أصالة ليست وحدها.. صوت السياسية والحقوقية أيضا عورة في سوريا
ميدل ايست اونلاين
أصالة ليست وحدها.. صوت السياسية والحقوقية أيضا عورة في سوريا
يتحدى الشيخ الذهبي رجل الدين المصري صاحب حملة النقاب الشرعي، الفنانة أصالة بمنع حفلها القادم في سوريا باعتباره من "مظاهر اللهو الماجن" ومن الواجب الشرعي "إلغاء حفلات المعاصي"، ويسانده ثلة من رجال الدين يرفعون شعار "سوء حال البلاد من أحوال النساء"، لتطال الناشطات والحقوقيات اللواتي كان نصيبهن من حملة الشتائم والتشهير تفوق أصالة لجرأتهن على اقتحام السياسة ونقد "ولي الأمر".
ليس مصادفة أن يحتل لباس المرأة وصوتها وصورتها والاختلاط والمنكرات النقاش العام في بلد باتت تتصدر فيه المحرمات الدينية باعتبارها السبب الرئيسي في سوء الأوضاع والتدهور المعيشي والاقتصادي وغلاء الأسعار وهجمات أعداء الداخل والخارج، وترتفع أصوات للمطالبة بتشكيل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للتخلص من المعاصي وإنقاذ البلاد.
تغليف المرأة وإسكاتها وصفة سهلة جاهزة تناسب المزاج العام والمد المتشدد الذي يخشى صورتها وصوتها ولباسها. فالوصاية الدينية ليست حدثا عابرا، بل نهجا قديما يتجدد مع التحولات السياسية وملائمتها للموروث الشعبي لفئة محددة تحاول إبقاء المرأة تحت ستار أسود من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها، غير قابلة للخروج عن هذه الصورة التي تلائم رجل الدين ورجل السياسة وتمنحه السلاح الشرعي لإسكاتها، وورائه فيلق من المهاجمين الذين يردون على الفكرة والرأي بشتيمة ومحاكمة الأخلاق والسلوك وصناعة رواية تشوه صورتها، تحت شعار "حماية الفضيلة".
ينسف "حراس الفضيلة" أربعة عشر عاما من الحرب السورية دفعت خلالها المرأة أثمانا تفوق ما دفعه "المجاهدين" الذين نالوا غنيمة الحرب من خيرات البلاد وكراسيها وصناديقها، بينما بقيت النساء تعيل الأسر وتكابد مشقة الحياة اليومية، باعتراف المؤسسات المحلية والمنظمات الدولية، ففي مسح ديمغرافي أجراه المكتب المركزي للإحصاء بالتعاون مع منظمات دولية، خلص الى وجود 518 ألف امرأة فقدت زوجها خلال الحرب، وأصبحن معيلات لأسرهن.
ويشير تقرير دولي صادر عن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين إلى أن أكثر من 145 ألف أسرة سورية لاجئة في لبنان والأردن والعراق ومصر، ومثلها عشرات الآلاف في تركيا، تعيلها نساء يكافحن بمفردهن من أجل البقاء على قيد الحياة، يشكل مجموعها نحو 22% من مجمل عدد العائلات السورية.
وبحسب تقارير البنك الدولي، خلفت الحرب عائلات تعيلها نساء أرامل يحملن أعباء ومسؤوليات كبيرة تجاوزت قدرتهن على التحمل، واليوم يواجهن شتى أنواع المشقة والعزلة والقلق، بعدما أُرغمن على تحمل مسؤولية أسرهن بمفردهن منذ وقت مبكر.
وكانت السجون والمعتقلات شاهدا على حضورهن السياسي، إذ تجاوز عدد المعتقلات في سجون الأسد خلال الأعوام 2011 ــ 2024 تجاوز 10221 امرأة وعدد النساء اللواتي قتلن تجاوز 12977، وذكرت الأمم المتحدة أن عدد النساء السوريات في المخيمات داخل سورية وخارجها تجاوز المليون، و56837 منهن يقمن في مخيمات الشمال السوري، وأن المئات من النساء المغيبات قسرًا ما زال مصيرهن مجهولًا حتى الآن، بحسب تقارير الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
لكن كل ذلك لا يشفع للنساء رفع أصواتهن للاختلاف بالرأي والمشاركة بالنقاش السياسي بعكس الاتجاه السائد.
وتبقى هذه الأرقام والإحصائيات غائبة وصامتة لا تسمع إلا إذا كانت الغاية منها مكسب سياسي أو شعبوي، لإطلاق النفير العام أو الفزعة أو ركوب ترند، وتختفي تماما إذا ما تجرأت إحدى هاته النساء أنفسهن على رفع الصوت والتضامن مع مكون سوري تجري شيطنته.
أما المطالبة بالدولة المدنية فتلك "المعصية الكبرى" التي تفتح أبواب الحرب على مصراعيها في وجوههن.
فداء الحوراني رئيسة للمجلس الوطني لإعلان دمشق وابنة أكرم الحوراني، أحد أهم وجوه السياسة السورية بعد الاستقلال ومؤسس الحزب العربي الاشتراكي، والمتهم اليوم بجريمة "اللاطائفية".
ورولا الركبي الناشطة السياسية النسوية التي رفعت الصوت عاليا للحديث عن أوضاع النساء في سوريا في مجلس الأمن.
وفرح يوسف الصحفية والناشطة السياسية والنسوية الجريئة ابنة مدينة حلب المعروفة بمناهضتها لنظام بشار الأسد.
أسماء تجرأن على ارتكاب السياسة وخضن في النقد وخرجن عن التيار السائد وعن النص المكتوب للسوريين على مدار سنوات طويلة، لكن الحملة الأشرس هي التي يواجهنها اليوم من حراس الفضيلة والسياسة وولي الأمر، وحتى هذه الحملة تخرج أصوات ذكورية وللمفارقة مثقفة ونخبوية لتبريرها وإدانة المرأة التي تجرأت على رفع الصوت.
لم يناقش أحد أفكارهن ولا مواقفهن ولا أراءهن ولا نقاط الاختلاف معهن، في غمرة حملة الشتائم والهجوم والتشويه الشخصي والجندري.
يجري استهداف هؤلاء النساء لأنهن اخترن أن يتحدثن في الشأن العام وأن يمارسن حقهن في النقد والمشاركة، باعتبارهن الهدف الاسهل والأكثر ضعفا، والوجهة المثالية لتحويل الازمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية بعيدا عن المسؤولين الأساسيين: كل امرأة ترفع صوتها تُتهم، وكل امرأة تنتقد تُشوَّه، وكل امرأة تدخل السياسة تُحاصر، وكل امرأة ترفض الوصاية تهدد قيم المجتمع.
وبحجة حماية الدين أو الأخلاق، تصبح الوصاية على النساء واجب شرعي وسياسي.
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا