Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا اقرأ على الموقع الرسمي

'زراعة النفط' بين خيبات كاراكاس وطموحات الرياض

ميدل ايست اونلاين

'زراعة النفط' بين خيبات كاراكاس وطموحات الرياض

تحت مظلة 'رؤية 2030' التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لم يعد النفط هو الغاية، بل الجسر؛ لم يعد المورد الذي تعيش عليه الدولة، بل رأس المال الذي يُستثمر لتأسيس اقتصاد ما بعد النفط.

حين صاغ المفكر الفنزويلي أرتورو أوسلار بيتري في ثلاثينيات القرن الفائت عبارته الشهيرة "زراعة النفط"، لم يكن يقدّم استعارة لغوية باذخة، بل كان يضع مبضع الجراح على العصب العاري لاقتصاد بلاده. كانت الفكرة بسيطة ومخيفة في آن: النفط ثروة عابرة وزائلة، وإن لم تُحقن عائداته في تربة الإنتاج المحلي، زراعةً وصناعةً وبنيةً تحتية، فإنها ستتحول إلى لعنة تطحن العباد وتُبيد البلاد.

اليوم، يقف المشهد الدولي أمام تجربتين متناقضتين في التعاطي مع هذه النبوءة: فنزويلا التي تاهت في غيابات "الجمهورية الخامسة"، والمملكة العربية السعودية التي تخوض غمار تحول تاريخي جذري عبر "رؤية 2030" بقيادة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان.

إن المتأمل في الجرح الفنزويلي، كما يعرضه بودكاست للمترجمة السورية أمل فارس في حلقة خاصة على يوتيوب عن زراعة النفط في فنزويلا، يدرك أن الأزمة لم تكن يوماً أزمة "قلة مال"، بل أزمة "وفرة مفرطة" نُثرت في هواء الشعبوية بدلاً من أن تُزرع في الأرض. أورث الاستعمار الإسباني فنزويلا، منذ استقلالها عام 1811، هياكل سلطوية هرمية وفجوات طبقية حادة. ومع تدفق الذهب الأسود، ترسخ "الاقتصاد الريعي" كأسلوب حياة ودولة.

أدى تدفق الدولارات النفطية السهلة إلى مرض اقتصادي مزمن؛ انخفضت قيمة العملة الصعبة محلياً، فأصبح الاستيراد أرخص من التصنيع، وتآكلت القدرة التنافسية لكل القطاعات غير النفطية. تحولت فنزويلا إلى اقتصاد أحادي الاتجاه: يبيع النفط الخام، ويستورد كل شيء، حتى طعامه.

ومع وصول هوغو تشافيز إلى السلطة وتدشين "الجمهورية الخامسة"، ثم امتداد عهده مع نيكولاس مادورو، تعمقت المعضلة تحت لافتة "المسار الاشتراكي". في عام 2007، عُدّل الدستور ليتيح تأميم قطاع النفط بالكامل لصالح الدولة. وبدلاً من استثمار هذه العائدات في بناء قاعدة إنتاجية، انتهجت السلطة سياسات توزيع اعتباطية وشعبوية للدخل الريعي عبر منح وامتيازات مؤقتة، فتعمقت الطبقية وتلاشت الكفاءة الاقتصادية.

وحين فرضت الولايات المتحدة عقوباتها القاسية عام 2019، مستهدفةً شركة النفط الوطنية (PDVSA)، لم تكن العقوبات هي الصاعق الذي فجّر الأزمة، بل كانت مجرد الريح التي كشفت عورة بيت قشيّ، فالصناعة كانت قد ماتت سريرياً بفعل تسييس الوظائف، وسوء الإدارة، وهجرة العقول.

سقطت فنزويلا في الفخ الذي حذر منه بيتري: دولة مرهونة للريع، ديون فلكية، وملايين اللاجئين يبحثون عن أمل خارج حدود الوطن.

وعلى الطرف الآخر من العالم، بدت المملكة العربية السعودية وكأنها تقرأ كتاب التاريخ الفنزويلي بتمعن لتقلب صفحاته نحو أفق مغاير تماماً. تحت مظلة "رؤية 2030" التي أطلقها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، لم يعد النفط هو الغاية، بل الجسر؛ لم يعد المورد الذي تعيش عليه الدولة، بل رأس المال الذي يُستثمر لتأسيس اقتصاد ما بعد النفط.

هنا، تتجلى "زراعة النفط" بمفهومها المستدام. عبر صندوق الاستثمارات العامة، تحولت عوائد النفط إلى مشاريع عملاقة في مجالات الطاقة المتجددة، التكنولوجيا، السياحة، والتصنيع العسكري. لم تعد الرياض تنتظر نضوب الآبار، بل بادرت بتعطيل مفعول "المرض الفنزويلي" عبر تنمية الإيرادات غير النفطية التي حققت قفزات تاريخية، مما منح الميزانية العامة مرونة فائقة أمام تقلبات الأسعار العالمية.

ولا يعني هذا أن طريق الصحراء السعودية مفروش بالورود، فالمملكة تواجه تحديات حقيقية تتمثل في إعادة هيكلة البنية الاجتماعية والوظيفية، وتأهيل الكوادر الوطنية لتواكب متطلبات القطاع الخاص المستحدث، فضلاً عن مجابهة التوترات الجيوسياسية الإقليمية.

 إلا أن الفارق الجوهري بين التجربتين يكمن في "الرؤية والاتساق". ويمكن تحديد الفوارق بين التجربتين من خلال عدة أوجه للمقارنة، ففي فلسفة العوائد نجد في التجربة الفنزويلية استهلاكاً ريعياً، وسياسات توزيع شعبوية، وتدمير الإنتاج المحلي. أما في التجربة السعودية (رؤية 2030)، فنجد استثماراً هيكلياً، وتنويعاً لمصادر الدخل، وتحفيزاً للقطاع الخاص.

وفي وجه إدارة القطاع نجد لدى فنزويلا تسييساً لشركة النفط (PDVSA) وطرد الكفاءات. أما رؤية السعودية، فحوكمة صارمة، وطرح جزء من أرامكو لتمويل صندوق سيادي للاستثمار.

والنتيجة الحالية تبعاً لهذه السياسات نجد أنها قد تسببت لفنزويلا بانهيار اقتصادي، وعزلة دولية، وتبخر للثروة الوطنية. أما السعودية، فنمو متسارع في القطاعات غير النفطية وصدارة في مؤشرات التنافسية.

قال الأول "وبضدها تتبين الأشياء" أو "والحسن يظهر حسنه الضدا"، وعليه فإن المقارنة بين كاراكاس والرياض هي مقارنة بين الرهان على السراب، والرهان على الأرض. فنزويلا، ومثلها دول العالم الثالث النفطية، حصدت العاصفة لأنها اعتبرت النفط حنطة تؤكل يومياً، بينما السعودية تسابق الزمن لأنها أدركت، وفق رؤية 2030، أن النفط بذرة يجب أن تُزرع في وعي الإنسان، وبنية المؤسسات، ومتانة الاقتصاد لتثمر قمحاً مستداماً لا تجف سنابله.

September 10th 2026, 9:56 am
اقرأ على الموقع الرسمي

0 comments
Write a comment
Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا