السيادة التي تريدها طهران والحديقة الخلفية التي لا تريد خسارتها في العراق
ميدل ايست اونلاين
السيادة التي تريدها طهران والحديقة الخلفية التي لا تريد خسارتها في العراق
حين يقول رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف من بغداد إن "دول المنطقة وحدها يجب أن تحدد نظامها السياسي"، تبدو العبارة للوهلة الأولى دفاعا عن السيادة ورفضا للتدخل الخارجي، لكن حين توضع في سياقها السياسي والأمني، فإنها تبدو أقرب إلى رسالة إيرانية موجهة إلى الداخل العراقي: لا تعيدوا ترتيب موازين القوة بطريقة تمس النفوذ الذي بنته طهران في العراق طوال عقود.
فالمفارقة أن قاليباف يتحدث عن عدم التدخل الأجنبي في الوقت الذي تأتي زيارته فيما تخوض بغداد معركة سياسية وأمنية لإخضاع السلاح لسلطة الدولة، والأكثر دلالة أن مستشار الأمن القومي العراقي قاسم العبودي أعلن بوضوح أن الحكومة ماضية في حصر السلاح بيد الدولة، وأن الدستور لا يسمح بوجود جماعات مسلحة تهدد أمن دول الجوار والمنطقة.
هنا تحديدا تتكشف نقطة التصادم الحقيقية بين بغداد وطهران، إذ أن العراق الرسمي يقول إن قرار الحرب والسلم يجب أن يكون بيد الدولة، بينما يصر قاليباف على أن "المقاومة" إحدى ركائز قوة العراق. وبين الموقفين توجد المسألة التي تحاول إيران إبقاءها خارج النقاش: من يملك القرار الفعلي عندما تتعارض إرادة الدولة مع إرادة الفصائل المسلحة؟
إيران لا تحتاج إلى احتلال العراق كي تضمن نفوذها فيه. يكفي أن يبقى السلاح موزعا خارج السيطرة الكاملة للدولة، وأن تبقى قوى سياسية وأمنية واقتصادية مرتبطة بها قادرة على التأثير في القرار العراقي، حيث إنه وعندها يصبح العراق، من منظور طهران، عمقا استراتيجيا متقدما، وساحة نفوذ، وحديقة خلفية يمكن استخدامها عند الحاجة.
وتزداد أهمية هذا الأمر بالنسبة للنظام الإيراني في الظروف الحالية، فطهران لا تنظر إلى العراق باعتباره ملفا خارجيا منفصلا عن أزمتها الداخلية؛ فالعراق يشكل أحد أهم امتدادات نفوذها الإقليمي، وأحد المساحات التي يمكن أن تتحرك فيها شبكاتها إذا تعرض النظام الإيراني لاحتجاجات أو اضطرابات داخلية. ولذلك فإن الحفاظ على نفوذها العراقي لا يتعلق فقط بالسياسة الخارجية، بل أيضا بأمن النظام نفسه.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم حرص قاليباف على لقاء قادة 'الإطار التنسيقي'، في توقيت يجري فيه بحث مستقبل الفصائل المسلحة، فالرسالة ليست خفية: طهران تريد أن تتأكد من أن عملية إعادة بناء الدولة العراقية لن تتحول إلى عملية تفكيك لأدوات نفوذها.
حتى ملف مضيق هرمز يكشف الأولوية نفسها. العراق من أكثر المتضررين من اضطراب الملاحة، ومع ذلك فإن طهران تستخدم المضيق ورقة في صراعها مع واشنطن، بينما يتحمل الاقتصاد العراقي جانبا من كلفة هذا الصراع وكأن بغداد مطالبة بأن تتفهم "المصالح الإيرانية" حتى عندما تكون الفاتورة عراقية.
لذلك فإن أكثر ما يلفت في خطاب قاليباف ليس حديثه عن عدم التدخل، بل تعريفه الضمني لما ينبغي أن تكون عليه الدولة العراقية، فإيران تريد عراقا مستقرا، نعم؛ لكن الاستقرار الذي يحمي مصالحها، لا الاستقرار الذي يستكمل سيادة الدولة على أراضيها وسلاحها وقرارها.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تريد طهران عراقا قويا، أم عراقا مستقرا بما يكفي ليبقى في دائرة نفوذها؟ الفرق بين الاثنين هو بالضبط المسافة الفاصلة بين العراق الذي يريده العراقيون، والعراق الذي تحتاجه طهران.
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا