العطر يفوح من الذكاء الاصطناعي
ميدل ايست اونلاين
العطر يفوح من الذكاء الاصطناعي
روما ـ تشهد صناعة العطور تحولًا متسارعًا تقوده التقنيات الحديثة، مع اتجاه متزايد نحو تطوير مكونات عطرية قادرة على محاكاة روائح أزهار نادرة أو مهددة بالانقراض، بل وحتى إعادة إنتاج روائح مرتبطة بأنواع لم تعد متاحة في الطبيعة.
ويأتي هذا التطور في وقت تسعى فيه الشركات إلى تحقيق التوازن بين الابتكار والحفاظ على الموارد الطبيعية، وتقليل الاعتماد المباشر على الزهور في إنتاج التركيبات العطرية.
وخلال السنوات الأخيرة، دخلت تقنيات مثل الكيمياء الخضراء والتكنولوجيا الحيوية والذكاء الاصطناعي إلى مراحل متقدمة من صناعة العطور، ما أتاح للمتخصصين تحليل الروائح الطبيعية وتحديد المركبات المسؤولة عن خصائصها، قبل إعادة تركيبها في المختبر باستخدام بدائل صناعية أو حيوية.
وتمتد أهمية هذه التقنيات إلى تطوير نفحات جديدة يمكن التحكم في خصائصها وثباتها وطريقة تفاعلها مع البشرة.
وتعمل مختبرات متخصصة على إنتاج بدائل لرائحة عدد من الأزهار المعروفة، من بينها الورد والياسمين وزنبق الوادي والميموزا، عبر دراسة المكونات الكيميائية التي تمنح كل زهرة شخصيتها العطرية.
ويتيح هذا النهج استخلاص ما يمكن وصفه بـ'البصمة العطرية' للنبات، ثم إعادة بنائها من خلال تركيبات مصممة بعناية، من دون الحاجة إلى استخدام كميات كبيرة من الزهور الطبيعية.
ويكتسب هذا الاتجاه أهمية خاصة بالنسبة إلى الأزهار النادرة أو التي يصعب الحصول عليها على مدار العام، إذ يمكن للتكنولوجيا توفير بدائل مستقرة لا تتأثر بدرجة كبيرة بالتغيرات المناخية أو الموسمية.
وتمنح عملية الإنتاج في المختبر صانعي العطور قدرة أكبر على ضبط جودة المكونات والحصول على رائحة متقاربة من دفعة إنتاج إلى أخرى، وهو تحدٍ يواجه صناعة تعتمد تقليديًا على المواد الخام الطبيعية.
ومن التقنيات التي بدأت تلعب دورا متزايدا في هذا المجال التكنولوجيا الحيوية، التي تتيح استخدام الكائنات الدقيقة أو العمليات الحيوية لإنتاج جزيئات عطرية موجودة أصلًا في الطبيعة.
ويُنظر إلى هذه الطريقة باعتبارها أحد المسارات الواعدة لتوفير مكونات عطرية عالية الجودة مع خفض الضغط على بعض النباتات التي يتطلب الحصول على زيوتها أو مستخلصاتها كميات كبيرة من المحاصيل.
أما الكيمياء الخضراء، فتسعى إلى تطوير عمليات تصنيع أكثر كفاءة وأقل تأثيرًا في البيئة، من خلال تقليل النفايات واستخدام مواد وعمليات إنتاج أكثر استدامة.
وفي قطاع العطور، يرتبط ذلك بمحاولات تطوير جزيئات جديدة وبدائل للمكونات الطبيعية، مع الحفاظ على الخصائص الحسية التي يبحث عنها المستهلكون.
وفي الوقت نفسه، بدأ الذكاء الاصطناعي يدخل في مرحلة تصميم الروائح وتحليل مكوناتها، إذ يمكن استخدامه لمعالجة كميات ضخمة من البيانات المتعلقة بالمركبات العطرية وتوقع التوليفات التي قد تنتج روائح محددة.
وقد يختصر ذلك جزءا من الوقت الذي يحتاج إليه خبراء العطور في تجريب التركيبات، كما يفتح المجال أمام تطوير روائح جديدة يصعب الوصول إليها بالأساليب التقليدية وحدها.
ولا تتوقف الابتكارات عند محاكاة الروائح، إذ تسعى الصناعة كذلك إلى تطوير تركيبات تتمتع بدرجة عالية من الثبات.
وتشير بعض المنتجات والتقنيات الجديدة إلى إمكانية استمرار بعض النفحات العطرية لفترات طويلة قد تصل إلى 40 ساعة، وفق طبيعة التركيبة وطريقة استخدامها والمواد الداخلة فيها.
ويشكل الثبات أحد أبرز عناصر المنافسة في سوق العطور، إلى جانب جودة الرائحة وملاءمتها لتفضيلات المستهلك.
وتأتي هذه التحولات في سوق عالمي ضخم، إذ بلغت قيمة سوق العطور نحو 60 مليار دولار خلال عام 2025، فيما استحوذت أوروبا على نحو 35.4 بالمئة من السوق، وفق الأرقام الواردة في المعطيات المتعلقة بالقطاع.
ويعكس حجم السوق تصاعد الطلب على المنتجات العطرية، بالتوازي مع توسع العلامات التجارية في تقديم تركيبات مبتكرة تلبي توجهات المستهلكين نحو الجودة والاستدامة.
وتدفع الاعتبارات البيئية أيضا الشركات إلى البحث عن بدائل تقلل الضغط على الموارد الطبيعية. فإنتاج بعض الزيوت والمستخلصات العطرية يتطلب كميات كبيرة من النباتات، كما أن تغير المناخ وتراجع التنوع البيولوجي قد يؤثران في توافر بعض الأنواع وجودة محاصيلها.
ومن هنا، توفر المكونات المنتجة باستخدام التكنولوجيا خيارًا يمكن أن يساهم في حماية بعض الموارد النباتية، مع الحفاظ على الطابع العطري المطلوب.
ويبدو أن مستقبل صناعة العطور يتجه نحو نموذج يجمع بين الخبرة التقليدية والتقنيات العلمية المتقدمة، فالزهور الطبيعية لن تختفي من عالم العطور، إذ تظل قيمتها الحسية والرمزية كبيرة، لكن دورها قد يتغير تدريجيًا مع توسع استخدام البدائل المخبرية والمكونات الحيوية.
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا