المدينة الإسلامية: حين يصبح العمران مرآة بهجة المجتمع
ميدل ايست اونلاين
المدينة الإسلامية: حين يصبح العمران مرآة بهجة المجتمع
فاز كتاب "المدينة الإسلامية: بهجة التراث والعمران" للمؤرخ والمفكر د.خالد عزب بجائزة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين للإبداع، في دورتها الثانية عشرة 2025-2026، التي أعلن نتائجها نائب رئيس مجلس أمناء الجائزة ورئيس لجنة أمانة عمان الكبرى المهندس أحمد الملكاوي. ويأتي فوز الكتاب تقديرًا لعمل ريادي فريد يتناول المدينة الإسلامية بوصفها ظاهرة عمرانية واجتماعية متكاملة، تتداخل في تشكيلها عناصر الدين والاقتصاد والسياسة والمجتمع والبيئة، ولا يكتفي بتتبع عمارتها ومبانيها، وإنما يبحث في الطريقة التي تشكلت بها الحياة الانسانية داخلها والعلاقات التي ربطت بين أحيائها وأسواقها ومساجدها ومساكنها ومرافقها.
يؤكد د.عزب على أن عمران المدينة الإسلامية منذ نشأتها، لم يكن مجرد استجابة للحاجة إلى السكن أو العبادة أو التجارة، وإنما كان تعبيرًا عن منظومة من القيم والاحتياجات. فالمسجد كان مركزًا دينيًا واجتماعيًا وسياسيًا، والسوق فضاءً اقتصاديًا، والبيت مجالًا للخصوصية، والحمام مؤسسة للحياة اليومية، والسبيل والقنوات والآبار جزءًا من نظام توفير المياه، بينما ربطت الطرق والخانات المدن بشبكات التجارة والسفر.
من خلال هذه العناصر يفتح عزب بابًا لقراءة المدينة باعتبارها سجلًا مفتوحًا للمجتمع الذي أنشأها وعاش فيها: ماذا يمكن أن تخبرنا مدينة قديمة عن المجتمع الذي عاش فيها؟ قد تبدو المساجد والأسواق والبيوت والحمامات والسبل والأسوار مجرد مبانٍ متجاورة، لكن قراءة هذه العناصر مجتمعة تكشف أنها كانت أجزاء من نظام متكامل لتنظيم الحياة، وأن العمران لم يكن منفصلًا عن الدين والاقتصاد والسياسة والعلاقات الاجتماعية والبيئة.
من هذه الزاوية يأتي كتاب د.عزب "المدينة الإسلامية: بهجة التراث والعمران"، الذي يحاول إعادة بناء صورة المدينة الإسلامية منذ نشأتها الأولى، ورصد مكوناتها وتحولاتها، وصولًا إلى حاضرها ومستقبلها. فالكتاب، كما يعرضه مؤلفه، محاولة للربط بين الماضي والحاضر والمستقبل، وإعادة النظر في المدينة من خلال معايير اجتماعية واقتصادية وسكانية، لا من خلال العمارة وحدها.
تبدأ الحكاية من المدينة المنورة، حيث شكلت الهجرة نقطة تحول في صياغة المكان، وظهرت مجموعة من العناصر التي ارتبطت بنشأة المدينة، ومنها المسجد والمسكن والسوق ومصلى العيد ودور الضيافة والتحصينات. وكان المسجد أحد البناءات المحورية، لكنه لم يكن مكانًا للعبادة فحسب، بل ارتبط بالصلاة والتعليم والحياة الاجتماعية والسياسية والحضارية.
وفي بناء المسجد النبوي يرى عزب دروسًا تتجاوز الجانب الديني إلى فلسفة البناء نفسها، من احترام الملكية الخاصة وتعويض أصحاب الأرض، إلى تجهيز مراحل العمل بالتوازي، واستخدام مواد البيئة المحلية، والمشاركة الشعبية في البناء، ثم تطوير أسلوب الإنشاء كلما اتسعت الحاجة. فاللبن للحوائط، وجذوع النخل للأعمدة، والجريد للسقف، بينما ظل البناء قابلًا للتعديل والتوسع وفق نمو المجتمع.
أما المسكن فقد ارتبط منذ البداية بفكرة الضرورة والخصوصية والتوافق مع البيئة. وتكشف مساكن المدينة الأولى عن بساطة البناء واستخدام المواد المحلية وتنظيم الأبواب والنوافذ، بينما أصبح الفناء الداخلي لاحقًا أحد أبرز عناصر البيت الإسلامي، بما يوفره من هواء وضوء وخضرة وماء، ويصنع عالمًا داخليًا أكثر خصوصية.
ولم يكن توزيع الأحياء عشوائيًا تمامًا؛ فقد كان للأصول السكانية والقبلية دور في توزيع السكان، وكانت لكل أسرة أو قبيلة خطتها، مع ترك مساحة لها لتقسيمها وفق ظروفها وإمكاناتها واحتياجاتها. وظهر هذا النمط في مدن إسلامية مبكرة مثل البصرة والكوفة والفسطاط والقيروان.
وفي قلب الحياة الاقتصادية جاء السوق. فقد أدركت التجربة الإسلامية المبكرة أن الاستقرار لا يقوم من دون سوق يوفر التجارة والحرف ومصادر التكسب. ثم تطورت المدينة بحيث أصبح لكل حي سوق صغير أو "سويقة" يوفر الاحتياجات اليومية، بينما يتولى السوق المركزي احتياجات المدينة الأوسع، وبذلك ارتبط توزيع الأسواق بحركة السكان ووظائف الأحياء.
ومن السوق إلى المجال العام، يلفت الكتاب إلى التمييز بين المسجد الجامع ومساجد الأحياء؛ فالجامع يجمع سكان المدينة لصلاة الجمعة، بينما تؤدى الصلوات اليومية في مساجد الأحياء. وكان المسجد الجامع قلب المدينة ومَعْلمًا رئيسيًا فيها، كما ارتبط تاريخيًا بعلاقة وثيقة بالسلطة، وتطور دوره السياسي والإعلامي مع تطور أنماط الحكم. فالمنبر، إلى جانب وظيفته الدينية، أصبح مجالًا لإعلان شرعية السلطة من خلال الدعاء للحاكم.
ويبحث عزب كذلك في الأساس الفكري لقيام المدن. فالفلاسفة والفقهاء والجغرافيون المسلمون ربطوا نشأة المدينة بحاجة الإنسان إلى الاجتماع والتعاون؛ فالإنسان عاجز منفردًا عن توفير جميع حاجاته، ولذلك تتوزع الأعمال والمهارات بين الناس، وينشأ التعاون، ثم التجمع في موضع واحد لتحقيق المنافع. وعند ابن خلدون، الإنسان «مدني بالطبع»، والمدينة هي الصورة العمرانية لذلك الاجتماع.
ومن هنا لم يكن اختيار موقع المدينة مسألة اعتباطية؛ فقد ارتبط بالأمن والماء والهواء والزراعة والمراعي والطرق وإمكانات الدفاع. كما تكشف كتابات الجغرافيين عن المدينة باعتبارها مجموعة مترابطة من العناصر، تشمل الأسوار والأبواب ومقر الحاكم والمساجد والأسواق والخانات والحمامات ومرافق أخرى ترتبط بحياة سكانها.
ويؤكد الكتاب أن السلطة نفسها كانت قادرة على تحفيز العمران؛ إذ يمكن لمنشأة واحدة أن تصبح نواة لتكوين حي أو جذب السكان إلى موضع لم يكن عامرًا من قبل. وتكشف التجربة التاريخية عن أمثلة ارتبط فيها توسع العمران بإنشاء منشآت جديدة أو بتوجيه السلطة للنمو الحضري.
ولا يكتمل فهم المدينة من دون مرافقها. فالحمام العام لم يكن مكانًا للنظافة فقط، بل مؤسسة اجتماعية ارتبطت بالحياة اليومية والأحاديث والعلاقات، كما خضعت لتنظيم ورقابة. ويعرض الكتاب الحمامات في مدن مثل القاهرة ودمشق ومراكش وفاس بوصفها جزءًا من النسيج الاجتماعي والعمراني، كما يوضح ارتباطها بالمساجد والأسواق والخانات والأحياء.
والماء بدوره كان جزءًا أساسيًا من البنية التحتية للمدينة، عبر الآبار والقنوات والصهاريج والبرك والأسبلة، وقد تطلب توفيره حلولًا هندسية تتلاءم مع طبيعة كل مدينة ومواردها. ويقدم الكتاب أمثلة على أنظمة مائية متقدمة في عدد من المدن الإسلامية، بما يكشف أن العمران لم يكن منفصلًا عن إدارة الموارد الطبيعية والقدرة على تطويع البيئة لخدمة السكان.
أما الطرق والخانات ومرافق المسافرين، فقد ربطت المدن بشبكات التجارة والحركة، وجعلت العمران يتجاوز حدود الأسوار. ومن خلال هذه الشبكات لم تعد المدينة وحدة مغلقة، بل أصبحت جزءًا من فضاء أوسع تتحرك داخله السلع والأشخاص والأفكار.
وفي خلفية هذه المكونات كلها يقف الفقه، الذي نظم قضايا البناء والملكية والطرق والأسواق وحقوق الجيران والمرافق العامة. وقد حرص الفقهاء على معالجة مسائل البناء والعمران في ضوء الأحكام الشرعية، كما أسهم الوقف في تمويل منشآت عمرانية واجتماعية متعددة، وأصبح مع تطور المجتمع أحد العناصر المؤثرة في تشكيل المدينة الإسلامية.
ويصل الكتاب في نهايته إلى الحاضر، حيث يتحول تاريخ المدينة إلى مدخل لنقد العمران المعاصر. فالمشكلة ليست في التطور ذاته، وإنما في استيراد نماذج عمرانية جاهزة دون مراعاة المناخ والبيئة والخصوصية والاحتياجات الاجتماعية، وفي الانشغال بالضخامة والبذخ والكمية على حساب الإنسان.
لكن د.عزب لا يدعو إلى استنساخ المدينة القديمة. فالأشكال التي ابتكرها السابقون كانت حلولًا لظروف عصرهم، والمطلوب اليوم هو الحفاظ على القيم والأهداف، ثم ابتكار وسائل جديدة تناسب العصر. فالتراث، في نظر الكتاب، ليس مجموعة أشكال معمارية ينبغي تكرارها، وإنما خبرة تاريخية في التعامل مع المشكلات والموارد والاحتياجات. وكما اجتهد السابقون في ابتكار حلولهم، ينبغي أن يجتهد المعاصرون في ابتكار حلولهم هم أيضًا، بعيدًا عن تقديس الماضي أو الارتهان للنماذج المستوردة.
بهذا المعنى، تصبح المدينة الإسلامية في كتاب د.عزب أكثر من موضوع معماري؛ إنها وثيقة اجتماعية مفتوحة. فالبيت يحكي عن الخصوصية، والسوق عن الاقتصاد، والمسجد عن الدين والسلطة، والحمام عن الحياة اليومية، والسبيل عن الماء والتكافل، والطريق عن التجارة والحركة، والسور عن الأمن والسلطة.
وختاما هناك أهمية أخرى للكتاب لابد من الانتباه لها تتمثل في كونه يصدر في توقيت تعاني فيه المدينة العربية من التخبط والعشوائية، مؤكدا على أن المدينة التي تحتاجها مجتمعاتنا ليست مدينة تعود إلى الماضي، ولا مدينة تقلد نموذجًا مستوردًا، وإنما مدينة تفهم مكانها وإنسانها ومواردها، وتستفيد من تراثها بوصفه خبرة في التفكير لا مجموعة أشكال جاهزة للتكرار.
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا