Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا اقرأ على الموقع الرسمي

ترامب بين السيئ والأسوأ؟

ميدل ايست اونلاين

ترامب بين السيئ والأسوأ؟

الفكر الإيراني الحالي يركز بشكل أكبر على المبادرة والعمل الهجومي، وكلما طال الحصار الاقتصادي، أصبح دافع طهران أقوى لبدء الاحتكاك وخلق مصادر جديدة للنفوذ.

إذا كان أمام إيران الآن الاختيار بين التصعيد أو الاستسلام، فإن الخيار الأرجح الذي ستتجه إليه بالفعل هو التصعيد. ويبدو أن القراءة الإيرانية للمشهد الإقليمي والدولي وصولا لهذا القرار تستند إلى حزمة من الحسابات الدقيقة التي تجعلها ترى في اللحظة الراهنة فرصتها للضغط لرفع القيمة التفاوضية وفرض شروطها، ويعود هذا إلى تقاطع مجموعة من المعطيات الحاكمة.

وتكشف التقارير المنشورة في وسائل إعلام غربية وإيرانية، عن مناقشات تدور في طهران حول تبني "نهج هجومي"، أي العودة المتعمدة إلى التصعيد، وتستند هذه الرؤية إلى معطيات عدة، من بينها أنها، وإن كانت تريد نهاية للحرب، فإنها في الوقت نفسه ترفض الاستسلام لمطالب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ومصممة على الحفاظ على ما تعتبره إنجازاتها في الصراع.

تُدرك طهران أن اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس يضيق هامش المناورة أمام الإدارة الأميركية؛ إذ يخشى الحزب الجمهوري من انعكاس أي تصعيد عسكري مفتوح أو قفزة في أسواق النفط العالمية على حظوظه الانتخابية، وهو ما يحد من قدرة واشنطن على خوض مغامرات عسكرية طويلة الأجل.

كما يعتمد سلوك النظام الإيراني على قناعة بأن البيت الأبيض يستبعد سيناريو المواجهة الشاملة، ليس فقط بسبب تكلفتها المالية والبشرية الباهظة، بل وأيضا للضغوط المستمرة على المخزون الاستراتيجي الأميركي من الذخائر والمعدات الدفاعية نتيجة التوترات والنزاعات المتعددة.

أما أهداف النظام من هذا التصعيد فتتمحور حول عنصرين: الأول، وهو الموجه نحو دول الخليج وإشعال خطوط الملاحة الإقليمية لرفع التكلفة الاقتصادية والأمنية على الإدارة الأمريكية وحلفائها، مما يدفع واشنطن للبحث عن مخرج تفاوضي بدلا من إطالة أمد المواجهة.

والثاني، العودة إلى التفاوض وفق معادلة جديدة تفرضها طهران، وليس مجرد الاستسلام لرؤية واشنطن للبرنامج النووي والإقليمي، حيث تهدف طهران من الاستعراض العسكري والتهديدات إلى فرض أولوية استراتيجية معينة على طاولة المفاوضات، مثل رفع العقوبات والاعتراف بنفوذها الإقليمي، ودورها في إدارة مضيق هرمز.

بالتأكيد لن تقبل طهران إلى الأبد الوضع الراهن الذي يسمح للولايات المتحدة بجني فوائد "الضغط الأقصى" بتكلفة قليلة. يركز الفكر الإيراني الحالي بشكل أكبر على المبادرة والعمل الهجومي، وكلما طال الحصار الاقتصادي، أصبح دافع طهران أقوى لبدء الاحتكاك وخلق مصادر جديدة للنفوذ.

رغم منطقية الحسابات الإيرانية من حيث استغلال القيود السياسية والعسكرية الأميركية، إلا أن هذا الرهان ينطوي على مخاطر التقدير الخاطئ، فهناك خطر الانزلاق غير المقصود، فالتصعيد المكثف والمباشر قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية غير محسوبة تتجاوز الخطوط الحمراء لأي إدارة أميركية، بغض النظر عن الحسابات الانتخابية.

كما أن الارتكان على أن ترامب لم يعد لديه الأوراق الكافية لإجبار طهران على التفاوض وفقا لشروطه، قد يكلفها غاليا، فسياسة الرئيس الأميركي تتميز بتقلبات حادة من النقيض إلى النقيض، واستخدام الضغط الأقصى المباشر؛ مما يجعل الرهان على تقييد خياراته الكاملة أمرا محفوفا بالمخاطر وأيضا بالعديد من المفاجآت التكتيكية.

على عكس آمال ترامب، لا يوجد بالضرورة أرضية مستقرة لتحريك دفة السياسة الإقليمية في الشرق الأوسط. ولا يمكن لواشنطن أيضا أن تفترض أنها تستطيع الاستمرار في ممارسة أقصى ضغط، وتجنب التوصل إلى اتفاق، وفي الوقت نفسه لا تدفع ثمنا.

وفعليا لا توجد ضربة حاسمة وسريعة ضد إيران. الضغط الإضافي على حلفاء الظل مثل الصين لا يؤدي إلى نتائج حاسمة أو حتى مرضية، كما أن محاولة تشديد الحصار البري أو تطبيق مرحلة جديدة أخرى من العقوبات، ليست حلولا سحرية لإخضاع نظام طهران.

وأقصى ما يمكن تحقيقه، هو جعل الحياة صعبة للغاية على الإيرانيين، لكنهم أغلب الظن لن يتحركوا لإسقاط هذا النظام أو إجباره على الاستسلام. ليس هذا فحسب، فإن رد طهران الافتراضي سيكون على الأرجح محاولة رفع الثمن الذي يدفعه خصومها، إذ تعتقد أنها تستطيع نقل جزء من هذه التكاليف إلى الاقتصاد العالمي، من خلال تعطيل تدفقات الطاقة وتقويض الاستقرار الإقليمي، وعرقلة وتهديد حركة الملاحة من هرمز إلى باب المندب.

في المقابل، إذا كانت العقوبات والضغط الأميركي يلحق أضرارا كبيرة بالاقتصاد الإيراني، فهي الآن ليست الوحيدة التي تتألم منه، بل هذا الألم وصل إلى المواطن الأميركي. وعلى الرغم من أن ترامب قلل من شأن ارتفاع أسعار الوقود في الداخل بسبب أزمة هرمز، وأكد أنه "لن يعتذر أبدا" عن قراره باتخاذ إجراء عسكري ضد إيران، إلا أن الاستطلاعات تشير إلى عكس ذلك.

وأظهر استطلاع أجرته رويترز-إبسوس، أن 33 بالمئة فقط من الأميركيين عبروا عن رضاهم عن الأداء العام لترامب، مقارنة بـ 64 بالمئة غير راضين — وهو أحد أدنى النقاط في رئاسته الحالية. أما بالنسبة لتعامله مع إيران، فقد أيده 28 في المئة فقط، مقارنة بـ 34 في المئة في الشهر السابق. حتى الدعم داخل الحزب الجمهوري أيضا يتآكل؛ قال حوالي 61 بالمئة من الجمهوريين إنهم يدعمون تعامل ترامب مع الصراع الإيراني.

الغريب أن الإدارة الأميركية تبدو كأنها تجد صعوبة في فهم كيفية تفكير النظام الإيراني، وهي لديها قائمة طويلة من الأسئلة التي تبحث لها عن إجابات قد تؤدي إلى نهاية لهذا المأزق، منها: هل يمكن لهذا النظام أن يتنازل، أو يتراجع تكتيكيا، أو يقوم بتعديل سياسته الإقليمية؟

وفي ظل غياب الإجابات فمن المرجح أن يتصاعد الإحباط في واشنطن، وخاصة بالنسبة لترامب الذي يبدو أنه أصبح غير قادر بشكل متزايد على تجنب اتخاذ قرار بين الخيارين اللذين كانا يواجهانه لأشهر: تصعيد مكلف وغير متوقع، أو قبول مهين لشروط إيران.

والنتيجة الأبرز أن طهران تصعّد لأنها تعتقد أن ترامب مقيد سياسيًا وعسكريًا، لكن الرهان على هذه القيود قد يكون تحديدًا هو العامل الذي يدفع الرئيس الأميركي إلى تجاوزها.

وفي كل الأحوال، فالأشهر القادمة ستتحول إلى سباق مزدوج. من ناحية، سيحاول ترامب الحفاظ على الضغط الاقتصادي والعسكري على طهران والتوصل إلى اتفاق يمكنه تقديمه كإنجاز، من ناحية أخرى، يجب عليه منع الحرب من أن تصبح عبئا سيثقل مرشحي حزبه في انتخابات الكونغرس. فهو سيكون بين خيارين: السييء والأسوأ؟

August 21st 2026, 8:15 am
اقرأ على الموقع الرسمي

0 comments
Write a comment
Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا