفة الصراع والحرب في العراق وسوريا كلّفت حتى الآن حوالي 209.06 مليارات دولار (تقديرات مؤشر السلام العالمي)، بجانب أن ظهور تنظيم داعش في الدولتين حول المنطقة إلى مسرح عمليات دولي أشبه بما حدث قي الحربيْن العالميتيْن الأولى والثانية، وجعلها المنطقة الأكثر عنفاً في العالم، والأكثر لجوءاً بسبب العمليات العسكرية، وقد أضعف الصراع اقتصاديات الدولتيْن والدول المُُجاورة لهما بسبب التأثير المُباشر للصراع وأدواته، نصيب العراق من تلك التكلفة بلغ 152.320 مليار دولار، بينما بلغت تكلفة الصراع في سوريا 56.74 مليار دولار ما يعادل 42% من دخلها القومي، وتخسر إيران من جراء تدخلها في الصراع العراقي والسوري حوالي 20 مليار دولار سنوياً، وإن كانت تُعوِّض جُزءاً كبيراً منها من موارد البلديْن في النفط والغاز.
بلغت تكلفة الصراع في اليمن حوالي 9.951 مليار دولار كتكلفة عمليات عسكرية على الجانب اليمني، ما يعادل 9% من الناتج المحلي، بجانب أنّ الصراع في اليمن تسبّب حتى الآن في أضرار في البنية التحتية تصل تكلفتها إلى حوالي سبعة مليارات دولار وأضرار اقتصادية أخرى قُدِّرت بأكثر من 7.3 مليارات دولار، (حسب التقرير الذي يحمل عنوان التقييم المبدئي للأضرار والاحتياجات شارك في إعداده البنك الدولي والأمم المتحدة والبنك الإسلامي للتنمية والاتحاد الأوروبي)، وقد خسرت المملكة العربية السعودية من زيادة إنتاج النفط وتخفيض الأسعار حوالي 180 مليار دولار، هذا خلافاً عن تكلفة العمليات العسكرية لتحالف عاصفة الحزم وعملية إعادة الأمل التي قاربت الـ 200 مليار دولار،  وما زالت أطراف الأزمة اليمنية تُعاني من الضغوطات على الاقتصاد الذي لابد أن يتحوّل بعد عام ونصف على بدايته إلى اقتصاد حرب وشد الأحزمة على الميزانيات، وهذا ما بدأت المملكة العربية السعودية في تنفيذه من خلال رؤية 2030م التي كانت من نتائجها إنشاء محفظة جديدة للاستثمار بجانب ضوابط قاسية لسوق العمل والرسوم والضرائب التي لم يعتد عليها المواطن والمقيم، وجاء قانون الجاستا كمُهدِّد مُباشر للودائع والاستثمارات السعودية في الولايات المتحدة الأمريكية الشريك الاقتصادي الاستراتيجي الأول للمملكة منذ خمسين عاماً، اقتصاد اليمن انقسم بين حكومتيْن وبنكيْن مركزييْن في صنعاء وعدن، وناتج محلي يقارب الصفر، مع استمرار عمليات تهريب البترول من قبل الحوثيين وقوات صالح لتسيير نفقات عملياتهم العسكرية، بينما تعتمد الحكومة الشرعية برئاسة هادي على الدعم الاقتصادي من دول المُبادرة الخليجية منذ عامين.
مع احتدام المعارك للتخلص من داعش في ليبيا، أكبر بلد يملك احتياطي نفطي في أفريقيا، سيكون من الصعب حساب تكلفة الحرب والصراع بين الفصائل المختلفة كونها مُهمّة شاقّة، فلا مُؤسّسات حكومية يمكن القياس بها أو عليها، ولا اقتصاد مُستقر يمكن تقيمه أو تقويمه عبر مؤسسات النقد المالية القارية والدولية، من ناحية أخرى يتضح للمتابع أن التحدي المُتمثل في الصراع والعنف على نطاق واسع لا يقتصر فقط على البلدان ذات الدخل المنخفض، حيث توضح التجارب والخبرات السابقة أنّ تأثير النزاع يختلف عادةً مع النوع والكثافة والمدة والنطاق الجغرافي، في السنوات القليلة الماضية زادت حُدّة الصراعات وارتفع عدد النازحين ليصل إلى 60 مليون شخص على مُستوى العالم، وتمثل منطقة الشرق الأوسط 40% من المجموع العالمي لمقدار الوفيات المرتبطة بالمعارك منذ عام 1946 حتى العام 2015م، كَما أنّ 60% من الضحايا كانوا في مطلع الألفية الثالثة، أي مُتزامنة مع ما يُعرف بالربيع العربي وظهور داعش والصراعات العرقية والطائفية في المنطقة، وفي الآونة الأخيرة، حاول صندوق النقد الدولي تقدير تكلفة الصراع في منطقة الشرق الأوسط، حيث وضح انخفاض الناتج المحلي الإجمالي في سوريا إلى النصف خلال أربع سنوات من القتال، والانخفاض إلى أكثر من الربع في اليمن، وحتى مع وجود مُعدّل نمو سنوي مرتفع نسبياً قدره 4.5%، إلاّ أنّ الأمر في سوريا سيستغرق 20 عاماً أو أكثر للعودة للناتج الإجمالي المحلي قبل اندلاع الصراع في عام 2011م، بالنسبة للاقتصاد الفلسطيني لا يزال راكداً تقريباً على مدى السنوات العشرين الماضية، في حين نَمَت اقتصادات دول الشرق الأوسط بنسبة 250%، حيث بلغ مُتوسط النمو في البلدان التي لم تشهد صراعاً بين عامي 1970 ــ 2015 التي حَافظت على السلام لمدة لا تقل عن عشر سنوات بعد انتهاء الصراع نحو 4%، استقرار الاقتصاد الكلي  في مناطق الصراع في الشرق الأوسط يعتمد على جوانب عديدة أخرى من السِّياسات الاقتصاديّة، التي يُمكن أن تكون أقل تنظيماً من نواحي التنبؤ والتخطيط، ومع ذلك يُمكن إجراء تعديلات صغيرة على مُستوى البنوك المركزية، مثل تحديد ضوابط رأس المال الأجنبي، هذه السِّياسة طُبِّقت بشكلٍ جَيِّدٍ في السابق في العراق وليبيا، رغم أنّ الحرب الليبية قد خفضت احتياطات العُملة الأجنبية، أمّا في اليمن فقد تم استنزاف الاحتياطات الأجنبيّة في البنك المركزي بصنعاء الشيء الذي أدى لفتح بنك مركزي جديد في عدن.
تواجه البيئة الاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط أزمة أخرى بسبب انخفاض أسعار النفط، كما أنّ تونس ولبنان والأردن وتركيا يواجهون صعوبات اقتصادية بسبب أزمة اللاجئين، بينما السودان ومصر يعانيان من أزمات اقتصادية بسبب توقف الاستثمارات العربية خاصةً من دول الخليج المشغولة بالصراع السني ــ الشيعي في أكثر من جبهة، وانخفاض أسعار النفط التي أضَرّت باقتصادياتها بمُستويات متوسطة، وعلى ذلك نجد أنّ التكلفة العالمية للصراع ومُناهضة العُنف حول العالم بلغت 14.3 تريليون دولار أي ما يعادل 13.4 من الناتج المحلي العالمي، وهو يُعادل اقتصاديات البرازيل وفرنسا وألمانيا وإسبانيا وبريطانيا مُجتمعةً، وبذلك أضحت تكلفة الصراع عاملاً رئيسياً قد يؤدي لتوقف الصراعات حال انتباه المُتصارعين لذلك أو الانهيار كما حدث للاتحاد السوفييتي السابق.

October 12th 2016, 6:13 am
اقرأ على الموقع الرسمي

0 comments
Write a comment
Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا