ترامب يستفيد من تجربة نوري المالكي للفوز بالإنتخابات
ميدل ايست اونلاين
ترامب يستفيد من تجربة نوري المالكي للفوز بالإنتخابات
الكذب مرض، فهل هو مرض معدٍ كما العديد من الأمراض المعروفة، أم أنه حينما تكون الكذبة في مجال السياسة، يكون معديًا لينتقل من نظام إلى آخر أو من مسؤول إلى آخر في مواسم الانتخابات للبقاء في السلطة؟ والكذبة تكون أشد وقعًا إن جاءت من مؤمن.
والرشوة، هل هي الأخرى من الأمراض المعدية في كل المجالات؟ والاثنان، كما هو متعارف عليه، منافيان للأخلاق ومحرّمان دينيًا، خصوصًا عندما يأتيان من أشخاص يطرحون أنفسهم بوصفهم مؤمنين وحريصين على تطبيق تعاليم الدين.
في العراق، اعتاد المالكي والإسلاميون، قبل كل انتخابات، أن يعدوا الناخبين بالمن والسلوى وبجنات تجري من تحتها الأنهار. فتراهم يكذبون ويرشون، فتارة تكون الرشوة والكذب وعودًا بقطع أراضٍ يظهر، بعد إغلاق صناديق الاقتراع، أنها مجرد أوراق لا قيمة لها. وتارة بفتح باب التوظيف للعاطلين عن العمل، أو بوعود للعمال والموظفين العاملين في القطاع العام بأن الدولة ستقوم بتحويلهم إلى الملاك الدائم، ولن يتحقق منها شيء هي الأخرى، أو بوعود عن فتح الطرق وبناء المدارس والمستشفيات في المدن المحرومة، أو في منح الفقراء والمعوزين رواتب الرعاية الاجتماعية. لكن ما إن ينتهي التصويت، وحتى قبل أن يبدأ العد والفرز، نرى هذه الوعود قد تبخرت.
علينا توخي الدقة ونحن نوجه الاتهام للمالكي والإسلام الشيعي بالفساد ورشوة الناخبين وحدهم، فالساسة السنة والزعماء الكرد لا يختلفون عنهم في ممارسة الفساد والكذب واستغلال حاجة الناخبين، فالكذب والفساد في عراق اليوم أساس ما تسمى بالعملية السياسية. وفساد هذه القوى، وهي تحيل العراق إلى أكثر دول العالم فسادًا، يكمل بعضه بعضًا، لكننا أخذنا المالكي كمثال كونه أحد أبرز من ساهم في ترسيخ الفساد في البلاد خلال دورتي رئاسته للوزراء.
الكذب في الإسلام محرّم بنص قرآني، فقد جاء في سورة النحل ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾، أما في سورة الشعراء، فإن القرآن وعد الكذابين بشياطين تنزل عليهم حين قال ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ * تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾. أما في باب الرشوة، فالقرآن صريح حينما قال في سورة البقرة ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ، كما جاء في التراث الشيعي، ونقلًا عن الإمام جعفر الصادق، أنه قال "الرشا في الحكم هو الكفر بالله". فكيف يمكن لمن يرفع شعار الإسلام ويطلب من الناس الالتزام بالدين أن يمارس مثل هذا السلوك؟ هذا عن الإسلام الذي يدعي المالكي ورجالات الأحزاب الإسلامية أنهم مؤمنون به ويدعون الناس إليه.
أما في المسيحية، حيث يطرح دونالد ترامب نفسه بوصفه مسيحيًا مؤمنًا، وهو يلتقي القساوسة في المكتب البيضاوي، فالأمر لا يختلف كثيرًا عن الإسلام. فقد ورد في سفر الخروج "ولا تأخذ رشوة، لأن الرشوة تعمي المبصرين وتعوج كلام الأبرار"، وجاء في سفر التثنية "لاَ تُحَرِّفِ الْقَضَاءَ، وَلاَ تَنْظُرْ إِلَى الْوُجُوهِ، وَلاَ تَأْخُذْ رَشْوَةً، لأَنَّ الرَّشْوَةَ تُعْمِي أَعْيُنَ الْحُكَمَاءِ وَتُعَوْجُ كَلاَمَ الصِّدِّيقِينَ". ويوصف الكتاب المقدس إبليس على أنه "الكذاب وأبو الكذاب". هذا أيضًا عن المسيحية التي يدعي ترامب الإيمان بها!
وكما للسياسة منطق آخر عند المالكي والأحزاب الشيعية، وهم يطرحون أنفسهم كمؤمنين أتقياء وذوي أيادٍ متوضئة، فلترامب، وهو يطرح نفسه كمسيحي مؤمن، منطق آخر أيضًا، وهذا ما جعل ترامب وحزبه ينافس المالكي وحزبه وباقي ساسة العراق في الكذب والرشوة، بعد أن أصيب بنفس العدوى.
لقد أعلن ترامب، في التاسع من سبتمبر/أيلول 2026، أنه سيمنح كل مواطن أميركي بالغ خمسة آلاف دولار إذا حافظ الجمهوريون على سيطرتهم على مجلسي النواب والشيوخ، قائلًا "إذا فاز الجمهوريون، تفوزون معنا وتحصلون على 5000 دولار"، فيما قال نائبه جيه دي فانس "إن الرسوم الجمركية قد تكون مصدر تمويل للوعود التي قطعها الرئيس على نفسه". ماذا نسمي وعد ترامب هذا؟ شخصيًا أسميه رشوة انتخابية، وبغض النظر عن مواد القانون الأميركي وتأويل كلام ترامب ومحاولة صياغته بشكل يخفف من شدة تصريحه أو وضوحه، إلا أن وعده بمنح الناخبين إذا صوتوا لحزبه يبقى خللًا سياسيًا وأخلاقيًا.
ترامب تفوق على أستاذه المالكي، في أنه اختصر الطريق، فلا قطع أراضٍ، ولا بناء مدارس ومستشفيات، ولا شق طرق في مناطق الشيعة الفقيرة والمهملة، بل بخمسة آلاف دولار نقدًا وعدًا، لكن ليست كرشوة. فقد أُطلق على وعد ترامب هذا اسم "توزيعات" أو Trump Dividend!!، فهل يغير الاسم شيئًا من الموضوع؟
يبدو أن المرض ليس الكذب وحده ولا الرشوة وحدها، وإنما ذلك المرض السياسي الذي يجعل السياسي يتذكر المواطن قبل الانتخابات وينساه عند غلق المراكز الانتخابية، وبعدها فلك الله عزيزي الناخب.
كما يبدو أن هتاف "ما ننطيها" المالكية، ترجمها ترامب نصًا ليقول: We will not give it up، أي "ما ننطيها"، ولله في خلقه المالكي وترامب شؤون.
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا