وَعْدُ الملْيُون
هسبريس
حين تكشفُ الأرقام حُدود الوُعود
حين نقرأ تقرير المندوبية السّامية للتّخطيط عن سوق الشغل خلال الربع الثاني من سنة 2026، تتكشف صورة أكثر تعقيداً مما توحي به الأرقام المجردة. فقد أعادت المندوبية تحديد مفاهيم الشغل والبطالة، فحصرت الشغل في النشاط الذي يحقق دخلاً أو ربحاً، وشدّدت شروط احتساب البطالة، ووسّعت التحليل ليشمل نقص مُدة العمل واليد العاملة المحتملة.
بهذا التصور، لا ينقسم سوق الشغل ببساطة إلى مشتغلين وعاطلين؛ فهناك أيضاً من يعمل أقل مما يرغب، ومن يريد العمل ويستطيع الالتحاق به من دون أن يستوفي شروط البطالة الصارمة. بلغ عدد المشتغلين مُقابلَ دخلٍ في الرّبع الثاني من 2026 نحو 10.6 ملايين شخص، وسجّل الاقتصاد زيادة فعلية في عدد مناصب الشغل مقارنة بالربع السابق. غير أن هذه الحركة تذكّر بأن خلق الوظائف لا يتم بقرار سياسي، وإنما يرتبط بقدرة القطاعات على التّوسع، وحجم الاستثمار، واستمرار الطّلب الاقتصادي. وتظل الخدمات أكبر مشغل، تليها الزراعة والصناعة والبناء، وهي القطاعات نفسها التي يُنتظر منها أن تحمل الجزء الأكبر من أيّ توسع مستقبلي في التشغيل.
حين يصبحُ المليون سُؤالاً لا جَواباً
لهذا لا يكفي أن يَعِد حزب سياسي بخلق مليون منصب شغل؛ فالسؤال يبدأ من معنى هذا الرقم نفسه: ما القطاعات التي ستنتج هذه الوظائف؟ وهل يتعلق الأمر بوظائف جديدة صافية، أم يشمل أيضاً تعويض الوظائف التي تختفي؟ وهل تدخل الأعمال الموسمية والمؤقتة ومحدودة الساعات في الحساب؟ من دون تعريف واضح، يبقى “المليون” رقماً مفتوحاً على أكثر من قراءة. وتزداد الصورة تعقيداً عندما ننتقل من البطالة إلى عدم الاستغلال الكامل لليد العاملة. فإلى جانب أكثر من مليون عاطل وفق التعريف الصارم، توجد فئات واسعة تعاني نقص ساعات العمل أو تقف على هامش سوق الشغل رغم استعدادها للانضمام إليه. لذلك لا يكفي معدل البطالة وحده لقياس الضغط الحقيقي على السوق. ويظهر هذا الضغط بصورة أوضح لدى الشباب والنساء. فالشباب يواجهون صعوبة مضاعفة في الانتقال من الدراسة إلى العمل، بينما تظل مشاركة النساء في سوق الشغل ضعيفة بشكل لافت. ولهذا فإن وعداً بمليون وظيفة يفقد جزءاً كبيراً من معناه إذا لم يحدد نصيب هاتين الفئتين من الوظائف الجديدة.
لا يحتاجُ الشباب إلى مجرد توسيع عدد الفرص المتاحة، بقدر ما يحتاجون إلى مسار واضح يصل بين التعليم وسوق العمل، وإلى مؤسسات قادرة على استيعاب الوافدين الجدد، ووظائف تتيح لهم انطلاقة مهنية مستقرة وآفاقًا حقيقية للتطور. وبالمثل، لا يكفي أن تحضر النساء في الخطاب المتعلق بالتشغيل، ينبغي أن يترجم هذا الحضور إلى سياسات فعلية توسّع نطاق مشاركتهن، وتيسّر وُلُوجهُّن إلى سوق العمل، وتحدّ من العوائق التي تعترض مسارهن المهني. ومن ثم، فإن نجاح سياسات التشغيل لا يُقاس بعدد الوظائف المحدثة وإنما يقاسُ بمدى قدرتها على إدماج الفئات التي ظلت خارج سوق العمل أو على هامشه. أما حاملو الشهادات، فتُظهر أوضاعهم مفارقة أخرى: فالتعليم يرفع قابلية الأفراد للمشاركة في سوق الشغل، لكنه لا يضمن وحده وجود وظائف تستوعب الكفاءات المتاحة. كما تضيف الفوارق الجهوية بعداً آخر إلى المسألة. ففرص المشاركة والتشغيل تختلف بشكل واضح من جهة إلى أخرى، وهو ما يجعل الحديث عن مليون وظيفة على المستوى الوطني ناقصاً إذا لم يصاحبه توزيع جهوي واضح يحدّد أين ستُخلق هذه الوظائف وأي المجالات ستستفيد منها.
بين خلق الوظائف وحسابها
يفرض تقرير 2026 احتياطاً إضافياً عند تقييم الوعود السياسية؛ فقد غيَّرت المندوبية السامية للتخطيط منهجية المسح وبعض مفاهيمه، ووسّعت حجم العيّنة واعتمدت قاعدة معاينة مُحدثة. كما أكدت أن النتائج الجديدة لا تسمح بالمقارنة المباشرة مع نتائج المسح السابق. وهنا يبرز السؤال الحاسم أمام أيِّ وعْد بمليون منصب شغل: من أيّ نقطة يبدأ العَدّ؟ يجب تحديد سنة الأساس، وعدد المشتغلين عند الانطلاق، ثمّ احتساب الوظائف الجديدة الصّافية بعد خصْم الوظائف التي اختفَت. كما ينبغي توضيح التعريف الإحصائي المعتمد للوظيفة. فمن دون خطّ أساس واضح، يسهل إعلان الرقم ويصعب التحقق منه.
ولا يكتمل التقييم من دون النظر إلى جودة الوظائف. فقد يرتفع عدد المشتغلين، بينما تظل نسبة من الوظائف قصيرة الأجل أو محدودة الساعات أو ضعيفة الإنتاجية. لذلك لا ينبغي أن يقتصر القياسُ على عدد المناصب، يجبُ في المقابل أن يشملَ استقرار الدَّخل، ومُدة العمل، واستمرارية الوظيفة، وقُدرتها على إخراج الفَرد من الهشاشة إلى الاستقلال الاقْتصادي.
من جاذبية الرّقم إلى صَرامة القِياس
تكمن قيمة تقرير المندوبية السامية للتخطيط في أنه ينقلُ النقاش من السؤال السّهل: “كم وظيفة ستخلقُون؟” إلى أسئلة أكثر صرامة: ما طبيعة هذه الوظائف؟ وفي أي قطاعات وجهات ستنشأ؟ ومن سيستفيدُ منها؟ وما حصّة الشّباب والنّساء وحاملي الشّهادات؟ وكمْ منها سيكون دائماً؟ وكم وظيفة ستختفي خلال الفترة نفسها؟ عندئذ فقط يصبح وعد “مليون منصب شغل” قابلاً للمُحاسبة.
فهو يحتاجُ إلى جدول زمني، وتوزيع قطاعي وجهوي، وأهداف واضحة للفئات الأكثر هشاشة، وتعريف دقيق للوظيفة المحتسبة، ومؤشر يقيس الوظائف الصّافية بعد خصم المناصب المفقودة؛ كما يحتاجُ إلى حصيلة دوْرية تسمح بمقارنة النتائج بالالتزام الأصْلي.
من هنا، لا تتحوّل الأرقام الكبرى إلى سياسات عامة بمجرد تكرارها، كما لا يستمدّ مليون منصب شغل قيمته من عدد أصفاره، وإنما من قدرة الاقتصاد على خلق مليون مَسار مهني حقيقي ومُستدام؛ عندها يُغادر الرّقم فضاء الشّعار الانتخابي ويدخلُ مجالَ المحَاسبة والنّتائج؛ وعندها أيضا وأخيرا… تخْتفي قوّة الشّعار، وتبدأ قوّةُ البُرهَان.
لنتأمّلْ؛ وإلى حديث آخر.
The post وَعْدُ الملْيُون appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي

تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا