Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا اقرأ على الموقع الرسمي

مستقبل العلاقات الخليجية - الإيرانية: من صراع النفوذ إلى إدارة التنافس؟

ميدل ايست اونلاين

مستقبل العلاقات الخليجية - الإيرانية: من صراع النفوذ إلى إدارة التنافس؟

دول الخليج، رغم اختلاف مواقفها من إيران، أصبحت أكثر اقتناعًا بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يقوم حصراً على الردع العسكري، بل يحتاج أيضًا إلى قنوات اتصال سياسية وأمنية دائمة.

تدخل العلاقات الخليجية - الإيرانية مرحلة جديدة شديدة التعقيد، لم يعد من الممكن تفسيرها بمنطق الصراع التقليدي بين ضفتين متقابلتين للخليج، فالجغرافيا تفرض على دول مجلس التعاون الخليجي وإيران نوعًا من الترابط الدائم، فيما تدفع المصالح الاقتصادية والأمنية الطرفين، في الوقت نفسه، إلى البحث عن آليات لتجنب المواجهة المباشرة، غير أن التطورات الإقليمية الراهنة جعلت هذا المسار أكثر صعوبة، ولا سيما مع تصاعد التوتر حول مضيق هرمز وتداخل الصراع الإيراني مع الحسابات الأميركية والإسرائيلية واليمنية.

وقد شكّل الاتفاق السعودي - الإيراني الذي رعته الصين عام 2023 نقطة تحول مهمة في فلسفة العلاقات بين الطرفين، فقد أظهر أن الخصومة الطويلة ليست قدرًا جيوسياسيًا ثابتًا، وأن الحوار يمكن أن يحل محل القطيعة عندما تتقاطع المصالح.

 كما أن دول الخليج، رغم اختلاف مواقفها من إيران، أصبحت أكثر اقتناعًا بأن أمن المنطقة لا يمكن أن يقوم حصراً على الردع العسكري، بل يحتاج أيضًا إلى قنوات اتصال سياسية وأمنية دائمة. وقد برزت سلطنة عُمان وقطر بصورة خاصة كمساحتين للدبلوماسية والوساطة في الملفات الإيرانية.

لكن مستقبل هذه العلاقات لن يكون خطيًا، فالتطورات الحالية تكشف هشاشة أي انفراج لا يستند إلى ترتيبات أمنية طويلة الأمد. إن أمن الملاحة في مضيق هرمز، وأمن المنشآت النفطية، والبرنامج النووي الإيراني، والصواريخ الباليستية، ودور القوى الإقليمية المرتبطة بطهران، وفي مقدمتها الحوثيون، ستبقى ملفات مركزية في تحديد طبيعة العلاقة بين إيران والخليج. وقد أظهرت الهجمات الأخيرة على الملاحة والمنشآت السعودية أن أي تصعيد بين إيران والولايات المتحدة يمكن أن يتحول سريعًا إلى أزمة خليجية مباشرة.

ومن هنا، يبدو أن دول الخليج ستسعى في المرحلة المقبلة إلى معادلة مزدوجة: الردع من جهة، والحوار من جهة أخرى، فهي لن تتخلى عن علاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، لكنها في الوقت نفسه لن ترغب في أن تتحول أراضيها إلى ساحة مواجهة أميركية - إيرانية. وهذا ما يفسر الاهتمام المتزايد بتنويع الشراكات الدولية، بما في ذلك الصين، التي لعبت دورًا في التقارب السعودي - الإيراني، وإن بقي نفوذها الأمني أقل بكثير من النفوذ الأميركي.

أما إيران، فستواجه معادلة أكثر صعوبة. فمن ناحية، يمثل الخليج مجالها الجغرافي والاستراتيجي المباشر، ومن ناحية أخرى تحتاج إلى علاقات اقتصادية وتجارية مع دول الخليج، ولا سيما الإمارات. ولذلك فإن استمرار سياسة الضغط والتهديد المتبادل قد يؤدي إلى نتيجة عكسية بالنسبة لطهران، تتمثل في دفع الدول الخليجية إلى بناء بدائل دائمة لمضيق هرمز وتقليل اعتمادها على الممرات التي تستطيع إيران التأثير فيها. وقد بدأت بالفعل مشاريع لتوسيع خطوط الأنابيب والموانئ والمسارات التجارية البديلة.

وهنا تكمن إحدى المفارقات الكبرى في المستقبل: كلما استخدمت إيران مضيق هرمز كورقة ضغط، زادت حوافز جيرانها لتقليل قيمته الاستراتيجية بالنسبة إلى اقتصاداتهم وبالتالي فإن الحفاظ على حرية الملاحة واستقرار المضيق قد يصبح مصلحة إيرانية بقدر ما هو مصلحة خليجية ودولية.

اقتصاديًا، يمكن أن يشكل الخليج مساحة مهمة لإعادة بناء العلاقات الإيرانية مع البيئة العربية، فالتجارة والاستثمار والطاقة والنقل والسياحة والموانئ يمكن أن تتحول من أدوات للتنافس إلى أدوات لبناء الاعتماد المتبادل، لكن ذلك يتطلب بيئة سياسية مستقرة، لأن المستثمر لا يستطيع أن يفصل الاقتصاد عن الأمن في منطقة يمكن أن تؤدي فيها أزمة عسكرية واحدة إلى إغلاق طرق التجارة أو ارتفاع كلفة التأمين والنقل بصورة هائلة.

ومن المتوقع كذلك أن يصبح الحوار الأمني الخليجي - الإيراني أكثر أهمية، فالمطلوب مستقبلاً ليس بالضرورة إنشاء تحالف شامل، وإنما بناء منظومة تدريجية لإدارة المخاطر: عدم استهداف المنشآت المدنية، حماية الملاحة، إنشاء قنوات اتصال عسكرية، معالجة أزمات اليمن والعراق وسوريا، وتطوير تفاهمات حول أمن الخليج. وهذا النموذج قد يكون أكثر واقعية من محاولة تحقيق مصالحة استراتيجية كاملة في وقت قصير.

ومع ذلك، فإن العامل الأكثر تأثيرًا سيبقى طبيعة العلاقة الأميركية - الإيرانية. فإذا نجحت واشنطن وطهران في الوصول إلى تفاهم مستدام حول الملف النووي والأمن الإقليمي، فإن مساحة الحركة أمام الخليج ستتوسع باتجاه التنمية والتكامل الاقتصادي. أما استمرار المواجهة المفتوحة، فسيدفع دول الخليج إلى تعزيز قدراتها الدفاعية، وتنويع طرق تصدير الطاقة، وتوسيع شبكة الشراكات الدولية.

وعليه، فإن مستقبل العلاقات الخليجية - الإيرانية لن يكون على الأرجح سلامًا كاملاً ولا حربًا شاملة، بل نموذجًا من "التنافس المنضبط". وستبقى الخلافات الجيوسياسية والمذهبية والأمنية قائمة، لكن المصالح المشتركة ستدفع الطرفين إلى البحث عن حدود تمنع تحول التنافس إلى مواجهة مدمرة.

إن السؤال الحقيقي في السنوات المقبلة لن يكون: هل ستنتهي الخلافات بين إيران ودول الخليج؟ بل: هل يستطيع الطرفان تحويل الخلاف من مصدر للحرب إلى موضوع للتفاوض؟ فإذا نجحا في ذلك، يمكن أن ينتقل الخليج من منطق توازن الخوف إلى منطق توازن المصالح. أما إذا فشل الحوار، فإن الجغرافيا نفسها التي تفرض التعاون قد تتحول إلى مصدر دائم للصراع، بما يهدد السلم والأمن الإقليمية.

September 10th 2026, 9:56 am
اقرأ على الموقع الرسمي

0 comments
Write a comment
Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا