Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا اقرأ على الموقع الرسمي

المأمورية الثالثة وملف الصحراء تختبران خيارات موريتانيا حيال المغرب

هسبريس

عاد جدل المأمورية الثالثة ليطفو مجددا على المشهد السياسي الموريتاني، مع اقتراب دخول البلاد تدريجيا في مرحلة ما بعد الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني؛ الشيء الذي يضع مستقبل التداول على السلطة في صدارة النقاشات السياسية.

وبينما لم يتبنَّ الغزواني، بشكل معلن، خيار الترشح لولاية ثالثة، فإن استمرار تداول الفكرة على نطاق واسع يترجم حالة الترقب داخل الساحة السياسية، ويكشف في الوقت نفسه عن صعوبة تحديد ملامح المرحلة المقبلة، في ظل غياب شخصية تبدو حتى الآن قادرة على فرض نفسها كخليفة واضح داخل معسكر الأغلبية.

ولا ينفصل هذا الجدل عن تجربة موريتانيا مع انتقال السلط، ولا عن حساسية مسألة المأموريات في المنطقة، إذ إن مجرد إعادة طرحها يفتح نقاشا أوسع حول احترام القواعد الدستورية وتحصين مبدأ التداول السلمي على السلطة. كما أن الغموض المحيط بخريطة الخلافة السياسية يجعل أي حديث عن مستقبل النظام يتجاوز شخص الرئيس إلى طبيعة التوازنات التي ستتشكل بعد مغادرته القصر، ومدى قدرة الأغلبية الحالية على الحفاظ على تماسكها عندما تنتفي الحاجة إلى الالتفاف حول الرئيس الحالي.

وفي موازاة النقاش الداخلي، يبرز ملف العلاقات المغربية الموريتانية بوصفه أحد أبرز الملفات التي قد تحمل دلالات سياسية في المرحلة الأخيرة من ولاية الغزواني، خصوصا فيما يتعلق بموقف نواكشوط من قضية الصحراء المغربية. فقد حافظ الرئيس الموريتاني، خلال ولايتيه، على سياسة تقوم على الحياد الإيجابي، متجنبا الانخراط المباشر في الاصطفاف المغربي أو الجزائري، ومفضلا إبقاء نواكشوط على مسافة محسوبة من أطراف النزاع، على الرغم من التطور الحاصل في العلاقات الاقتصادية والأمنية والسياسية بين نواكشوط والرباط.

ومن هنا، تتزايد التساؤلات بشأن ما إذا كان الغزواني، قبل مغادرته السلطة، سيقدم على خطوة سياسية ذات دلالة سياسية تتمثل في إعلان موقف أكثر وضوحا تجاه مغربية الصحراء ودعم مقترح الحكم الذاتي الذي تقدمه الرباط باعتباره أساسا لتسوية النزاع. ولا يتعلق الأمر فقط بتغيير في الصياغة الدبلوماسية، وإنما بتحول محتمل في موقف نواكشوط من ملف شديد الحساسية إقليميا، من شأنه، في حال حدوثه، أن يمنح العلاقات المغربية الموريتانية زخما سياسيا إضافيا؛ لكنه في المقابل قد يفرض على موريتانيا إعادة ضبط معادلاتها الإقليمية الدقيقة.

وبين جدل المأمورية الثالثة وسؤال الموقف من الصحراء المغربية، تبدو المرحلة الأخيرة من ولاية الغزواني مفتوحة على استحقاقين يتجاوزان شخص الرئيس إلى شكل الإرث الذي سيتركه وراءه: هل يغادر السلطة وفق المسار الدستوري الذي دافع عنه، أم يسمح استمرار الجدل حول المأمورية الثالثة بإبقاء باب التأويل مفتوحا؟ وهل يختار، في نهاية ولايته، تثبيت سياسة الحياد الإيجابي تجاه قضية الصحراء أم يسعى إلى ترك بصمة دبلوماسية أكثر وضوحا تجاه المبادرة المغربية للحكم الذاتي؟ وهي أسئلة ستظل معلقة إلى أن تتضح ملامح الخلافة في نواكشوط وطبيعة الخيارات التي سيقرر الغزواني اعتمادها في الأشهر الأخيرة من حكمه.

الرهان المغربي

تفاعلا مع الموضوع، قال حسنا انداح الكيحل، أحد أعيان قبائل الجنوب، إن المرحلة السياسية التي تستعد موريتانيا لدخولها تفرض قراءة متأنية للتحولات الجارية داخليا وإقليميا، مبرزا أن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني يقترب من نهاية ولايته في سياق إقليمي ودولي يعرف زخما متزايدا بشأن قضية الصحراء؛ وهو ما يجعل موقع نواكشوط أمام هذا الملف مرشحا لمزيد من التطور، خصوصا أن سياسة الحياد الإيجابي التي اعتمدتها خلال السنوات الماضية تضعها، في نهاية المطاف، أمام مسؤولية البحث عن صيغة تسهم في إنهاء النزاع المفتعل وليس فقط إدارة تداعياته.

وأوضح الكيحل، ضمن تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن التحول الذي تعرفه القضية على المستوى الدولي، ولا سيما ما أفرزه القرار الأممي الأخير رقم 2797، يجعل من الصعب على موريتانيا الاستمرار في الاكتفاء بموقف يقوم على المسافة المتساوية بين الأطراف.

وأشار إلى أن القرار الأممي أضفى شرعية قانونية على مقترح الحكم الذاتي باعتباره أرضية جدية وواقعية لتسوية النزاع؛ وبالتالي فإن انخراط نواكشوط في الدينامية الأممية الجديدة يمكن أن يمر عبر دعم المسار الذي يقوده مجلس الأمن الدولي والبحث عن حل سياسي واقعي وقابل للتطبيق؛ وهو ما يتقاطع مع المبادرة المغربية للحكم الذاتي.

ونبه المتحدث ذاته إلى أن القرب الجغرافي والتشابك الاقتصادي والأمني والاجتماعي بين المغرب وموريتانيا يشكلان، بدورهما، عاملا ضاغطا باتجاه تعزيز التقارب بين البلدين، لافتا إلى أن التحولات التي تعرفها المنطقة تجعل من العلاقات المغربية الموريتانية حاجة استراتيجية مرتبطة بالأمن والاستقرار وحركة التجارة والربط الإقليمي.

واعتبر أن هذه المعطيات، إلى جانب الحضور المتزايد للمغرب في محيطه الإفريقي والدولي، قد تدفع نواكشوط إلى بلورة موقف أكثر وضوحا وانسجاما مع الدينامية الدولية الجديدة بشأن قضية الصحراء المغربية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة حدوث تحول مفاجئ أو خروجا عن الثوابت التي حكمت الدبلوماسية الموريتانية خلال السنوات الماضية.

“إن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني لم يُبدِ، إلى حدود الآن، اهتماما معلنا بهذا الطرح. كما لم يصرح برغبته في إضافة ولاية رئاسية ثالثة، وأن المطالب التي تصدر عن أحزاب وشخصيات سياسية وأطر وجمعيات مؤيدة لاستمراره تندرج، من حيث المبدأ، ضمن حرية التعبير السياسي، ولا يمكن لجمها في بلد يحتفظ بهامش معتبر من الممارسة الديمقراطية”، سجل الخبير ذاته الذي أبرز “أن عدم تبني الرئيس لهذا الطرح، وفي الوقت نفسه عدم دخوله في مواجهة مباشرة مع الأصوات الداعية إليه، يترك الباب مفتوحا أمام قراءات سياسية متعددة؛ لكنه لا يشكل، في حد ذاته، دليلا على وجود مشروع فعلي لتعديل قواعد المأموريات”.

وتابع قائلا: إن الأهم في هذا السياق هو البحث عن ملامح المرحلة التي ستلي الغزواني، خصوصا أن الرئيس، وفق قراءة المتحدث، قد يكون معنيا بضمان انتقال السلطة إلى شخصية تحظى بثقته وتحافظ على قدر من الاستمرارية في التوجهات العامة.

وأشار الكيحل إلى أن اسم محمد أحمد ولد محمد الأمين ولد لحويرثي، وزير الداخلية، يبرز ضمن الشخصيات القريبة من الرئيس، سواء من حيث الثقة أو التوجهات والانتظارات السياسية؛ وهو ما يجعل الحديث عن مرحلة ما بعد الغزواني مرتبطا أيضا بهوية الشخص الذي يمكن أن يختاره النظام أو تدعمه دوائر الأغلبية لخلافته، وليس فقط بمسألة بقاء الرئيس الحالي من عدمه.

وأجمل حسنا انداح الكيحل في القول إن موريتانيا تقف أمام مفترق طرق يجمع بين استحقاق داخلي يتمثل في ضمان انتقال سياسي، واستحقاق إقليمي يرتبط بموقعها من التحولات المتسارعة في قضية الصحراء، مشددا على أن مصلحة نواكشوط تقتضي الانخراط في المسار الأممي الداعي إلى حل واقعي وقابل للتنفيذ، وتعزيز شراكتها مع المغرب باعتباره جار استراتيجيا وبوابة أساسية نحو المجال الأطلسي والإفريقي، وموردا أن وضوح الموقف الموريتاني من مبادرة الحكم الذاتي، في حال تبلوره، سيشكل تعبيرا عن قراءة جديدة لموازين المنطقة وللدينامية الدولية التي باتت تجعل من التسوية السياسية الواقعية محورا مركزيا لإنهاء النزاع الذي عمر طويلا.

إرث الغزواني

من جهته، قال الشيخ أحمد أمين، صحافي موريتاني مهتم بالشأن المغاربي، إن الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني نجح، خلال سبع سنوات من الحكم، في إبقاء موريتانيا بعيدة عن الاستقطاب المغربي الجزائري؛ إذ حافظ على علاقات جيدة مع الرباط، وأبقى في الوقت نفسه على قنوات قوية مع الجزائر، متبنيا ما يمكن وصفه بـ”الحياد الإيجابي” تجاه النزاع.

وأوضح الشيخ أحمد، ضمن تصريح لهسبريس، أن المنطقة تغيرت، وكذلك تغير موقع المغرب فيها، مشيرا إلى أن المملكة حققت خلال السنوات الأخيرة تقدما دبلوماسيا في ملف الصحراء؛ بينما أصبحت الجزائر أكثر تشددا في مواجهة هذا المسار، وموردا أن موريتانيا تجد نفسها، بين القوتين، في موقع بالغ الحساسية، باعتبارها دولة جوار للصحراء، وبوابة للمغرب نحو غرب إفريقيا، وفي الوقت ذاته بلدا لا يستطيع تحمل كلفة الانخراط في مواجهة مفتوحة بين الرباط والجزائر.

وأكد مدير موقع “أنباء أنفو” الموريتاني أن هذه المعطيات تفرض سؤالا حول ما إذا كان ولد الشيخ الغزواني يستطيع مغادرة القصر الرمادي من دون أن يترك بصمته على هذا الملف، لافتا إلى أن الانتقال من الحياد إلى دعم أكثر وضوحا لمقترح الحكم الذاتي المغربي سيكون تحولا مهما؛ لكنه لا يعني بالضرورة أن موريتانيا ستصبح طرفا في النزاع.

واستحضر الخبير في العلاقات الثنائية بين البلدين أن نواكشوط، في حال اختارت هذا المسار، يمكن أن تقدم موقفها باعتباره دعما لحل سياسي واقعي، مع الاستمرار في الحفاظ على علاقاتها مع الجزائر، مؤكدا أن هذا السيناريو، إن تحقق، ستكون له قيمة كبيرة بالنسبة إلى المغرب، ومذكرا بأن موقفا موريتانيا أكثر وضوحا لن يغير وحده موازين النزاع؛ لكنه سيمنح الرباط دعما إقليميا إضافيا من دولة ذات موقع جغرافي وسياسي استثنائي.

ولفت الصحافي الموريتاني الانتباه إلى أن الجزائر والبوليساريو ستقرآن، على الأرجح، أي تحول من هذا النوع باعتباره تراجعا موريتانيا عن سياسة ظلت تمنح نواكشوط مساحة للمناورة بين الطرفين؛ غير أن المسألة، بالنسبة إلى موريتانيا، أكبر من حسابات الرباط والجزائر، لأنها تتعلق بالسؤال عن الموقع الذي تريد نواكشوط أن تحتله في مغرب عربي يتغير بسرعة، وفي منطقة غرب إفريقية تتزايد فيها أدوار المغرب الاقتصادية والأمنية والدبلوماسية.

واسترسل الشيخ أحمد في القول إن التحول المطلوب قد لا يكون انقلابا في السياسة الموريتانية، وإنما إعادة ضبط هادئة للحياد، من خلال الحفاظ على التواصل مع الجزائر، وتجنب الاصطفاف المباشر، مع الاقتراب تدريجيا من الموقف المغربي بشأن طبيعة الحل، مشيرا إلى أن نهاية عهد ولد الشيخ الغزواني تصبح، وفق هذا التصور، لحظة سياسية مهمة، فإذا كان ملف المأمورية الثالثة يختبر مستقبل السلطة في الداخل، فإن ملف الصحراء قد يختبر إرث موريتانيا الإقليمي في عهده.

وخلص المحلل السياسي إلى أن السؤال الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة قد لا يكون: هل ستكون هناك مأمورية ثالثة؟ بل: إذا لم تكن هناك مأمورية ثالثة، فهل يترك ولد الغزواني وراءه موريتانيا كما وجدها في ملف الصحراء، أم يتركها أقرب خطوة إلى المغرب؟ مشددا على أن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون أحد المفاتيح لفهم شكل موريتانيا في مرحلة ما بعد ولد الغزواني، وكذلك موقعها في التوازن المتغير بين الرباط والجزائر.

وختم الشيخ أحمد أمين حديثه لهسبريس بالتأكيد على أن مستقبل الموقف الموريتاني من قضية الصحراء سيظل مرتبطا، في جانب منه، بقدرة نواكشوط على الحفاظ على توازناتها الإقليمية، وبطبيعة الخيارات التي ستتبلور في مرحلة ما بعد الغزواني، دون أن يعني أي تقارب محتمل مع الموقف المغربي بالضرورة تخلي موريتانيا عن سياسة التواصل مع الجزائر أو تحولها إلى طرف مباشر في النزاع.

The post المأمورية الثالثة وملف الصحراء تختبران خيارات موريتانيا حيال المغرب appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

August 21st 2026, 5:45 am
اقرأ على الموقع الرسمي

0 comments
Write a comment
Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا