بين بكين ونيودلهي معركة هادئة على هوية بريكس
ميدل ايست اونلاين
بين بكين ونيودلهي معركة هادئة على هوية بريكس
كشفت قمة بريكس في نيودلهي عن معركة هادئة لا تتعلق بتماسك المجموعة بقدر ما تتصل بهويتها والدور الذي يمكن أن تؤديه في النظام الدولي، فبينما تنظر الصين إلى بريكس كمنصة قادرة على تحويل الوزن الاقتصادي والديموغرافي للجنوب العالمي إلى نفوذ مؤسسي أكبر، تتمسك الهند بطبيعة أكثر مرونة للمجموعة، توسع خيارات أعضائها وتدعم إصلاح النظام الدولي من دون الانخراط في استقطاب جديد.
وأظهرت نتائج القمة أن التوازن الحالي داخل بريكس لا يزال أقرب إلى المقاربة التي تحافظ على هذه المرونة، فلم تتبنَّ المجموعة مشروعًا لعملة موحدة، ولم تطرح التخلي عن الدولار، كما لم تقدم نفسها كتحالف مناهض للغرب. وبدلًا من ذلك، تقدمت ملفات التجارة بالعملات الوطنية، وتطوير أنظمة الدفع العابرة للحدود، وتعزيز سلاسل الإمداد، والتعاون التكنولوجي، وإصلاح المؤسسات الدولية.
لكن ذلك لا يعني تراجع الرؤية الصينية، وإنما يعكس اختلافًا في الأولويات ووتيرة التحرك.
تنظر بكين إلى توسع بريكس باعتباره فرصة لتعزيز حضور الاقتصادات الناشئة في صياغة قواعد النظام الدولي. ومن هذا المنظور، لا يتعلق الأمر بالتجارة والاستثمار فقط، بل بتطوير أدوات مالية وتكنولوجية تمنح الدول خيارات أوسع وتزيد قدرتها على التعامل مع التحولات الاقتصادية العالمية.
ويأتي الاهتمام الصيني بتوسيع استخدام العملات الوطنية وتطوير قنوات الدفع وزيادة الحضور الدولي لليوان ضمن هذا السياق. ولا يعني ذلك أن الدولار على وشك فقدان مكانته أو أن الصين تسعى إلى استبداله سريعًا بعملتها، وإنما يعكس توجهًا نحو نظام مالي أكثر تنوعًا، تستطيع فيه الاقتصادات الصاعدة الاستفادة من مسارات متعددة للتجارة والتمويل.
الهند تتفق بدورها مع ضرورة إصلاح النظام الدولي وزيادة تمثيل الدول النامية، لكنها تعطي أهمية خاصة للحفاظ على بريكس كمنصة مفتوحة لا تتطلب من أعضائها تبني توجه سياسي موحد. ولهذا حمل تأكيد رئيس الوزراء ناريندرا مودي أن بريكس «ليس ضد أحد» دلالة مهمة؛ إذ يعبر عن رؤية تعتبر توسيع الخيارات وتعزيز الاستقلالية في القرار أحد أهم مصادر قوة المجموعة.
وهنا تبرز أهمية بريكس بالنسبة إلى الدول العربية، فمصر والإمارات، من خلال عضويتهما في المجموعة، تضيفان مسارًا جديدًا إلى شبكة واسعة من العلاقات الاقتصادية والدولية. وبالنسبة إلى القاهرة، يوفر بريكس فرصًا لتوسيع العلاقات مع الاقتصادات الناشئة، وزيادة التجارة والاستثمار والتمويل التنموي، إلى جانب دعم حضور أكبر للدول النامية في مؤسسات الحوكمة العالمية.
وتقدم الإمارات نموذجًا متقدمًا في تنويع الشراكات الدولية، من خلال علاقات اقتصادية متنامية مع الصين والهند وغيرها من الاقتصادات الصاعدة، بالتوازي مع شراكاتها الراسخة مع الولايات المتحدة وأوروبا ومختلف القوى الاقتصادية. وفي هذا الإطار، يشكل بريكس قناة إضافية لتعزيز التجارة والاستثمار والحضور في الاقتصاد العالمي.
وتتقاطع السعودية مع هذا الاتجاه من خلال توسيع شراكاتها الاقتصادية والاستراتيجية مع مختلف مراكز القوة، والاستفادة من التحولات الاقتصادية العالمية بما يخدم خططها التنموية ومصالحها الوطنية. ويعكس ذلك بصورة أوسع قدرة الدول العربية على بناء علاقات متنوعة والاستفادة من تعدد مراكز النمو والتأثير في الاقتصاد الدولي.
وقد يكون هذا النموذج أحد العناصر التي تحدد مستقبل بريكس نفسه. فالجاذبية المتزايدة للمجموعة لا ترتبط فقط بحجم اقتصاداتها، وإنما أيضًا بقدرتها على توفير مساحات جديدة للتعاون من دون اشتراط التخلي عن الشراكات القائمة. ومن ثم، يصبح تعدد علاقات أعضائها مصدرًا للقوة، لا بالضرورة نقطة ضعف.
لكن انتقال بريكس من توسيع التعاون الاقتصادي إلى أداء أدوار سياسية ودبلوماسية أكبر سيكون اختبارًا أكثر تعقيدًا، فقد تناولت قمة نيودلهي عددًا من القضايا والأزمات الدولية، بما فيها تطورات الشرق الأوسط، في مؤشر على اتساع جدول أعمال المجموعة بالتوازي مع تنامي وزنها العالمي.
والاتفاق على إصلاح المؤسسات الدولية وتعزيز التنمية والتجارة أسهل بطبيعته من صياغة مواقف تفصيلية موحدة تجاه كل أزمة دولية. ولذلك قد تتطور القوة الاقتصادية والمؤسسية لبريكس بوتيرة أسرع من قدرته على التحرك كفاعل سياسي جماعي. ولا يمثل ذلك بالضرورة قصورًا، بقدر ما يعكس طبيعة مجموعة تجمع دولًا ذات أولويات وتجارب وعلاقات دولية متعددة.
وسيواجه هذا التوازن اختبارًا جديدًا مع انتقال رئاسة بريكس إلى الصين في 2027، فبكين تمتلك رؤية طموحة لتطوير التعاون المالي والتكنولوجي والمؤسسي، بينما سيظل الحفاظ على مساحة واسعة للتوافق بين الأعضاء عاملًا أساسيًا في استمرار جاذبية المجموعة.
ومن هنا، فالمعركة الهادئة بين بكين ونيودلهي ليست خلافًا على قوة بريكس؛ فكلاهما يريد للمجموعة حضورًا أكبر. الاختلاف يتعلق بطبيعة هذه القوة: الصين ترى فرصة لتعزيز وزن الجنوب العالمي وإعادة التوازن إلى النظام الدولي، بينما تركز الهند على توسيع هامش الحركة والإصلاح مع الحفاظ على مرونة المجموعة.
وقد تكون قدرة بريكس على الجمع بين الرؤيتين، بدلًا من انتصار إحداهما على الأخرى، هي ما سيحدد هويته في السنوات المقبلة. فإذا نجحت هذه المعادلة، فلن يحتاج الجنوب العالمي إلى بناء معسكر جديد كي يصبح أكثر حضورًا، بل إلى مساحة أوسع للمشاركة في صياغة نظام دولي أكثر تعددًا وتمثيلًا.
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا