Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا اقرأ على الموقع الرسمي

هل تواجه السعودية حرب استنزاف مزدوجة؟

ميدل ايست اونلاين

هل تواجه السعودية حرب استنزاف مزدوجة؟

السعودية لا تواجه فقط حرب استنزاف عسكرية، بل تواجه معضلة استراتيجية: كيف ترد على جبهتين دون أن تتحول من دولة تدير التهديد إلى دولة تستنزفها الحرب؟

المعطيات الأمنية الميدانية، المتمثلة في تزامن هجمات المسيرات من الشمال عبر الأراضي العراقية باتجاه خطوط النفط والغاز في الرياض والمدينة المنورة، مع تصعيد الحوثيين جنوباً واستهداف المنافذ البحرية والمدن والجزر الممتدة نحو باب المندب، قد تعكس درجة مرتفعة من التنسيق غير المباشر بين أطراف مدعومة من إيران، باعتبارها القاسم المشترك والأكثر استفادة مما يحدث.

وتهدف هذه التحركات إلى تحويل الأمن القومي السعودي إلى مسرح استنزاف مفتوح متعدد الجبهات، واختبار مدى متانة الركائز الأمنية والتحالفات الإقليمية التي وقعتها الرياض والمتمثلة في حلف مكة.

الأهداف الاستراتيجية لهذا الهجوم المزدوج، تتمثل في فرض حرب استنزاف متعددة المحاور، فالضرب المتزامن من الشمال والجنوب يهدف إلى تشتيت منظومات الدفاع الجوي وتوزيع التغطية الرادارية عبر مساحات شاسعة، مما يفرض كلفة اقتصادية وعسكرية عالية لمعالجة هجمات منخفضة التكلفة نسبياً.

الضغط على أمن الطاقة العالمي والمحلي، باستهداف خطوط الأنابيب الرئيسية وتهديد حركة ناقلات النفط المرتبطة بالصادرات السعودية في البحر الأحمر وباب المندب، وهما مساران استراتيجيان لحركة الطاقة، يسعى المحور المدعوم من طهران إلى رفع كلفة النقل والتأمين وتقليص المرونة اللوجستية للمملكة في مواجهة اضطرابات مسارات الخليج ومضيق هرمز.

هذه الضربات ومع استمرارها قد تؤدي إلى انكشاف الأمن القومي السعودي، ويمكن أن تتوسع لتصل إلى الأصول الاستراتيجية الصناعية والمدنية أو حتى العسكرية في السعودية، ما يعني أننا قد نكون أمام محاولة لكسر هيبتها والنيل منها وسط حلفائها الإقليميين والدوليين.

ما يزيد من تعقيد المشهد، رفض الولايات المتحدة الحليف الاستراتيجي طلب الرياض المساهمة في التصدي لهجمات الحوثيين. واشنطن تعتبر أن استنزاف مقدراتها العسكرية في جبهة جانبية مثل اليمن يضر بالهدف الأساسي، وهو المواجهة القائمة مع إيران وتأمين مضيق هرمز وهي تتفادى الدخول في "حرب استنزاف مفتوحة" مع جماعة أثبتت الضربات السابقة عدم فاعلية شلها كلياً عن طريق الجو فقط. فضلاً عن أن التقارير الأميركية تشير إلى تراجع غير مسبوق في مخزون وزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" من الذخائر الذكية وصواريخ باتريوت.

يتضمن موقف واشنطن رسالة ضغط غير مباشرة على الرياض، فالولايات المتحدة تدرك أن الانكشاف الأمني السعودي أمام تهديدات باب المندب واستهداف الطاقة يجعل الرياض أكثر احتياجاً لمظلة أمنية أمريكية ممتدة، ومُصممة، وفق شروط، واشنطن.

ويأتي توظيف ورقة الاتفاق الإبراهيمي على قائمة أولويات إدارة ترامب التي ترغب في حصد مكسب سياسي وازن يُترجم كإنجاز تاريخي في المنطقة، وتحديداً انتزاع توقيع سعودي على هذا الاتفاق أو إطار أمني موازٍ. لهذا يمكن فهم الرفض الأميركي لتقديم "خدمة مجانية" بالقتال نيابة عن الرياض في إطار إفهام القيادة السعودية أن الحماية العسكرية المباشرة والاستراتيجية مرتبطة بتفاهمات سياسية شاملة.

في المقابل لا يعتبر الرفض الأميركي بمثابة ضوء أُخضر كامل للحوثيين لتدمير الاستقرار الإقليمي أو إغلاق الملاحة بالكامل؛ إذ أن واشنطن اكتفت بتقديم الدعم الاستخباري واللوجستي للرياض لمنع سقوط كلي للمعادلة، فالموقف الأميركي هو أقرب لـ"إدارة الأزمة بحدود ضيقة" ترك الحوثيين يضغطون في المساحة الرمادية لإحراج الرياض، دون السماح لهم بتهديد القواعد الأميركية أو الملاحة الدولية الشاملة التي قد تفرض تدخلاً رغماً عن واشنطن.

وفي كل الأحوال فإن خروج واشنطن من حسابات المواجهة المباشرة مع الحوثيين يخلق فراغاً أمنياً على الجبهة الجنوبية للمملكة، مما قد يدفع الرياض نحو البحث عن خيارات استثنائية، سواء بالاعتماد على الدفاع الذاتي أو تقليص الخسائر عبر إعادة التقييم السياسي والتحرك الدبلوماسي.

وهنا يأتي أكبر اختبار حقيقي لحلف مكة الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، فهذا التصعيد الممنهج والمباشر يمثل تحدياً للحلف قبل أن تتشكل هيئاته ومؤسساته بشكل كامل، ناهيك عن أنه لا يزال يبحث في إمكانية دمج ثلاث عقائد عسكرية مختلفة، سواء في الأهداف أو بيئة العمل أو في أولوياتها الدفاعية.

حتى لو تم الانتهاء من هيكلة الحلف، فإن غياب اللوجستيات وطبيعة العمليات العسكرية قد لا تتناسب مع الجغرافيا التي تعودت عليها تلك الجيوش. لذا يجب أولاً التحقق مما إذا كان الحلف يمتلك آليات تفعيل سريعة تلزم الأطراف الأخرى بالتدخل المباشر أو تقديم دعم عسكري نوعي، أم أنه سيكتفي بالإطار السياسي الدبلوماسي.

ولعل الأسباب السابقة مضافاً إليها قرار واشنطن بعدم الانخراط المباشر في توجيه ضربات انتقامية واسعة ضد الحوثيين، هو ما دفع الرياض إلى ممارسة "التريث الاستراتيجي" لتفادي الوقوف منفردة في مواجهة مكشوفة دون غطاء غربي كامل.

وهو ما يجعل السيناريوهات المتوقعة للتعاطي مع الأزمة محدودة.. ويتمثل أولها في استمرار ضبط النفس والاحتواء عبر القنوات السياسية، وتتبنى الرياض في هذا المسار التهدئة وتجنب الرد العسكري المباشر داخل الأراضي العراقية أو التوسع في اليمن.

سيناريو حرب الاستنزاف المفتوحة، واستمرار الضربات الصاروخية والحصار الملاحي على الموانئ السعودية، مع غياب حسم عسكري من القوات الحكومية أو دعم خارجي مباشر، مما يتسبب في تحول المنطقة إلى منطقة نزاع طويل الأمد يؤثر على أسعار الطاقة المباشرة.

سيناريو التسوية الاضطرارية، هو أن تدفع التكلفة المرتفعة للحرب وغياب الدعم الأميركي الرياض نحو القبول بشرط وقف العمليات وتفاهمات أمنية جديدة تضمن حماية أراضيها ومنشآتها مقابل إقرار الأمر الواقع على الأرض في اليمن.

سيناريو التدويل والمواجهة الشاملة، هو أن يؤدي خطأ في الحسابات البحرية إلى إضرار واسع بالملاحة الدولية أو خطوط الطاقة العالمية، مما يفرض على القوى البحرية التدخل للحد من السيطرة الحوثية على مضيق باب المندب بغض النظر عن الموقف الأميركي الحالي.

في كل الأحوال، فإن استمرار الوضع الراهن سيحد من خيارات الرياض، ويضعها في موقف رد الفعل تجنباً لاتساع ساحة المعارك بما لا يتناسب مع التطورات السياسية والعسكرية، ما قد يؤدي إلى تآكل مصداقيتها ودورها في المنطقة، فالسعودية لا تواجه فقط حرب استنزاف عسكرية؛ بل تواجه معضلة استراتيجية: كيف ترد على جبهتين دون أن تتحول من دولة تدير التهديد إلى دولة تستنزفها الحرب؟

September 13th 2026, 8:46 am
اقرأ على الموقع الرسمي

0 comments
Write a comment
Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا