باب المندب يمتحن قدرة الغرب على تجاوز خلافته لحماية الممرات البحرية
ميدل ايست اونلاين
باب المندب يمتحن قدرة الغرب على تجاوز خلافته لحماية الممرات البحرية
ما حدث على الساحل الغربي لليمن عقب نجاح جماعة الحوثي في السيطرة على مدخل باب المندب، ستكون له تداعيات كبيرة على أمن الممرات البحرية. الخطوة جاءت لتوسع من نطاق الأزمة التي يعيشها المجتمع الدولي بعد عجز الولايات المتحدة عن إيجاد وسيلة لفتح مضيق هرمز أمام الملاحة العالمية. ما يعني أن إيران، بمساعدة الحوثيين، وضعت يديها على أهم مضيقين في المنطقة، يتحكمان في جزء معتبر من حجم التجارة العالمية.
إذا كانت القوى الدولية لديها موقف واضح من أزمة مضيق هرمز بشأن تحميل الولايات المتحدة مسؤولية التذبذب في غلقه وفتحه، فإن الحالة مختلفة مع مضيق باب المندب. نعم الأزمة التي تضربه ناجمة عن الحرب الأميركية- الإسرائيلية على إيران، لكن واشنطن لم تتدخل في باب المندب مباشرة حاليا، كأنها أرادت احراج بعض القوى الكبرى التي لها أساطيل على الضفة الأخرى من باب المندب، أي في جيبوتي.
ناهيك عن المهمة المسماة بـ"حارس الإزدهار" التي تشارك فيها قوى عديدة، بجانب الولايات المتحدة، وقوة المهام المشتركة المعروفة بـ"153" وتضم قوى متنوعة من داخل المنطقة وخارجها، وقوة "أسبيدس" الأوروبية. جميعها تعمل في البحر الأحمر، ووجدت منذ أن بدأت جماعة الحوثي تهديداتها عمليا للملاحة في البحر الأحمر.
لم تتحرك أي من هذه القوات لصد ما يمكن أن ينجم عن سيطرة الحوثيين لموانيء رئيسية على ساحل البحر الأحمر، وأبرزها المخا، أو جزر تقع عند مدخله الجنوبي. إما أنها تثق في حديث قيادة الحوثي بعدم تهديد الملاحة الدولية، باستثناء استهداف السفن التابعة للسعودية وإسرائيل، أو أن لديها خطة سرية سوف تواجه بها التحديات الجديدة، أو أن سيطرة الحوثي على باب المندب مؤقتة، وأن القوات المناهضة لها تقوم تعيد تموضعها لخوض حرب طويلة تحرمها من المزايا الجيوسياسية التي حققتها.
في كل الحالات لا يوجد ما يشي بأن المجتمع الدولي يمكن أن يتحرك بصورة جماعية حتى الآن، أو أن الحوثي لن يهدد الملاحة الدولية، أو أن القوات التابعة للحكومة اليمنية سوف تتمكن من استرداد عافيتها وتقلب الطاولة على الحوثيين. ما حدث مؤخرا يشير إلى تحول كبير في المشهد الإقليمي. يحتاج تغييره أو إعادته إلى حالته السابقة وقتا طويلا. قوات الحكومة الشرعية مشتتة، الحوثيون حققوا هدفا استراتيجيا يصعب التخلي عنه بسهولة، والمجتمع الدولي لا يزال غير قادر على الالتفاف حول آلية ناجعة تساعده على التعامل مع هذه الحالة النادرة في تاريخ الملاحة الدولية.
كما أن السعودية، كقائدة لقوات التحالف العربي، موقفها يكتنفه بعض الغموض. ويتراوح بين المزيد من الانخراط في الحرب، وبين التوقف والبحث عن تسوية سياسية جديدة. كل الدعم الذي قدمته وتقدمه الرياض لقوات الشرعية اليمنية لم يمكّن الأخيرة من الصمود أمام قوات الحوثي. تلقت السعودية ضربات عسكرية عطلت خط الأنانبيب الذي يربط بين شرق السعودية وغربها لتصدير ما يقرب من سبعة مليون برميل نفط يوميا عبر البحر الأحمر. وهي رسالة تحذير حوثية قوية، تفيد بأن الجماعة تستطيع تكبيد الرياض خسائر فادحة، إذا قررت المضي قدما في الحرب.
لم تعد المسألة تهم القوى المتصارعة داخل اليمن فقط، أو لها علاقة قوية بتصفية الحسابات التاريخية بين السعودية من ناحية وجماعة الحوثي وإيران من ناحية أخرى، بل لها علاقة بأمن الملاحة الدولية، التي عندما تعرض أحد شرايينها (مضيق هرمز) لأزمة تأثر العالم كله بارتفاع أسعار الطاقة. فما بالنا عندما ينضم إليه شريان آخر مستقبلا (باب المندب). من المؤكد أن الصورة ستكون أشد قتامة على العالم. ما يستوجب التفكير في خطة لعدم مجابهة سيناريو شبيه بما حصل في هرمز.
لا يعني وجود كثافة في السفن العسكرية والمهام البحرية المختلفة في البحر الأحمر أنه سيتم ردع جماعة الحوثي سريعا. ولا يعني التباين بين الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية أن الأمر سيترك بلا تدخلات رادعة. يتطلب التفاهم حول خطة معينة اليقين بأن سيطرة جماعة الحوثي على باب المندب تضفي قوة على إيران، وتمكنها من تثبيت نفوذها في مضيق هرمز، وتنقل مركز الأزمة منه إلى باب المندب. غالبية الحديث الدائر حاليا ينصب على الأخير، كأن الخطة التي تقف خلفها طهران تعتمد على شغل العالم بأزمة الممرات الملاحية، وخلق فتنة بين القوى الكبرى.
من يقف مع من؟ أيهما له الأولوية، مضيق هرمز أم باب المندب؟ كيف تتم مجابهة الوضع الراهن في منطقة الخليج والبحر الأحمر؟ هل الحوثيون حلفاء أم أذرع لإيران؟ إلى آخر السرديات التي تستنزف جهود المجتمع الدولي، بينما تحصد إيران مكاسب من وراء استهلاك عنصر الوقت، وتستفيد من حصيلة التناقضات في المواقف الدولية، ثم ينشأ أمر واقع مختلف عما كان عليه الحال عند اندلاع الحرب الإيرانية.
هذه واحدة من الاختبارات الدولية القاسية التي أوجدتها سياسات الولايات المتحدة، بسبب لجوئها إلى الحرب على إيران بلا سند من مجلس الأمن الدولي، ورغبتها في تحقيق أهدافها دون مراعاة دقيقة للتوازنات الدولية. مهما كانت نتائج السياسة الأميركية وما ارتكبته من أخطاء فادحة، فإن الوضع الحالي، سواء في الخليج العربي أو البحر الأحمر، يحتاج إلى تعامل جاد، لأن ترك الأمور على ما هي عليه يؤدي إلى مزيد من الصراعات والنزاعات في المنطقة، والتي لم تعد قاصرة على دولها.
الأضرار الناتجمة على الملاحة الدولية تلحق أذى كبيرا بمصالح المجتمع الدولي. لا فرق بين من يتعرضون لتهديدات مباشرة وغير مباشرة. مسّت التطورات المتلاحقة أمن الطاقة في مقتل. لم تقتصر على المواطن الذي يعيش في أوروبا والولايات المتحدة وآسيا. دول الخليج باعتبارها أهم منتج للطاقة تأثرت كثيرا. بحاجة إلى ترتيبات للعودة إلى ما كانت عليه، من حيث الانتاجية والوصول إلى الأسواق العالمية وإصلاح الهياكل التي تضررت جراء الضربات العسكرية التي تعرضت لها من قبل إيران.
يحتاج الدفاع عن الممرات البحرية تفاهمات حول قواسم مشتركة رئيسية، ونأي عن الأجندات الخاصة التي طغت على الموقف من مضيق هرمز. ليس بالضرورة أن تكون الأدوات المستخدمة عسكرية، فقد جربّتها الولايات المتحدة وكانت النتيجة المزيد من العراقيل. إذا كان العالم تعايش نسبيا مع أزمة هرمز، من الصعب عليه التعايش مع أي خلل كبير في التجارة عبر باب المندب. وهو أخطر اختبار دولي نوعي لكيفية الدفاع عن الممرات البحرية الحيوية.
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا