ماركس والمسألة اليهودية
هسبريس
يعود “كارل ماركس” في البداية إلى رأي “برونو بوير” ومفاده أنه لا يمكن لليهود أن يتحرروا من “الدولة المسيحية” في ألمانيا في ذلك الأوان (أي القرن التاسع عشر) ما لم يتخلوا عن امتيازاتهم الطبقية، وعن مذهبهم أو دينهم. “طالما أن الدولة مسيحية، واليهودي يهودي، فهما غير قادرين لا على منح التحرر ولا على تلقيه” (1).
يُربط “برونو بوير” معضلة تحرر اليهود في أوروبا القرن التاسع عشر إلى عدم قدرته على التخلي عن امتيازاته، وإلى عجزه عن تصور نفسه خارج ديانته اليهودية، وعن عدم قدرته على الاندماج في الدولة المسيحية، وعن شعوره بالغربة داخل موطنه الغربي، وبالتالي بقائه رهناً لتصور نفسه جزءاً من شعب الله المختار، وعدم انخراطه في تاريخ الإنسانية جمعاء.
ما يجعل معضلة المسألة اليهودية مُشْتَعصية على الحل هو أن التحرر السياسي لا يمكن أن يتم بدون تحرر ديني. وما دام اليهودي متشبثاً بدينه وبعدُّو مصدر تفوقه، لا يمكن أن يتحرر سياسياً في الدولة الألمانية ذات الأصول المسيحية. هنا يمكن أن نحدس شيئاً هاماً وهو رصد “بوير” تناقضاً بين توق اليهودي للحرية في السياق الغربي آنذاك وبين تشبثه بامتيازه. ومن ثم لا يمكن لليهودي التحرر من جهة مواطنته دون التخلي عن خصوصيته الدينية والامتيازات الناجمة عنها. لا كونية سياسية مع بقاء واستمرار الخصوصية الدينية. إن حل المسألة أو المعضلة اليهودية رهين بحل مشكلة التحرر السياسي.
إن المشكلة ليست متعلقة بـ”الديانة اليهودية” بل بالدين إجمالاً. لا يمكن حصول تحرر سياسي على أساس المواطنة وليس على أساس الانتماء الديني هو الذي من شأنه أن يحل المسألة اليهودية. لم تُشْعِف الأنظمة الأوروبية حل السؤال الديني اليهودي سواء في ألمانيا حيث الدولة مسيحية، أو في فرنسا حيث الدولة دستورية، وحدها الدول الحرة في أمريكا الشمالية سَمحت بتطور المسألة اليهودية ليس كمسألة دينية – لاهوتية وإنما كمسألة دنيوية. إن نقد “برونو بوير” للمسألة اليهودية يبقى دينياً وثيولوجياً نظراً لالتباس السؤال الديني في الدولة الحديثة. أما في أمريكا الشمالية فلا وجود لدين رسمي للدولة ولا لدين أغلبية، فالدولة خُدِّدت نفسها خارج العبادات والمعتقدات. ولكن السؤال المطروح هل تخلو الدول التي تتحلل من تبني دين رسمي من ادّعاء ديني ثيولوجي.
“إن التحرر السياسي لليهودي، والمسيحي والإنسان المتدين عموماً يتمثل في تحرر الدولة من اليهودية والمسيحية ومن الأديان بصفة عامة (…). فالدولة تحررت في الشكل من الدين من حيث هي دولة. هنا لا يطرح مشكلاً إذا كان ذو مُلْقِجٍ خاص أو يقع في دائرة الخصوصية” (2)
هنا يبحث “كارل ماركس” عن مخارج لأزمة اليهودية وأزمة كل ديانة تتخيلُ نفسها خارج مؤسسات الدولة الحديثة، فهذه الأخيرة مُكَتَّلة بتجديد نفسها من خلال تحررها من الرؤية الدينية والثيولوجية، والكُلّ رهين بإنشاء تصور ذاتيوي لأجهزة ومؤسسات الدولة. يقول ماركس: “إن الإنسان يتحرر سياسياً من الدين بإخراجه من مجال القانون العام إلى مجال القانون الخاص” (3)
هنا التحرر السياسي يُفْهَم من طرف “ماركس” بمعنى العام، هو تحرر للإنسانية جمعاء شرط أن تتجاوز الدولة نفسها كتجمع للمصالح الخاصة في الدولة الليبرالية، وفي المجتمع المدني، نحو دولة ملحدة أو بلا ديانة، “إن الدولة الديمقراطية، الدولة الواقعية ليست بحاجة إلى الدين من أجل إيجاد بديل يجعلها سياسية” (5).
يشك “برونو بوير” في مدى تحرر اليهودي سياسياً إذا ظل معتنقاً الديانة اليهودية، ويشك بالتالي في مدى تمتعه بالحقوق المدنية وبحقوق الإنسان. في نظر “كارل ماركس” الحقوق المدنية أو حقوق الإنسان ليست فطرية ولا طبيعية وإنما حصيلة انتزاعها وصراع من أجل حيازتها، ضداً على الامتيازات الوراثية. يقول: “هل يمكن لليهودي حيازة تلك الحقوق؟ طالما ظل يهودياً بحكم هذه الماهية المُقَيَّدة التي تجعله يهودياً فإنها تنتصر على الماهية الإنسانية التي يجب أن تربطه بالآخرين” (6).
يميز “ماركس” بين حقوق الإنسان وحقوق المواطن: الأولى مجردة والثانية ملموسة، الأولى نظرية والثانية عملية وسياسية، وحرية المُعْتَقَد تدخل في إطار حقوق الإنسان وأهمها الحرية التي تضمن له حرية الاعتقاد وهي هنا معتقده اليهودي. يستنتج أن لا تعارض بين حقوق الإنسان وحرية الاعتقاد وحرية ممارسة الشعائر الدينية.
يرى “كارل ماركس” حقوق الإنسان من زاوية تعبيرها عن نزوع أناني في الإنسان، وهي نتيجة المجتمع المدني الليبرالي الرأسمالي، حيث يكون المواطن في خدمة الإنسان الأناني، وعليه يُعْطَى الحق للإنسان البورجوازي بوصفه تعبيراً عن الإنسان الكوني.
وبذلك تتم التضحية بالبُعد السياسي لصالح البُعد المدني. الثورة السياسية الليبرالية لم تكن كافية في إطار الممارسة الثورية. ما حدث هو تذوب المجتمع المدني في تجميع أفراد أنانيين، ومن هنا انتصار الإنسان الأناني الرأسمالي. يمكن الحديث عن تحرر ناقص وغير مكتمل للإنسان: “لا يُعتَرفُ بالإنسان الواقعي سوى في شكل فردٍ أَنانيٍّ، والإنسان الواقعي سوى في شكل مواطن مُجَردٍ” (7).
إذا كان “برونو بوير” يشترط تحرر اليهودي من يهوديته في سبيل الالتحاق بالركب الإنساني الثوري، وبالتالي يطرح حالاً ثيولوجياً للمسألة اليهودية، فإن “ماركس” يطرح منظوراً آخَرَ ألا وهو المنظور الاجتماعي من أجل إبطال الديانة اليهودية. يقول: “لا ينبغي أنْ نبحث عن سِرِّ اليهودي في ديانته، إنما عن سِرِّ الدين في اليهودي الواقعيّ… ما الأساسُ الدنيوي لليهودية؟ إنه الحاجة العملية، والمصلحة الشخصية. ما العقيدة الدنيوية لليهودية؟ المضاربة والمال” (8). إذن لإبطال اليهودية العملية يكفي التخلي عن المضاربة وعن شعار المال. ومن شأن تنظيم اجتماعي مُبَطِّل للمضاربة وللربح السريع للمال من شأن أن يمثل الخطوة الأولى نحو القضاء على اليهودية العملية. من الضروري في نظر “ماركس” أن تنحل الديانة اليهودية وأن تسير نحو الزوال. “إن تحرر اليهود في معناه العام هو دليل على تحرر الإنسانية من اليهودية” (9). ثم يعطف قائلاً: “لقد تحرر اليهود بالقدر الذي صار المسيحيون يهوداً” (10).
يُتَحَدَّثُ “كارل ماركس” عن الهيمنة اليهودية العملية أو التطبيقية في العالَم المسيحي وخاصة في أمريكا الشمالية. ما كان يفتقده اليهودي في المجتمعات الغربية من حقوق سياسية عُوَّضَ لديه بقوة المال والنفوذ.
هناك في نظر “ماركس” تناقض بين القوة السياسية العملية المرتفعة لدى اليهودي الغربي والحقوق السياسية. المتناقضة هو نفسه التناقض بين السياسة وقوة المال. الأولى تحفظ الكرامة الإنسانية والثانية تخدم منطق الاستعباد. “لقد حافظت اليهودية على بقائها ليس بالرغم أو ضدّ التاريخ وإنما بفضل التاريخ” (11)، الإله اليهودي: “إنّ إله الحاجة العملية والأنانية هو المال” (12) “المال هو إله إسرائيل الغيور حيث لا يمكن أن يصمد أمامه أيُّ إله من نفس المرجع” (13).
الهوامش:
(1) Karl Marx: Sur la question juive, Ed La fabrique édition, Paris, 2006, page 33.
(2) IBID, page 40.
(3) IBID, page 44.
(5) IBID, page 47.
(6) IBID, page 53.
(7) IBID, page 63.
(8) IBID, page 66.
(9) IBID, page 66.
(10) IBID, page 67.
(11) IBID, page 69.
(12) IBID, page 69.
(13) IBID, page 69.
-أستاذ التعليم العالي بجامعة الحسن الثاني
كلية الآداب والعلوم الإنسانية بنمسيك بالدار البيضاء المغرب
The post ماركس والمسألة اليهودية appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي

تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا