لماذا يهم دعم شي جين بينْغ لاتفاق مكة أمن الشرق الأوسط؟
ميدل ايست اونلاين
لماذا يهم دعم شي جين بينْغ لاتفاق مكة أمن الشرق الأوسط؟
قد لا تكون أهم نتائج اتفاق مكة للدفاع المشترك هي التحالف العسكري الذي أنشأه بقدر ما تكون منظومة الأمن الإقليمي التي يمكن أن يمهد لقيامها. ففي 7 أغسطس/آب 2026، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقا ينص على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث سيعد هجوما عليها جميعا، كما نص على تعزيز مختلف أوجه التعاون الدفاعي بينها.
وبعد أقل من شهر، بدأت الدول الثلاث في تحويل الاتفاق من إطار سياسي إلى بنية أكثر مؤسسية، إذ عقدت اللجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية أول اجتماع لها في إسطنبول في 31 أغسطس/آب، واتفقت على إنشاء أمانة عامة في السعودية، إلى جانب تعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية وتطوير التكنولوجيا والإنتاج المشترك.
ثم جاء الموقف الصيني، ففي 2 سبتمبر/أيلول وخلال زيارته لمصر، دعا الرئيس الصيني شي جين بينغ دول الشرق الأوسط إلى أن تكون صاحبة القرار في مصيرها وأن تبحث إنشاء هيكل أمني إقليمي جديد، كما أبدت بكين استعدادها للمساعدة في حماية طرق الملاحة الدولية. وجاءت هذه الدعوة في توقيت بالغ الدلالة، بعد أسابيع قليلة من توقيع اتفاق مكة ثم بدء إضفاء الطابع المؤسسي عليه.
لكن الصين لا تعلن نفسها حارسا جديدا للشرق الأوسط، ولا يبدو أن اتفاق مكة يتحول إلى تحالف تقوده بكين. التطور الأكثر أهمية قد يكون أكثر تعقيدا من ذلك: فبكين تبدو مستعدة لدعم نظام إقليمي تتحمل فيه دول مثل السعودية وتركيا وباكستان قدرا أكبر من مسؤولية أمنها، بينما تقدم الصين دعما دبلوماسيا واقتصاديا، وربما استراتيجيا، من خارج البنية العسكرية الأساسية لهذا الترتيب.
تراجع نموذج الأمن القائم على قوة خارجية واحدة
على مدى عقود، احتلت واشنطن موقعا فريدا في منظومة الأمن في الشرق الأوسط. فقد وفرت الولايات المتحدة الأسلحة والاستخبارات والحماية العسكرية والردع، وقامت شراكاتها مع دول الخليج على تفاهم ضمني مفاده أن واشنطن ستساعد في حماية النظام الإقليمي، بينما توفر الدول الحليفة لها إمكانية الوصول والتعاون في مجال الطاقة وشراكات استراتيجية واسعة. ولم تختف هذه المنظومة، لكن طابعها الحصري بدأ يتراجع.
وقد دفعت الحروب والأزمات المتلاحقة الحكومات الإقليمية إلى إعادة النظر في مخاطر الاعتماد المفرط على قوة خارجية واحدة. كما أن الحرب الأخيرة مع إيران عززت هذه الحسابات، بعدما بات واضحا أن الصراعات بين القوى الكبرى يمكن أن تمتد بسرعة إلى أراضي دول المنطقة وبنيتها التحتية وممراتها التجارية. لذلك لا يبدو أن الخيار المطروح أمام هذه الدول هو استبدال واشنطن ببكين، بل تنويع الشراكات بحيث لا تصبح أي قوة خارجية الطرف الوحيد الذي لا غنى عنه. ومن هنا تبرز أهمية اتفاق مكة.
ثلاث قوى إقليمية وثلاثة عناصر استراتيجية
يجمع الاتفاق بين دول تتكامل قدراتها على نحو لافت. فالسعودية تمتلك القوة المالية والثقل في مجال الطاقة والنفوذ الإقليمي، فضلا عن القدرة على تمويل تعاون دفاعي واسع. وتملك تركيا واحدة من أكثر القوات التقليدية قدرة في المنطقة، إلى جانب صناعة دفاعية محلية تطورت بسرعة خلال السنوات الأخيرة. أما باكستان فتضيف عقودا من الخبرة العسكرية وقدرات استراتيجية تجعل هذا الترتيب مختلفا عن مجرد تجمع دبلوماسي.
ولا يمكن النظر إلى أي من هذه الدول باعتبارها مجرد تابع أو وكيل لقوة أخرى. وهنا تكمن إحدى أهم نقاط قوة الترتيب الجديد. فهو يمثل شكلا من أشكال ائتلاف القوى الإقليمية المتوسطة، حيث تستطيع دول تختلف في مواقعها الجغرافية ومصالحها الاستراتيجية أن تتعاون في المجال الأمني من دون التخلي عن استقلالية قرارها.
وهنا يجب التمييز بين الطموح والقدرة. فاتفاق مكة ليس منظمة شبيهة بحلف الناتو من حيث الهيكل والقدرات والالتزامات العملياتية. كما أن كيفية تطبيق مبدأ الدفاع المشترك في ظروف الحرب الفعلية لا تزال بحاجة إلى اختبار. لكن الخطوات التي اتخذتها الدول الثلاث في إسطنبول تشير إلى أنها لا تتعامل مع الاتفاق باعتباره مجرد إعلان سياسي عابر، بل تسعى إلى بناء مؤسسات دائمة حوله، بما في ذلك أمانة عامة وتعاون أعمق في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا والإنتاج المشترك.
لماذا تفضل بكين هذا النموذج؟
لدى الصين مصلحة استراتيجية واضحة في قيام ترتيبات أمنية إقليمية لا تهيمن عليها قوة عسكرية خارجية واحدة. فبكين تعتمد على الشرق الأوسط في الطاقة، وترتبط دول المنطقة بها بصورة متزايدة عبر التجارة والاستثمارات والبنية التحتية والتكنولوجيا. لكنها، في الوقت نفسه، لم تبد حتى الآن استعدادا لتحمل التكلفة الهائلة المترتبة على تولي الدور الذي لعبته الولايات المتحدة لعقود بوصفها الضامن الأمني الرئيسي للمنطقة.
وهنا تظهر المفارقة. الصين تريد الاستقرار في الشرق الأوسط، لكنها لا تريد بالضرورة أن تتولى مهمة شرطي المنطقة. ومنظومة أمن إقليمية تقودها دول المنطقة يمكن أن تساعد في حل هذه المعضلة. فإذا تمكنت السعودية وتركيا وباكستان، وربما دول أخرى في المستقبل، من تطوير آليات للردع والوساطة وإدارة الأزمات، فإن الصين ستستفيد من مزيد من الاستقرار من دون أن تتحمل العبء العسكري بأكمله.
وبذلك تستطيع بكين أن تقدم ما تجيده بصورة أكبر: الدبلوماسية، والاستثمار، والتكنولوجيا، والعلاقات الاقتصادية، والتنسيق السياسي. وهذا يتوافق مع الرسائل الصينية الأخيرة؛ فقد دعا شي في القاهرة إلى إنشاء هيكل أمني إقليمي جديد، وأكد أن دول المنطقة ينبغي أن تكون صاحبة القرار في مستقبلها، بينما وسعت الصين في الوقت نفسه تعاونها مع مصر في المجالات الأمنية والاقتصادية والتكنولوجية.
اتفاق مكة يمنح بكين ما لا تستطيع بناءه بمفردها
هناك سبب آخر يجعل اتفاق مكة مهما بالنسبة إلى الصين: بكين لا تستطيع أن تصنع الشرعية الإقليمية بنفسها. فأي منظمة أمنية تصممها الصين وتقودها بصورة مباشرة قد ينظر إليها بعض دول المنطقة باعتبارها شكلا جديدا من أشكال النفوذ الخارجي. أما إذا قامت القوى الإقليمية نفسها ببناء هذه المنظومة، فإن بكين تستطيع دعمها من دون أن تبدو صاحبة المشروع.
وهذه النقطة تحمل قيمة استراتيجية كبيرة. فهي تتيح للصين التأثير في قواعد نظام إقليمي آخذ في التغير، مع بقاء القوى الإقليمية في الواجهة. وهذا ربما يكون الجانب الأكثر أهمية في موقف شي. فقد لا تريد الصين استبدال المنظومة الأمنية الأميركية بمنظومة صينية، بل قد تريد المساعدة في خلق الظروف التي تجعل الولايات المتحدة أقل قدرة على الاحتفاظ بدور القوة الخارجية التي لا يمكن الاستغناء عنها.
وهذا يفسر أيضا لماذا ينبغي النظر إلى دعم الصين لاتفاق مكة في سياق أوسع من الاتفاق نفسه. فبكين لا تحتاج إلى قيادة التحالف كي تستفيد منه. يكفي أن يساعد الاتفاق، إلى جانب ترتيبات إقليمية أخرى، على تحويل الشرق الأوسط من منطقة تعتمد بدرجة كبيرة على الضمانات الأمنية الخارجية إلى منطقة تستطيع فيها القوى المحلية بناء قدر أكبر من الردع والتنسيق والاستقلال الاستراتيجي.
واشنطن أمام تحد مختلف
هذا لا يعني أن السعودية أو تركيا تتخليان عن الولايات المتحدة. فما زالت تركيا عضوا في حلف الناتو، بينما تحتفظ السعودية بعلاقات دفاعية واقتصادية وسياسية وثيقة مع واشنطن. كما أن باكستان لديها تاريخ طويل من التعاون الأمني مع الولايات المتحدة. ولذلك، فإن الاستراتيجية الناشئة يمكن وصفها بصورة أدق بأنها تنويع استراتيجي.
وتريد القوى الإقليمية بصورة متزايدة أن تكون قادرة على العمل مع واشنطن وبكين وأنقرة وإسلام آباد وغيرها في الوقت نفسه. وهذا يمنحها هامشا أوسع للمناورة ويقلل من اعتمادها على قوة واحدة. وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن هذا يمثل تحديا أكثر تعقيدا من مجرد ظهور منافس عسكري صيني.
فإذا حلت الصين محل الولايات المتحدة بشكل مباشر، فسيكون من السهل تحديد طبيعة التغيير. أما إذا نشأ نظام أمني متعدد الأطراف تستطيع فيه القوى الإقليمية نفسها اتخاذ قراراتها، بينما تتنافس واشنطن وبكين وغيرهما على النفوذ داخله، فإن التحول يصبح أكثر تدريجا وأصعب في الاحتواء.
وقد تظل الولايات المتحدة القوة العسكرية الأكثر نفوذا في الشرق الأوسط، لكنها قد تفقد تدريجيا موقعها بوصفها الشريك الأمني الخارجي الوحيد الذي لا يمكن الاستغناء عنه. وهذا نوع مختلف من التراجع الجيوسياسي. فهو لا يعني اختفاء النفوذ الأميركي، بل يعني نهاية احتكار واشنطن لموقع القوة الخارجية المركزية في أمن المنطقة.
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا