رواية ABC الاسبانية عن مهدي حيجاوي، تفاصيل كثيرة واجابات غائبة
ميدل ايست اونلاين
رواية ABC الاسبانية عن مهدي حيجاوي، تفاصيل كثيرة واجابات غائبة
مدريد - يزعم التحقيق 'الحصري' الذي نشرته صحيفة ABC الإسبانية، بتوقيع كاتي غارات، أنه يكشف خفايا مسار مهدي حيجاوي، الموظف السابق المعزول من جهاز المخابرات الخارجية والفار من العدالة المغربية والذي أُقيل بسبب 'سلوك مهني غير لائق'، وأصبح الآن موضوع مذكرة توقيف دولية، غير أن الرواية التي تقدمها الصحيفة باعتبارها كشفاً كبيراً، لا تقدم، في العديد من تفاصيلها، إجابات حاسمة بقدر ما تثير تساؤلات جديدة حول ظروف فراره والشبكات التي ربما ساعدته على ذلك.
وتدعي الصحيفة الإسبانية، على وجه الخصوص، أنها تمتلك مفتاح إثبات مسؤولية حيجاوي عن تسريب بيانات 70,381 شخصاً نشرها مجموعة 'جبروت' مع تأكيدها في الوقت ذاته أنها لا تعرف مكان وجوده حالياً، غير أن هذا الادعاء الأخير يستحق التدقيق، إذ يبدو متعارضاً مع قرب الصحيفة من مصادر مقربة من حيجاوي.
وعليه، فإن تقديم مكان وجود شخص مطلوب للعدالة باعتباره لغزاً مطلقاً، في وقت تشير فيه عناصر متقاطعة إلى وجوده خارج أوروبا، وتحديداً في الجانب الآخر من المحيط الأطلسي، لا يبدو مجرد خيار تحريري عابر، لا سيما أن المقال نفسه يحرص على تفصيل مسار فراره، ووسائل النقل التي استخدمها، ومروره عبر تركيا، بل وحتى الحديث عن استخدام طائرة خاصة.
بعبارة أخرى، يبدو أن ABC تعرف الكثير عن فرار حيجاوي، لكنها تعرف القليل جداً عن وجهته النهائية، غير أن القراء يحق لهم، بصورة طبيعية، التساؤل عن سبب تقديم أحد أهم عناصر هذا المسار باعتباره مجهولاً، عندما تزعم وسيلة إعلامية أنها تمكنت من إعادة بناء رحلة رجل مطلوب بهذه الدقة.
جملة تقول الكثير
تتضمن مقالة كاتي غارات جملة تستحق، في حد ذاتها، اهتماماً خاصاً، لأنها تحافظ في الوقت نفسه على الغموض المحيط بالوجهة النهائية لحيجاوي، وتطرح، بشكل عابر تقريباً، عنصراً آخر أكثر حساسية: "بعد بضعة أيام، وبمساعدة متعاونين سابقين مع أجهزة الاستخبارات الإسبانية، فرّ من إسبانيا بهوية مزيفة. وبعد مسار جرى إعداده بعناية، بواسطة قارب ثم طائرة خاصة، وصل إلى تركيا، ومنها تمكن من الوصول إلى المكان الذي يوجد فيه حالياً، والذي لا يعرف المغرب ولا إسبانيا موقعه".
وتحمل هذه الصياغة دلالات بالغة الحساسية، لأنها لا تكتفي بوصف فرار مسؤول مغربي سابق ملاحق قضائياً، بل تشير، بحسب كلمات الصحيفة الإسبانية نفسها، إلى تورط "متعاونين سابقين مع أجهزة الاستخبارات الإسبانية"، واستخدام هوية مزيفة، وإعداد مسار مدروس بعناية لتمكين الشخص من مغادرة الأراضي الإسبانية.
وبذلك، توجه الصحفية اتهاماً إلى أشخاص سبق لهم العمل مع أجهزة الاستخبارات الإسبانية بالمشاركة، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في إخراج شخص مطلوب من البلاد.
وفي هذه المرحلة، لا يتعلق الأمر بالطبع بتحويل ادعاء صحفي إلى حقيقة قضائية، لكن إذا كانت ABC تمتلك بالفعل أدلة تدعم هذه الرواية، فإن القضية تتجاوز بكثير حالة حيجاوي الفردية، لتطرح سؤالاً مؤسسياً يمس إسبانيا بشكل مباشر.
فخلف رواية الفرار تبرز مسألة أكثر خطورة بكثير: كيف تمكن شخص يوصف بأنه مطلوب للعدالة من مغادرة الأراضي الإسبانية بهوية مزيفة، وبمسار جرى إعداده مسبقاً، ووفقاً لـABC، بمساعدة أعضاء سابقين أو متعاونين سابقين مع الأجهزة الإسبانية؟
ABC تفقد مصداقيتها أمام وسائل إعلام إسبانية أخرى
في الوقت الذي تؤكد فيه كاتي غارات في ABC أن السلطات المغربية والإسبانية لا تعرف مكان وجود حيجاوي، فإنها تتناقض مع زميلها أليخاندرو إنتريمباساغواس، الصحفي في موقع El Debate
ويكشف هذا التباين عن تناقض آخر بين صحفيين منخرطين في صراعات داخلية بين تيارات مختلفة، لكنه يكشف قبل ذلك عن افتقار إلى المهنية وقدر كبير من السذاجة في التعامل مع شخص يدعي أنه شيء ليس هو عليه.
وفي هذا السياق، يبرز سؤال مشروع أمام وسائل الإعلام التي تغطي هذه القضية: كيف يمكن لرجل أُقيل عام 2010 أن يمتلك بالفعل وثائق حديثة أو محرجة؟
وفي الوقت الذي تزعم فيه ABC أن حيجاوي يمتلك معلومات محرجة عن رئيس الوزراء الإسباني، تذكّر El Debate بعلاقاته المثيرة للجدل، ولا سيما علاقته بأمين بلخوية، الذي حُكم عليه بالسجن 18 شهراً في القضية التي جمعته ببنك التجاري 'وفا بنك' بشأن تبديد أصول مرهونة.
ونظراً إلى العلاقة الوثيقة بين بلخوية وحيجاوي، يجدر التذكير بأن الرجلين ترد أسماؤهما في قضايا احتيال، فحيجاوي مستهدف بالفعل بعدة شكاوى تقدم بها مواطنون تتعلق بجرائم مالية والاحتيال وتسهيل أو المساعدة على الهجرة غير القانونية، فضلاً عن الانتماء إلى منظمة إجرامية.
النقطة العمياء الحقيقية في القضية
تكمن إحدى أبرز نقاط الضعف في الرواية التي نشرتها ABC في مكان آخر، وتحديداً في ما يتعلق بمجموعة 'جبروت' والطريقة التي يُفترض أن البيانات حصلت بها ثم نُقلت إلى المجموعة، فالصحيفة الإسبانية تسمي حيجاوي باعتباره الرجل المفترض أنه "يقف وراء" نشر بيانات 70,381 شخصاً، لكنها لا تقدم في النهاية سوى القليل من التفاصيل التي تسمح بفهم الآلية الفعلية التي تمت من خلالها عملية التسريب.
هل نُقلت البيانات مباشرة من الشخص المعني؟ أم بيعت إلى وسطاء؟ أم سرقها طرف ثالث؟ أم جرى الحصول عليها عبر شبكات خارجية؟ ثم عبر أي قنوات تداولت هذه المعلومات؟ ومن هم الأطراف الذين ربما تدخلوا بين مصدرها المفترض وبين نشرها من جانب 'جبروت'؟
هذه الأسئلة ليست هامشية على الإطلاق، لأن نشر بيانات حساسة تتعلق بمؤسسات عامة وبموظفين في القطاع الأمني يشكل، إذا ثبتت الواقعة، قضية بالغة الخطورة لا يمكن اختزالها في مسؤولية شخص واحد يُفترض أنه يقف وراء العملية.
وبعبارة أخرى، لا يمكن تقديم حيجاوي، من جهة، باعتباره الرجل الذي يقف وراء نشر عشرات الآلاف من الهويات، ثم ترك سلسلة الأحداث بأكملها التي سمحت بانتقال هذه البيانات من مصدر مفترض إلى مجموعة مثل 'جبروت' في الظلام.
وبعيداً عن التناقضات الموجودة في رواية الصحفية، تكمن هنا تحديداً حدود المنهج الذي اتبعته ABC في إعداد مقالها. أما كاتي غارات، فتقدم العديد من التأكيدات، لكنها تشرح في النهاية القليل عن الطريقة التي عملت بها المنظومة فعلياً، خصوصاً أن المصادر التي تقدمها باعتبارها مقربة من حيجاوي تبدو فاقدة للمصداقية إلى حد كبير، إن لم تكن مرتبطة مباشرة ببعض أخطر الادعاءات الموجهة إليه، ولا سيما ما يتعلق بطبيعته المخادعة وارتباطه بعمليات احتيال.
ولا يبدو أن جوهر قضية المهدي حيجاوي يكمن اليوم في حجم الأسرار التي يزعم أنه يحتفظ بها عن المغرب، بقدر ما يرتبط بالأسئلة التي تفرضها رواية بعض وسائل الإعلام الإسبانية حول وجوده ونشاطه فوق الأراضي الإسبانية، فالرجل غادر موقعه الوظيفي في جهاز المخابرات الخارجية المغربية منذ عام 2010، أي قبل أكثر من 16 عاماً، ما يجعل الحديث عن امتلاكه معلومات راهنة قادرة على التأثير في ملفات مغربية حالية أمراً يحتاج إلى قدر كبير من التدقيق، لكن ذلك لا يلغي الجانب الأكثر إثارة في القضية: إذا كانت الاتهامات التي تنشرها الصحافة الإسبانية بحقه صحيحة، فلماذا لم تتحول إلى ملف واضح أمام السلطات والقضاء في إسبانيا؟
لقد قدمت تقارير إعلامية إسبانية حيجاوي باعتباره شخصية محورية في تسريبات وملفات شديدة الحساسية، بل ربطته صحيفة ABC بقضية 'بيغاسوس' وما تردد عن التجسس على هاتف رئيس الحكومة بيدرو سانشيز، بينما تحدثت El Debate عن أماكن يُعتقد أنه أقام فيها داخل إسبانيا. وهذه المعطيات تطرح سؤالاً بسيطاً: كيف يمكن لشخص تصفه بعض وسائل الإعلام بهذه الخطورة أن يبقى وضعه القانوني غامضاً؟
وتزداد الأسئلة مع التسريبات المنسوبة إلى مجموعة 'أطلس هاكرز'، والتي تضمنت تصريحات منسوبة إلى حيجاوي بشأن وقائع جنائية خطيرة يُزعم أنها حدثت في جنوب إسبانيا عام 2004. وحتى إذا كانت تلك التصريحات غير موثوقة، فإن مجرد صدورها يستحق تفسيراً رسمياً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بادعاءات تخص أحداثاً وقعت داخل الأراضي الإسبانية.
لذلك، فإن القضية لم تعد مغربية خالصة، فبدلاً من التركيز على إعادة تقديم حيجاوي باعتباره حاملاً لأسرار قادرة على إرباك الرباط، ينبغي للصحافة الإسبانية أن تسأل عن مدى جدية الاتهامات المنسوبة إليه، وعن سبب عدم ظهور نتائج قانونية معلنة إذا كانت هذه الاتهامات تستند إلى أدلة حقيقية.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: كلما رفعت بعض المنابر الإسبانية من شأن حيجاوي باعتباره 'مصدر أسرار'، ازدادت الحاجة إلى سؤال المؤسسات الإسبانية عن الإجراءات التي اتخذتها بحقه، وعن حقيقة وضعه داخل البلاد، فإذا كان الرجل كما تصفه تلك الروايات، فإن المسألة لا تتعلق بما يعرفه عن المغرب، وإنما بما تنسبه إليه وقائع مرتبطة بإسبانيا نفسها.
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا