الاستنزاف المتبادل بين واشنطن وطهران
ميدل ايست اونلاين
الاستنزاف المتبادل بين واشنطن وطهران
تتجاوز المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران حدود الصراع العسكري والسياسي والاقتصادي بمفهومه التقليدي، لتتحول إلى حرب إرادات واستنزاف شاملة بمفهومها الحديث، تخوضها دولة تُمسك بكثير من مفاصل النظام الدولي أمام قوة إقليمية تتقن اللعب على التناقضات ولو أوصلتها إلى حافة الهاوية، ولديها يقين في أهمية توظيف عامل الوقت بشكل يمكنها تدريجيا من تسجيل جملة في النقاط.
بعد أكثر من ستة أشهر من المواجهات المتقطعة بين الجانبين، لا أحد يستطيع القطع بالنتيجة التي يمكن أن تسفر عنها حرب خاضتها الولايات المتحدة وإسرائيل، وهما تعتقدان أنها لن تستغرق سوى أيام قليلة. ي
خيم على الأجواء الراهنة غموض يصعب توقع مآلاته السياسية أو العسكرية. كما أن البعد الاقتصادي بات حاضرا بقوة عقب اتجاه واشنطن إلى الإسراف في استخدامه والتعويل على انعكاساته السلبية.
وصلت الحرب إلى منحنى يصعب الجزم فيه بالمسار الذي يمكن أن تتخذه، صعودا وهبوطا، اتساعا وضيقا، تفاهما وتباعدا. تسبب المدى الزمني المفتوح في حيرة لدى كثير من المراقبين، أصبحوا غير قادرين على تحديد الصيغة التي يمكن أن تصل إليها الحرب وتتوقف عندها. وصلت واشنطن وطهران إلى مرحلة غامضة من الاستنزاف.
كل طرف يضغط بالطريقة التي يراها مناسبة، مع حرص على أن لا يبدو ضعيفا أو راضخا لمطالب الطرف الآخر، ما ضاعف من صعوبة التحديات الإقليمية.
إيران التي تكبدت خسائر فادحة تمتلك أوراق قوة نوعية أحرجت بها الولايات المتحدة، ووضعت الرئيس دونالد ترامب في مأزق، إن عاد إلى الحرب بقوة أو أعلن عن انتهائها في غياب صورة حقيقية للنصر.
كلما سلك طريقا، عاجلته إيران بطريق مختلف يربك حساباته الداخلية والخارجية، حتى وصلنا إلى مرحلة يبدو التقدم فيها صعبا، والتراجع أشد صعوبة. ويجد الطرفان في تجميد الموقف خيارا مقبولا.
بدأت الولايات المتحدة تعتمد بوضوح على استراتيجية الحصار من الخارج عبر فرض عقوبات اقتصادية شديدة الوطأة، وحظر تجاري كفيل أن تؤدي تداعياته إلى متاعب على الشعب الإيراني، على أمل حثه على إظهار طاقة غضب ضد النظام الحاكم، وظهور ما يشبه العزلة الدبلوماسية التي تستهدف تجفيف جزء كبير من منابع الوفرة المالية، التي قللت سابقا من نتائج التصرفات الأمنية المتباينة.
بينما اليوم ترى واشنطن أن عناصر القوة المتكاملة، تتكاتف معا وسوف تجبر طهران على تقديم تنازلات، وهو ما لم تظهر معالمه حتى الآن، ربما لا تظهر قريبا، وفقا لتصريحات مسئولين كبار في إيران، أو يتم احتواء نتائجها وتطويق تداعياتها.
لم تتهاون طهران في تبني خطة منع حدوث التهديد من الداخل، حيث تستغل جغرافيتها الواسعة للإمساك بآليات حركة التجارة في مضيق هرمز، وتوجيه رسائل ردع تستهدف استقرار أسواق الطاقة وتأمين الملاحة الدولية. توصيل رسالة للعالم أن الحصار البحري الأميركي سيكون مكلفا على الجميع، ولن تتحمل إيران وحدها نتائجه البعيدة، وكأن لسان حالها يقول إن واشنطن هي من تضر بمصالح المجتمع الدولي وليس طهران. من أجل لفت الانتباه بعيدا عنها.
الواضح أن الخسائر ذات طبيعة متفاوتة بين الطرفين، حيث تدفع إيران فاتورة اقتصادية واجتماعية باهظة، تظهر تجلياتها في تراجع قيمة العملة المحلية، وتضخم الأسعار، وتضرر كثير من القطاعات الحيوية جراء العقوبات المتراكمة.
في حين تتكبد الولايات المتحدة خسائر أمنية وسياسية وصورة ذهنية ممتدة، تؤثر على وضعيتها كقوة كبرى في العالم. تتمثل في كلفة استمرار الانتشار العسكري، واستنزاف الهيبة الميدانية.
واشنطن لم تستطع بكل ما تملكه من عناصر للقوة الصلبة اسقاط النظام الإيراني أو حثه على القبول بكثير من مطالبها. ناهيك عن ملامح متعددة للاضطراب الدائم في السياسات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط.
تملك الولايات المتحدة التفوق التقني والعسكري الشامل، وشبكة تحالفات دولية تمنحها غطاءً دبلوماسيًا وقدرة على بناء ائتلافات لمواجهة النفوذ الإيراني. ولا تزال تحافظ على هذه العناصر، ولديها من الأدوات ما يساعدها على تفعيل الكثير من الأدوات الفعالة، بما يرهق إيران سياسيا وأمنيا واقتصاديا، ويجعل جهودها مشتتة على أكثر من مجال، بالتالي تفقد جانبا من تركيزها العسكري مع طول أمد الحرب وتشعبها.
قد تستطيع إيران تعويض جانب من الفوارق الكبيرة بينها وبين الولايات المتحدة من خلال روافدها أو روافعها الإقليمية الداعمة لها. هناك جهات فاعلة غير حكومية تعمل لحساب دعم التوجهات الإيرانية في لبنان واليمن والعراق، ما يمنحها قدرة على فتح جيوب متعددة في وقت واحد، بشكل يمكنها من تغيير قواعد اللعبة التي ترسمها واشنطن من دون الحاجة إلى الانخراط في مواجهة مباشرة.
ترتكز التوجهات الأميركية حاليا على ممارسة ضغوط قاسية على إيران من أجل وصولها إلى لحظة اختناق داخلي يجعل شبح إسقاط النظام ممكنا، أو على الأقل محاولة خلخلته من الداخل.
إذا فشل هذا الطريق تلجأ واشنطن إلى إجبارها على الاستسلام السياسي من خلال القبول بتقديم تنازلات في ملفات جوهرية. وإذن فشل تواصل حرب الاستنزاف، لأن المعركة تدور رحاها الرئيسيية على أرض إيران، وليس الولايات المتحدة، ما يشير إلى ارتفاع درجة التأثيرات القاتمة على طهران.
على الرغم مما قيل عن فقدان ورقة الوقت لأهميتها، إلا أن إيران تراها مجدية في الضغط على إدارة الرئيس دونالد ترامب، استنادًا إلى قدرة نظام الأولى ومجتمعها على التأقلم مع الأزمات، مقابل حقيقة أن الإدارات الأميركية المتعاقبة محكومة بدورات انتخابية، في مقدمتها انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر المقبل، وضغوط الرأي العام التي تكبل واشنطن من خوض حرب استنزاف مفتوحة إلى الأبد.
الحاصل أن هذه الحرب وما تمخض عنها من ارتدادات إقليمية ودولية، أكبر من مجرد سباق تسلح. هي مباراة شطرنج سياسية ومعقدة. كل خطوة فيها تُحسب بدقة متناهية، ولا تتوقف الحصيلة النهائية فيها على من وجه الضربة الأولى ومن امتص الصدمة سريعا، لكن على من يملك النفس الأطول والجرأة وإدارة المعارك الفرعية، ويمتلك درجة عالية من ضبط النفس وعدم الانزلاق نحو مواجهة شاملة تتجاوز حدود إيران. تبدو المنطقة على صفيح ساخن، تتناثر فيها الصراعات والنزاعات، وباتت قابلة لمزيد من الانفجارات.
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا