أربيل والقضية الكردية حين تنسحب المظلة وتبقى المسؤولية
ميدل ايست اونلاين
أربيل والقضية الكردية حين تنسحب المظلة وتبقى المسؤولية
ليس من السهل أن تكون أربيل، فعاصمة إقليم كردستان لا تعيش فقط تحت ثقل الجغرافيا العراقية وحسابات بغداد وأنقرة وطهران، وإنما تحمل جزءا من قضية شعب موزع بين أربع دول، ظل قرنا يبحث عن تحويل وجوده القومي الى حقيقة سياسية.
ولهذا فإن السؤال الذي يواجه أربيل اليوم لم يعد فقط: كيف تحمي الإقليم؟ بل: كيف تحافظ على مكانته وقوته وشرعيته في زمن تتغير فيه التحالفات وتنسحب بعض المظلات الخارجية؟
لقد حققت كردستان العراق إنجازا تاريخيا، فمن شعب حرم من أبسط حقوقه السياسية والقومية الى إقليم يمتلك مؤسسات وبرلمانا وحكومة وبيشمركة وعلاقات دولية واقتصادية واسعة، استطاعت أربيل أن تنقل القضية الكردية في العراق من المطالبة بالاعتراف إلى تجربة سياسية قائمة بذاتها.
لكن الإنجاز لا يقاس فقط بما تم بناؤه، وإنما بقدرة أصحابه على حمايته عندما تتغير الظروف، فالمظلات الخارجية، مهما كانت قوية، لا يمكن أن تكون بديلا دائما عن بناء داخلي متماسك.
وهنا تكتسب التطورات الأخيرة أهميتها، فإعادة ترتيب الوجود الأميركي وقوات التحالف في العراق تعني أن مرحلة من الترتيبات الأمنية تقترب من نهايتها. كما تكشف التطورات في سوريا أن القوى الكردية تدخل مرحلة ستكون فيها السياسة والدبلوماسية وبناء المؤسسات أكثر أهمية من الاعتماد على الحماية الخارجية.
وهذه هي الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى أربيل: المظلة الأميركية يمكن أن تنسحب، لكن الفراغ الذي تتركه لا ينبغي أن يتحول إلى فراغ سياسي كردي.
ليس المطلوب من أربيل أن تصبح حكومة لكل كرد المنطقة، ولا أن تدخل حروب الآخرين. المطلوب أن تستخدم وزنها السياسي والدبلوماسي وخبرتها لتؤكد أن حقوق الكرد ليست ورقة موسمية تستدعى عند الأزمات ثم تنسى عند بدء المفاوضات.
وتستطيع أربيل أن تكون مساحة للحوار والتقارب، ولا سيما في سوريا، من دون أن تتحول إلى وصي على القوى الكردية في البلدان الأخرى. وعلاقاتها مع تركيا وإيران ينبغي أن تقوم على الواقعية وتوازن المصالح، من دون التفريط بالمبدأ.
غير أن كل ذلك يبقى ناقصا إذا لم تبدأ أربيل من بيتها الداخلي، فقوة القضية الكردية لا يمكن أن تكون أكبر من قوة الإقليم السياسية والمؤسساتية. ولا يمكن لدبلوماسية فعالة أن تعوض انقساما كرديا مستداما، كما لا يمكن للبيشمركة وحدها أن تؤدي وظيفة الدولة الحديثة إذا بقيت الانقسامات الحزبية تلقي بظلالها على المؤسسات.
المرحلة المقبلة تحتاج الى ترسيخ مفهوم الدولة والمؤسسة والمصلحة العامة، بحيث يصبح الإقليم أقوى من الأحزاب والمؤسسات أقوى من الأشخاص.
وهنا تبرز قضية الفساد والمحسوبية، فالفساد لا يسرق المال العام فقط، بل يسرق الثقة أيضا. وحين يشعر المواطن بأن القانون لا يطبق على الجميع، وأن النفوذ يتحول الى امتياز، تبدأ الثقة بالتآكل. وهذا أخطر على أي تجربة سياسية من الضغط الخارجي.
لذلك فإن محاربة الفساد وإساءة استخدام السلطة ليست ترفا إداريا، وإنما جزء من الأمن السياسي للإقليم، فالمواطن الذي يشعر بالعدالة وسيادة القانون يكون أكثر استعدادا للدفاع عن تجربته، لأنه يرى أن الدفاع عن الإقليم هو دفاع عن مستقبله، وليس دفاعا عن حزب أو حكومة.
ولعل أربيل تحتاج اليوم الى إدراك أن أقوى مظلة ليست المظلة الأميركية ولا أي مظلة خارجية، وإنما مظلة الشعب نفسه، فالولايات المتحدة قد تغير أولوياتها، والتحالفات قد تتبدل، والدول قد تعيد حساباتها، لكن المواطن الذي يثق بتجربته ومؤسساته سيكون الحصن الأكثر ثباتا.
والوحدة الداخلية لا تعني توحيد الكرد في حزب واحد، وإنما الاتفاق على الحد الأدنى الذي يجب ألا يكون موضع خلاف: حماية الحقوق القومية، احترام التعددية، سيادة القانون، مكافحة الفساد، تقوية المؤسسات، ودعم الحلول السياسية.
لقد اعتاد الكرد طويلا على انتظار اللحظة التي يأتي فيها الآخرون لمساعدتهم، لكن المرحلة المقبلة مختلفة، مع إعادة القوى الكبرى حساباتها، وإعادة سوريا ترتيب بيتها، واستمرار تركيا وإيران في حساباتهما الخاصة، فيما يواصل العراق تحولاته السياسية والأمنية.
ولهذا ينبغي أن يتغير السؤال في أربيل من: من سيحمينا؟ إلى سؤال أكثر نضجا: كيف نجعل من قوتنا السياسية والمؤسساتية وثقة شعبنا سببا يجعل الآخرين يحسبون حسابنا حتى عندما لا تكون قواتهم على أرضنا؟ فأربيل لا تستطيع أن تكون عاصمة لكل الكرد، لكنها تستطيع أن تكون عاصمة سياسية لتجربة أثبتت أن الكرد قادرون على بناء ما عجزوا طويلا عن امتلاكه.
وهنا تبدأ مسؤوليتها التاريخية: حماية التجربة من الداخل وتحويل الثقة الشعبية الى قوة سياسية، والمؤسسات الى حصانة والنزاهة إلى قوة، والوحدة إلى قدرة على الاختلاف دون انقسام.
فأربيل لا تستطيع منع العالم من تغيير حساباته، لكنها تستطيع أن تجعل نفسها أكثر قدرة على التفاوض وأكثر صعوبة على العزلة، حين تجعل من قوة مؤسساتها ونظافة إدارتها وثقة شعبها بها أساسا لقوتها.
ولهذا فإن السؤال في المرحلة المقبلة لن يكون فقط: من سيقف إلى جانب أربيل؟ بل سيكون السؤال الأهم: هل تستطيع أربيل أن تقف على قدميها؟
إذا استطاعت، فلن تكون المظلة الخارجية قد اختفت تماما، لأن المظلة الأهم ستبقى: شعب يرى أن تجربته تستحق الحماية ومؤسسات يثق بها، وقضية يعرف أنها أكبر من حزب وأبقى من حكومة، فحين تنسحب المظلة، لا ينبغي أن تنسحب معها القضية؛ وحين تتغير الخرائط، لا ينبغي أن تضيع البوصلة؛ وحين تتراجع الحماية الخارجية، ينبغي أن تتقدم المسؤولية الداخلية لأن التجربة التي تريد أن تعيش طويلا لا يكفيها أن تكون محمية من الخارج، وإنما يجب أن تكون جديرة بالثقة من الداخل.
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا