كتيبة سوداء، رواية تحكي لنا الحاضر بمرآة التاريخ
موسوعة الاعجاز العلمي في القرآن والسنة
(لقد فقدنا الدهشة منذ زمن وبات كل شيء قابلاً للتصديق)
مقولة محببة لي جداً للدكتور أحمد خالد توفيق ، كلما رأيت حدثاً عجيباً في هذا العالم أو هممت بالشعور بالمفاجأة من أمر جلل رأيته مما يدور حولنا من أحداث و أفعال تجعل الحليم حيراناً ، من تصريحات لمسؤولين يُخيل إلي أحياناً أنهم قادمون من المريخ أو عندما تنصبغ وسائل الإعلام كلها بألوان متعددة لخبر واحد و تبدأ بتشريحه و تحليله كأنه الفريد من نوعه و ينسون الجثث التي تتحلل و ترقد في المشرحة دون هوية لأنها لا تهمهم… ما يهمهم هو الخبر نفسه… حينها أتذكر هذه المقولة و أهدئ من روعي و أقول لنفسي… بات كل شيء قابلاً للتصديق فلا داعي للعجب.
لكن رغم كل ذلك مازالت تستطيع بعض الأشياء أن تهزني من العمق و تجعلني أقف وأتساءل طويلاً عن ماهية تلك الحياة التي نحياها و عن هذا الإنسان الذي يبدو في لحظات كثيرة قادراً على فعل أشنع الأمور وأكثرها فداحة، وكل هذا لأجل لا شيء… فعلياً لا شيء ، و ما يدهشني أكثر هو كيف يعيد التاريخ نفسه و يكرر مشاهده كأنها مسرحية أبدية لا تنتهي تتكرر فصولها بممثلين مختلفين و حوارات متشابهة و جمهور مذهول لا يكون متفرجاً فحسب في هذه المسرحية بل يكون هو الديكور التي يستخدمها الممثلون لإكمال مسرحيتهم .
عن الرواية و الكتيبة السوداء
محمد المنسي قنديل يواجهنا بتاريخ أسود في القرن التاسع عشر لا يختلف كثيراً عن القرن الواحد والعشرين ، يحكيه لنا من خلال كتيبة سوداء يحكي لنا حكايتها ، تلك الكتيبة التي جُمعت من القارة السوداء من بقاع شتى و كل واحد منهم يحمل وطنه في صدره و ألمه على ظهره يثقله أينما ذهب ، ينتقلون بين السخرة التي يذهبون إليها مجبرين غير مخيرين في عصر الخديوي وقبله ابراهيم باشا أو العبودية التي يجدون أنفسهم فجأة عبارة عن ثمنٍ لصفقة يقوم بها رئيس القبيلة مقابل بعض السلاح ، يباعون لتاجر عبيد سوداني أمام عيون أهلهم و أولادهم ويتحولون إلى مجرد جنود في جيش الجهادية التابع للخديوي في مصر يقاتل في حروب لا ناقة له فيها ولا جمل.
و يغوص المنسي بطريقة أدبية مبدعة في نفوس أمراء نمساويين تدفعهم رغبتهم العميقة والطمع البشري إلى الموافقة على تولي عرش المكسيك… العالم الجديد الذي يقنعون أنفسهم أنهم ذاهبون لتخليصه من تخلفه و المتمردين الذي يعيثون فيه فساداً ، ولكن تتبدى لهم الحقيقة متأخرين ، حقيقة يدفعون ثمنها حياتهم و حياة الكثيرين من الجنود الذين يدخلون هذه الحرب و لاناقة لهم فيها و لا جمل ، الحقيقة التي هي أن فرنسا استخدمت طموح هذين الأميرين لأجل تحقيق طموحاتها الخاصة و في النهاية أطاحت بهم جانباً و استغنت عنهم عندما اكتفت من مكاسبها وخسائرها في القارة الجديدة ، و الحقيقة الأخرى أن كل ما كان يهم الامبراطور الجديد وزوجته هو تحقيق مجدهم الخاص حين عجزوا عن تحقيقه في أوروبا ، كل واحد منهم بطريقته الخاصة والتي يفشلون في النهاية بتحقيقها.
تقاتل الكتيبة السوداء في بلد لا تعرف لغتها ولم تسمع بها من قبل و لا تعرف شيئاً عن أهلها أو عاداتهم أو طبيعة أرضهم ويجدون أنفسهم مجبرين على اتباع أوامر رؤسائهم الذين يفترضون أنهم يعرفون ، ولكن هؤلاء لا يفعلون شيئاً سوى زجهم في حرب لا علاقة لهم بها و لا يملكون إلا أن يقتلوا كي يظلوا على قيد الحياة دون أن تحصدهم سيوف الموت من حيث لا يعلمون .
و بين كل تلك الأنهار التي تجرب من الدماء يجد الحب منفذاً يتسلل إلى قلوب أولئك المحاربين الذي لم يعرفوا في حياتهم سوى الموت والخراب و يصبح هو الشيء الوحيد الذي يستحق القتال من أجله والموت في سبيله أو البقاء في ظله…
حين يكتب التاريخ بمرآة الحاضر
هل يشبه هذا ما يحدث في القرن الواحد والعشرين! دول كبرى تستخدم دولاً أصغر منها و تعدها بالكثير من المكاسب المستقبلية ، ثم فجأة تكتشف خطأها و (تضيع الطاسة) كما نقول عندنا و تصبح الأمور فوضوية يضيع فيها الصالح بالطالح ولا خاسر فيها إلا أولئك الذين لا حول لهم ولا قوة ، من يُستخدمون في تحقيق أهداف هؤلاء و مطامعهم.
رواية من الطراز الرفيع من الناحية أدبياً
لن أتحدث عن أسلوب الكاتب الأدبي لأن الرواية لم تكن لتخرج لنا بكل روعتها و تشابك شخصياتها و أحداثها لولا أسلوبه السردي المميز الذي لا يجعل القارئ يمل لحظة واحدة و لا يترك له فرصة ليلتقط أنفاسه ، فما من كلمة زائدة أو لا معنى لها ، كل شيء موضوع في مكانه كأنه حبات عقد من لؤلؤ صنع بيد صائغ ماهر و متقن لعمله .
كل شخصيات الرواية كان لها دور كبير في إنجاحها ابتداء من تاجر العبيد ( ود الزبير ) إلى وجود نابليون الثالث في الرواية ، مروراً بأبطال الرواية الحقيقيين أفراد الكتيبة السوداء وقائدهم والمترجم ، و اختياره للأسماء كان إبداعاً إضافياً في الرواية يستحق جائزة عليه ، إضافة إلى حديثه الفريد عن البلاط الامبراطوري وحال الدول الأوروبية في ذلك العصر و عرض حياتهم و الغوص في نفوسهم بطريقة غير معتادة لا تركز على المظاهر المترفة لهم بل على حالتهم النفسية التي يعيشونها و التي تثير الشفقة عليهم كما تشفق على الكتيبة السوداء.
كتيبة سوداء لمحمد المنسي قنديل رواية من منشورات دار الشروق في مصر عام 2015 لا تفوتوا متعة قراءتها والذهاب برحلة إلى القرن التاسع عشر لتروا فيها الحاضر الذي يكرره التاريخ أمامنا كل زمن.
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا