Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا اقرأ على الموقع الرسمي

عندما تتحدث الجغرافيا بالصينية: كاتب مصريّ يحدّد ملامح آسيا الجديدة

ميدل ايست اونلاين

عندما تتحدث الجغرافيا بالصينية: كاتب مصريّ يحدّد ملامح آسيا الجديدة

الصحافي محمد إبراهيم الدسوقي يقدّم قراءة تحليلية معمقة لمبادرة 'الحزام والطريق' الصينية، بوصفها أداة لها تأثير حيوي في تشكيل ملامح القارة الآسيوية والنظام الدولي الجديد في القرن الحادي والعشرين.

القاهرة - أحدثت زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ للقاهرة في بداية شهر سبتمبر/ أيلول الجاري، حراكا ثقافيا وإعلاميا في مصر حيال ما يجري داخل العملاق الصيني. وقد يكون من المناسب إعادة قراءة الكتاب الذي ألفه الكاتب المصري، رئيس تحرير بوابة الأهرام، محمد إبراهيم الدسوقي، بعنوان "آسيا الجديدة"، في إشارة إلى ما يدور من تحولات في هذه القارة البعيدة، وانعكاساتها على العالم.

على مدى قرون طويلة، ظل الغرب يكتب التاريخ ويضع قواعد اللعبة الاقتصادية والسياسية للعالم، بينما كُتب على الشرق أن يكون مجرد ممتلكات وأسواق على هامش رقعة الشطرنج الدولية. لكن عجلة التاريخ لم تتوقف عن الدوران. اليوم تشهد الخريطة الدولية انزياحاً استراتيجياً غير مسبوق نحو الشرق، حيث تتحوّل القارة الآسيوية من منطق التعافي والتنمية إلى القيادة والمساهمة في صياغة المستقبل.

في كتابه المرجعي "آسيا الجديدة" الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب مؤخرا، يضعنا الصحافي المصري محمد إبراهيم الدسوقي أمام تفكيك دقيق لهذه الظاهرة التاريخية، والتي عرف الكثير من تفاصيلها، بحكم اقامته الطويلة في اليابان كمدير لمكتب جردية الأهرام في طوكيو، وجولاته في عدد من الدول الآسيوية، وفي مقدمتها الصين وكوريا الجنوبية وماليزيا. 

لا يكتفي كتاب الدسوقي برصد الأرقام ومعدلات النمو، بل يغوص في العمق الجيوسياسي ليرسم خريطة ما يعرف بـ"القرن الآسيوي"، مستعرضاً كيف تحوّلت القارة المترامية الأطراف إلى قاطرة أو محركة للنظام العالمي الجديد، وما يعنيه هذا التحول للمنطقة العربية في لحظة فارقة من إعادة تشكيل التوازنات الدولية.

في كتابه "آسيا الجديدة"، يقدّم الصحافي محمد إبراهيم الدسوقي قراءة تحليلية معمقة لمبادرة "الحزام والطريق" الصينية، بوصفها أداة لها تأثير حيوي في تشكيل ملامح القارة الآسيوية والنظام الدولي الجديد في القرن الحادي والعشرين.

يرى المؤلف أن "الحزام والطريق" تتجاوز مجرد ضخ استثمارات أو تشييد بنية تحتية (موانئ، طرق، وخطوط طاقة)، فهي رؤية سياسية وشبكة نفوذ عالمية ترمي إلى إعادة تصميم مسارات سلاسل الإمداد العالمية لتكون الصين نقطة مركزية فيها.

يحلل الكاتب كيف تسهم المبادرة في إيجاد بدائل للنظام الاقتصادي الغربي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانيةن من خلال ربط المبادرة بتكتلات ومؤسسات مالية جديدة، مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية ومجموعة بريكس، حيث تبني الصين نظاماً يمنح الدول النامية خيارات تمويل وتنمية بعيدة عن الشروط الغربية التقليدية. يُسهم ذلك في تحويل ميزان القوى الدولي تدريجياً نحو الشرق وتفتيت هيمنة القطب الواحد.

يرصد كتاب "آسيا الجديدة" كيف أحدثت مبادرة "الحزام والطريق" تغيرات في التوازنات الإقليمية الآسيوية، وكيف تسمح لبكين بتجاوز الممرات البحرية الحرجة (مثل مضيق ملقا) عن طريق ممرات برية وبحرية بديلة عبر وسط وجنوب آسيا.

أدّت المبادرة إلى تصاعد التنافس بين الصين والولايات المتحدة داخل آسيا، حيث تدفع بعض الدول الآسيوية للتقارب مع بكين، وتثير حذر قوى إقليمية مثل الهند، ما يجعلها تسعى نحو خلق توازنات مضادة. 

يعرج محمد إبراهيم الدسوقي إلى المنطقة العربية. ويبرز أهمية الموقع الجغرافي الذي تشغله كحلقة وصل رئيسية بين الممرات البحرية والبرية للمبادرة. يشير إلى التكامل بين رؤى التنمية العربية والمبادرة. مثل الربط بين مشروع المبادرة وتطوير محور قناة السويس في مصر لتكون مركزاً لوجستياً إقليمياً، ما يفتح آفاقاً لشراكات استراتيجية طويلة الأمد بين منطقة الشرق الأوسط وآسيا الصاعدة.

يؤكد المؤلف أن مبادرة "الحزام والطريق" أشبع بـ"عمود فقري" لظاهرة صعود آسيا. تمثل انتقالة حقيقية من مرحلة القوة الناعمة للصين إلى مرحلة القوة الهيكلية التي تعيد تشكيل خارطة الجغرافيا السياسية والاقتصادية للعالم برمتها.

يقدم محمد الدسوقي قراءة تحليليّة لكيفية تجاوز دول القارة إرث الاستعمار والتخلف الاقتصادي عبر الاستثمار المباشر في: التعليم، التكنولوجيا، بناء شبكات تصنيع محلية ضخمةن لافتا إلى أن دول عدة في آسيا لم تكتف بنقل التكنولوجيا الغربية، وقامت بتوطينها وتطويرها لتصبح محركا رئيسيا للنمو الاقتصادي في العالم.

يركز الكتاب على أن التقارب بين بكين وموسكو يتخطى التبادل التجاري، ويمثل حلفاً يهدف إلى مواجهة الهيمنة الغربية وإيجاد أطر أمنية واقتصادية تُسهم في إعادة صياغة موازين القوى في أوراسيا والعالم.

يتطرق الكتاب إلى أدوار دول مثل: الهند وكوريا الجنوبية ودول رابطة "آسيان"، وكيف نجحت في بناء نماذج تنموية مرنة، مستفيدة من التنافس الدولي لتعزيز مكاسبها الوطنية وتوليد تكتلات اقتصادية مثل "بريكس" و"منظمة شانغهاي للتعاون".

يوضّح المؤلف أن الدول العربية تقع في قلب التحولات، وتعزيز العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية مع الدول الآسيوية سوف يوفر لها فرصة لتنويع تحالفاتها والاستفادة من نقل التكنولوجيا وتطوير مشروعات البنية التحتية.

توضح المقتطفات التالية أسلوب المؤلف والأفكار المحورية التي يصوغها في فصوله. فحول انزياح القوة نحو الشرق، قال: "إن ما يشهده العالم اليوم ليس مجرد صعود اقتصادي لبعض الدول الآسيوية، بل هو عملية إعادة تشكيل شاملة للخارطة الجيوسياسية العالمية. القارة التي كانت بالأمس مسرحاً للتنافس الاستعماري والفقر أصبحت اليوم الموجه الرئيسي لحركة التجارة والتكنولوجيا والقرار السياسي الدولي".

وعن المنهجية التنموية في آسيا، قال: "لم يكن السر الآسيوي في وفرة الموارد الطبيعية بقدر ما كان في القدرة على تنظيم الطاقات البشرية، والاستثمار الصارم في التعليم والتصنيع، وتحويل التحديات الديموغرافية إلى طاقات إنتاجية هائلة غيرت مفهوم التنافسية الاقتصادية".

يتجاوز كتاب "آسيا الجديدة" للكاتب المصري محمد إبراهيم الدسوقي عملية السرد التقليدية لتجارب نهوض واعدة، ويصبح بمثابة جرس إنذار ودعوة لقراءة المستقبل بأدوات جديدة. إذ أثبتت التجربة الآسيوية أن امتلاك القرار يبدأ من توطين المعرفة، وتطوير البنية التحتية، وتحويل الكثافة السكانية من عبء إلى قوة إنتاجية ضاربة.

بات عالم القطب الواحد الذي هيمن خلال العقود الماضية يترنح لصالح نظام متعدد الأقطاب تتشكل ملامحه بين بيكين وطوكيو ونيودلهي وسيول. أمام هذا التحول، لم يعد أمام الدول العربية ترف الاكتفاء بمراقبة ما يجري في الشرق، لكن استيعاب الحكمة الآسيوية، والانخراط في شبكات من الشراكات الكاملة. فالتكتلات الاقتصادية الصاعدة تمثل ضرورة لحجز موقع متقدم في عالم  تشكّل آسيا مركزه الحيوي.

September 14th 2026, 10:00 am
اقرأ على الموقع الرسمي

0 comments
Write a comment
Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا