Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا اقرأ على الموقع الرسمي

(نقوش على جدار السلام) رفع العقوبات خطوة مُهمّة ولكن!

صحيفة السوداني


  السفير د. معاوية التوم الأمين

   
سنوات عجاف عاشها السودان في تاريخه الحديث، بعضها بأسباب طبيعية فيما طاله من جفاف وتصحر في بعض أطرافه، وبعضها يعود للأزمات والحروب والنزاعات التي امتدت شرقاً وغرباً وجنوباً وما أفرزته من واقع وتداعيات، وكلفتها الكبيرة مادياً وبشرياً، أقعدت البلاد عن التقدم خَاصّةً في المسار الاقتصادي بكل مطلوباته في النماء والرفاه وحياة الإنسان اليومية ومعاشه. وبلا شك فإنّ التدخلات الخارجية من خلال المنتوج الكلي السالب لهذه الأزمات مُجتمعةً كان وراء العقوبات الثنائية من بعض الدول كالولايات المتحدة الأمريكية، وجماعياً كما هو الحال مع الاتحاد الأوروبي والتي قادت من بعد إلى عقوبات دولية وتأزيم للأوضاع الداخلية وتعقيد الحياة الاقتصادية والتراجع الذي لحق باقتصادياتنا في أوجهها المُتعدِّدة، سواء ما اتصل بالاقتصاد الصغير أو الكبير وحركة الإنتاج، ومعدلات البطالة وتدهور الصناعات الوطنية وعدم قدرتها على التنافس، ومُعَدّلات سعر صرف العملة الوطنية في مقابل العملات الأجنبية وغيرها من الإشكالات التي اعترضت مسارنا الاقتصادي. وبالمّقابل، فإنّ للسودان من الإمكانات والقدرات الاقتصادية ما جعله في السابق ويفترض أن يجعله الآن في مصاف الدول المُتطوِّرة إن لم تكن المتقدمة، لذلك لا ينبغي أن يكون القياس بما أفرزته الأوضاع الماثلة تحت ظروف الحروب والأزمات فحسب، حتى نقف على حقيقة ما هو مطلوب وما يُمكن فعله لجهة الالتزامات الداخلية وتوفيق أوضاعنا تحت كل الظروف، وبلادنا ظلت تُواجه تحديات كبيرة وعصيّة على التطويع، والوجهة الكلية للاقتصاديات التي أقرها هذا الواقع كانت ترمي بثقلها لمُقابلة الأمن القومي والدفاع لدرء آثار الحرب وتحقيق السلام والاستقرار، وهي مُعادلة من شأنها أن تضعف حركة الاقتصاد وتشل الموارد وتنسحب على حياة المُواطنين وغلاء المعيشة، وهذا ما جعلنا نقف لأكثر من عقديْن من الزمان تحت طائلة عُقُوبات مُتعدِّدة المصادر ومُتنوِّعة الأهداف استنزفت الطاقات وأحدثت من التشوهات على بنيتنا الاقتصاديّة ما يصعب مُعالجته في سنواتٍ محدودةٍ حتى وإن توفرت الموارد والإمكانات وصلحت الخُطط والبرامج، فلابُدّ من إطار زمني وافر لعَودة حَركة الاقتصَاد إلى طَبيعتها وتحقيق درجات التعافي الواقعي، هذا من حيث الإطار النظري والمفاهيمي الذي يفترض له أن يتماهى مع الواقع العملي على الأرض.  
بالمُقابل، وبمثل ما عَاشَ السُّودان هذا الواقع المرير بكل تبعاته وآثاره وما أوجده من ضائقة ومُعاناة، ظلّت الدولة حاضرةً وموجودةً بالرؤى والخُطط والبرامج التي رمت لمُقابلة هذه التحديات، عبر حزمة إصلاحات اقتصادية ودورات مرحلية وفق ما أتاحته الظروف، بعضها كان ناجعاً وأدى أكله وبعضها ارتضم بصخرة التكيف دون أن يبلغ غاياته أو يُحقِّق أهدافه، وكانت أيضاً هنالك إنجازات في المشروعات الكبيرة خاصةً المتعلقة بالبنى التحتية في ظل هذا الراهن الاستثنائي. فخطى الإصلاح تمضي وتأتي أُكلها في الظرف الطبيعي وفقاً للفرضيات المُتعارف عليها، ولكنها في واقع حالنا في المُؤشِّرات الاقتصادية والمُوازنات التي ظَلّت توضع والنتائج التي كانت مُتوقّعة وقياسات الأداء الكلي لم تكن لتأتي على نحو ما هو مألوف عند الدول ذات الأوضاع الاعتيادية، وعليه فإنّ ما تحقق يظل دون المطلوب والطموح آخذين في الاعتبار الخلفيات التي قادت لما نَجَمَ، وبلادنا ظلت تُعاني وتفتقد مدخلات الإنتاج والصناعة وقطع الغيار والتكنولوجيا التي تمتلكها هذه الدول القابضة بمفاصل الإنتاج التقني، فضلاً عن توقف القروض والهبات والتسهيلات، وتقييد حركة المصارف والبنوك ووقف الاستثمارات الأجنبية والدعم التقاني والمُساعدات الفنية، ومنعه من التمتع بميزات من شأنها أن تساعد في تسريع خُطى الإصلاح والهيكلة والإنعاش. لذلك مضت البلاد تكابد هذا الذي وقع عليها، وكان طبيعياً أن يكون مردوده بهذه المحدودية في النتائج، ليظل اقتصادنا حَبيس القيود والمُكبّلات التي تُحيط به، واستعصت نجاعة السياسات أن تعبر هذه المتاريس، والسودان عرف تاريخاً بما حققه من نهضة اقتصادية وعُمرانية وتقدم لعملته وفيض بالدعم والهبات لصالح دول بمصاف ألمانيا في مطلع السبعينات. وبمَا أنّ الاقتصاد يُقاس بالأرقام ويعرف بلغتها إلاّ أنّه لن يكون مُنصفاً أن تطبق هذه المعايير لمحاكمة ما ظل قائماً رغم المسؤولية الوطنية والأخلاقية على الدولة، بل ليس عدلاً أن تلتزم بعض هذه الدُّول كما في إعلان أوسلو قبيل إبرام اتفاق السَّلام الشّامل في العام 2005م وغيرها من الالتزامات الثنائية، دون الوفاء إلا بقدر محدود منها، ومن هنا تكمن العواقب الوخيمة ومَظاهرها في أشكال الحصار والعُقوبات التي طالت البلاد، وما انتهت إليه من نهايات نعيشها واقعاً.
نسوق ذلك وبلادنا تخطو مرحلة جديدة في علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية من خلال مسيرة حوار جدي استمر لأكثر من عامين لم يكن الأول من نوعه وله مَسارات بموضوعات منضبطة، ولكنه للتاريخ لأول مرة تلتزم فيه أمريكا وتوفِّي بوعدها الذي قطعته على نفسها برفع العُقوبات الاقتصادية في أو قبل 12 أكتوبر 2017، وإن سبقته قبل ثمانية أشهر بخطوة أولى في رفع جزئي له، لم تكن نتائجه بالوضوح المطلوب. لنأتي إلى مرحلة السادس من أكتوبر بحسبانها مرحلة مُهمّة وانطلاقة لتعاون مُستقبلي ينتقل بعلاقات البلدين إلى واقعٍ مُشتركٍ تحكمه أطر التعامل الدولي المُتعارف عليها. ولا غرو أن تُقابل هذه الخطوة من السودانيين حكومةً وشعباً بهذه الفرحة والارتياح لكل قطاعات الشعب وتياراته، وهي مشروعة ومتفهمة في ظل الحرمان وحالة الضيق التي ظلّت تُسيطر على المشهد، وحالة العداء والكراهية التي كانت تُشكِّل المزاج الشعبي تجاه أمريكا. وبعد أن استقرت المشاعر علينا أن ننظر لما يمكن أن تسفر عنه الأيام المُقبلة وما ستحدثه هذه القرارات من انفراجات على صعيدنا الداخلي وعلاقاتنا الخارجية، وإن كانت بحاجة لتكلمة فيما أسماه السيد وزير الخارجية بروف غندور بمفارقة إزاء ملف الإرهاب، وحاجتنا للسعي مع الأطراف الدولية الأخرى لأن تأخذ هذه الخطوة بذات الجدية لديهم وتنعكس في قرارات مُشابهة تُعزِّز من فرص السودان في النهوض من كبوته وإزالة العوائق كَافّة أمام مسيرته الاقتصادية، بما يفضي إلى توجُّهٍ جديدٍ يحتاج لمُخاطبة تأخذ بهذه التطورات بتقديرات مستبصرة.
لا نريد لموجة الفرح العَارم التي تنتظم الأوساط الداخلية أن تفرط في التفاؤل والرجاءات في سرعة النتائج والمآلات لجهة الإيجابية والانفراج في حركة الاقتصاد وأسعار السلع والخدمات، نظراً لأنّ العُقوبات لم تكن العامل الأوحد فيما لحق بنا، ولكنها كانت جُزءاً مُؤثِّراً فيما طال بلادنا من ضعفٍ وتدهورٍ اقتصادي وحملات للتشويش أضرّت في أكثر من ناحية. لقد آن الأوان أن تضاعف الجهات الرسمية جُهودها من وحي هذه السانحة مع المجموعة الأوروبية ومع الأمم المتحدة كي تتّسق الخطوات، بحسبان القرارات الأمريكية في حدها الأدنى اعترافاً بخلو سجل السودان من تبعات ما نُسب إليه أو تحسناً في توجهه على أقل تقدير بمعاييرهم. علينا أن ننظر في هيكلة قطاعنا الاقتصادي ومُؤسّساته بما يجعل خُططنا وبرامجنا تكيف لصالح إقالة هذه الكبوة وعدم الرجوع إلى سابق ما جرى. نريد أن نصوب على مسؤوليتنا الوطنية ومُضاعفة جهدنا وتَوظيف إمكاناتنا بأكثر من تعويلنا على ما سيأتي من الخارج. فرفع الحصار والعُقوبات الظالمة عن بلادنا خطوة مُهمّة ومُشجِّعة لكنها لن تفوق مطلوباتنا الذاتية للنهوض باقتصادنا وإصلاح أحوالنا على نحو ندرك فيه قيمة مثلنا في وطئنا للجمرة والاكتواء بنارها.      




October 11th 2017, 7:00 am
اقرأ على الموقع الرسمي

0 comments
Write a comment
Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا