مصر وليبيا وبينهما تركيا
من يدقق في صورة التفاعلات الدولية يجد بسهولة أن القاعدة الرئيسية التي تحكمها هي المصالح المتبادلة بين الدول. بعد فترة يصبح عدو الأمس صديق اليوم والعكس، مع مراعاة أن صفتي العداوة والصداقة ليستا مطلقين. تعملان بالتوازي وبشكل نسبي.
ربما تكون الصفتان متلازمتين. لم تعد الدول تقيّم علاقاتها على أساس حدي. الصراع الواحد يقبل الاتفاق والخلاف، ترجح الكفة وفقا لمستوى المصالح، ما يفسر استمرار الحرب والمفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.
يعد تذبذب مواقف بعض الدول مؤشرا على إمكانية القبول والرفض. هذا لا يعني أن الدول التي على وئام مع واشنطن سوف تستمر في ذلك أو أن الدول التي على خلاف مع طهران سوف تواصل خلافها.
تهدف هذه المقدمة إلى تأكيد أن الدول مختلفة عن البشر في اتفاقها وخصامها، ولا يلغي أحدهما الآخر. لم تعد كلمات مثل الحرب أو السلام مطلقة في الدلالة على طبيعة الحالة في التفاعلات بين الدول عند النظر إليهما في أي أزمة.
ولمزيد من الوضوح، أعيدت العلاقات الدبلوماسية بين مصر وتركيا، وارتفع منسوب التفاهم في عدد من القضايا الإقليمية. ظل الخلاف بينهما حول ملفي: جماعة الإخوان التي لا تزال أنقرة تأوي بعض قياداتها المحكوم عليهم في قضايا إرهاب وملف ليبيا، والذي لم تتغير حسابات تركيا فيه، بما يتباعد عن رؤية مصر. مع ذلك شهدت العلاقات بينهما نموا ملحوظا على مستويات عدة، وتم تجاوز ملفي الإخوان وليبيا.
مشكلة هذا النمط من العلاقات الذي يقوم على تهميش القضايا الخلافية أنه فجأة وعند لحظة معينة يطفو على السطح. يظهر "قانون الطفو" عند أول صدام يحدث بينهما كما هو حاصل الآن بعد التصديق على اتفاقية الحدود البحرية بين أنقرة وطرابلس.
تعالت أصوات في مصر وتركيا وليبيا، بعد تصديق البرلمان الليبي على الاتفاقية. كل يدافع عن الموقف الرسمي المعلن، ما كشف عن فجوة كبيرة في الرؤى السياسية، وأعاد للأذهان قصة الخلاف بين القاهرة وأنقرة حول ملفي الإخوان وليبيا. زاد عليها رواية مصر مع ليبيا ومواقفها المنحازة أو المعتدلة من حكومتي طرابلس وبنغازي.
لن أدخل في مشروعية اتفاقية الحدود البحرية وما يحيطها من التباسات وتفسيرات، ما يهمني في هذا المقال أن الخلاف حولها بين الدول الثلاث (مصر وليبيا وتركيا) لا يعني نهاية المطاف أو أن أزمة هيكلية تعصف بالتقدم الذي تم في العلاقات بين هذه الدول خلال الفترة الماضية.
المصالح الكبيرة بينها، تفرض اعتماد آلية إيجابية لعلاج الآثار الناجمة عن الاتفاقية البحرية، وذلك إذا تم تطبيقها عمليا، لأن المطبات القانونية التي تواجهها يمكن أن تشكل عائقا أمام تنفيذها، وتطوى صفحتها مبكرا وقبل استفحالها، على الأقل في الوقت الراهن الذي تشهد فيه التفاعلات الدولية سيولة عالية.
كشف بيان وزارة الخارجية المصرية عن رفض صريح لتصديق مجلس النواب الليبي على الاتفاقية البحرية مع تركيا، وحدد نقاط الخلاف وحصرها في الاعتداء على حقوق بحرية مصرية، ملوحا باتخاذ التدابير اللازمة. ابتعد البيان عن الدخول في صدام مباشر مع تركيا وليبيا واتخاذ التدابير الفورية الخشنة ضد الاتفاقية، لكنه حافظ على الحقوق المصرية مستقبلا، لأن طبيعة المرحلة وما تحويه من مصالح سياسية واقتصادية بين الدول الثلاث تفرض التعامل مع التوترات بقدر عال من الانضباط.
يكمن العنصر الحاسم في التحول الذي حدث في رئاسة مجلس النواب الليبي، حيث جرى عزل عقيلة صالح واختيار الصالحين عبدالنبي. الأول رفض التصديق على اتفاقية الحدود البحرية مع ليبيا عند توقيعها منذ سبعة أعوام، وجاء الثاني ووافق عليها سريعا في العشرين من أكتوبر الجاري. ما يؤكد أن عملية التغيير تحمل أجندة تتنافر مع مصالح مصر الحيوية، والتي كانت علاقتها جيدة بمعسكر شرق ليبيا، وضم قائد الجيش الليبي خليفة حفتر ورئيس البرلمان المعزول عقيلة صالح.
يعزز التغير الجديد في رئاسة مجلس النواب التقديرات بوجود تغيرات أكبر في المواقف العامة التي يتبناها معسكر الشرق، في مقدمتها العلاقة مع القاهرة التي امتلكت نفوذا كبيرا في أوساطه، ولا تزال لديها أدوات مختلفة تمكنها من إحداث تغييرات مضادة، لكنها تفضل استخدام الأداة الناعمة لمنع عودة الفوران الأمني على حدودها الغربية، وعدم عودة التوتر في العلاقات مع تركيا التي تمترست في غرب ليبيا منذ سنوات، وتحاول تكرار السيناريو نفسه في الشرق.
راهن من مرروا عملية التغيير في رئاسة مجلس النواب والتصديق على اتفاقية الحدود البحرية، على عاملين، الأول: انشغال مصر في أزمات إقليمية عديدة. الثاني: حدوث تحول إيجابي في حسابات معسكر الشرق تجاه أنقرة. فات هؤلاء أن القاهرة اعتادت التعامل مع أكثر من أزمة في وقت واحد، وأنها منذ فترة شعرت بعدم الاطمئنان إلى العلاقة مع المشير خليفة حفتر وابنه (نائبه) صدام الذي يملك طموحا سياسيا في الوصول إلى سدة الحكم في كل ليبيا.
لدى مصر أكثر من خطة للتعامل مع أقطاب هذا المعسكر، لأنها تعلم بدقة ما جرى ويجري وما سوف يجري فيه من تطورات لاحقا، ولن تعدم تفعيل المفاتيح التي تساعدها على وقف عملية إعادة رسم الخريطة في شرق ليبيا ضد مصالحها.
تريد مصر الحفاظ على وحدة واستقرار ليبيا، وعدم عودة التوتر مع تركيا في معادلة تبدو صعبة، إلا أن القاهرة التي تعاملت مع ما هو أشد صعوبة في ليبيا لن تعدم إيجاد الوسائل المرنة التي تمكنها من العبور.
أظهرت تركيا حرصا على عدم التفريط في علاقاتها الدبلوماسية مع مصر، حيث يتشاركان في أكثر من ملف. ويعلم أي سياسي أو جنرال ليبي (صدام حفتر) أن استقرار بلاده يتطلب الحفاظ على علاقات جيدة مع القاهرة، ما يتطلب منه والقوى التي تقف خلفه عدم استفزازها، والبحث عن وسيلة لعدم الإضرار بمصالحها والحفاظ على استمرار الهدوء معها. تقول بعض التجارب العملية، إذا لم تتمكن القاهرة من تحقيق ما تريد عبر أدواتها المتعددة، بإمكانها حرمان خصومها من الوصول إلى أهدافهم.
تستطيع مصر وليبيا وبينهما تركيا توفير درجة مناسبة من الاستقرار في العلاقات البينية، عندما يتم تجنب المزايدات السياسية حول اتفاقية الحدود البحرية، وتجميدها إلى حين أن يحسم القانون الدولي الموقف منها، وتوظيف النقاط الإيجابية الحالية في التفاعلات بين الدول الثلاث، لأن الإصرار على تطبيقها وضرب عرض الحائط بالتحفظات الإقليمية التي تلاحقها يؤدي إلى تخريب العلاقات بينهم، ولا أحد منهم على استعداد لتحمل التكلفة الباهظة الناجمة عن عودة التوتر إلى هذا المثلث.
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا




تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا