تندوف وتنمية الأقاليم الجنوبية على طاولة مفوض حقوق الإنسان بجنيف
هسبريس
عقد تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، الثلاثاء الماضي بجنيف، لقاء مع فولكر تورك، المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وذلك على هامش أشغال الدورة الـ 63 لمجلس حقوق الإنسان، حيث بحث الجانبان عددا من الملفات المرتبطة بالأوضاع الحقوقية والإنسانية في المنطقة، بحضور ممثلي التحالف مينة لغزال وعبد الوهاب الكاين.
اللقاء شكل مناسبة لعرض عدد من القضايا التي يوليها التحالف أهمية خاصة، لا سيما أوضاع السكان بمخيمات تندوف؛ إذ قدم ممثلا التحالف معطيات وملفات قالا إنها تستند إلى رصد ميداني، في إطار مساعي تعزيز حضور المجتمع المدني في النقاشات والآليات الأممية المعنية بحقوق الإنسان.
وفي هذا السياق، طرح ممثلا التحالف أمام المفوض السامي الوضعية الصحية للسيدة لالة حيداس وابنها، مشيرين إلى أن الأم تعاني من أمراض خطيرة، من بينها الشلل والسرطان والسكري، فيما يعاني ابنها من داء السيلياك. وطالبا بتدخل أممي عاجل لرفع العوائق التي تحول دون استفادتهما من الإجلاء الطبي إلى إيطاليا، حيث كان مقررا أن يخضعا للرعاية والمتابعة الطبية.
كما سلّم ممثلا التحالف للمفوض السامي تقريرين حقوقيين أُعدّا بمناسبة الدورة الحالية لمجلس حقوق الإنسان؛ يتناول الأول التنمية والحق فيها والعدالة المناخية بالأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية، بينما يركز الثاني على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لقاطني مخيمات تندوف، مع إبراز الإشكالات القانونية والحقوقية المرتبطة بوضعية سكان هذه المخيمات.
ويأتي هذا اللقاء، وفق التحالف، في سياق مواصلة انخراطه في أشغال الدورة الـ 63 لمجلس حقوق الإنسان، وتعزيز التواصل المباشر مع المفوضية السامية وآليات الأمم المتحدة، عبر تقديم معطيات وتقارير حول الملفات التي يعتبرها ذات أولوية، مع التشديد على ضرورة إيلاء الوضع الإنساني بمخيمات تندوف، ولا سيما الحالات الصحية المستعجلة، ما يستحقه من اهتمام وتدخل أممي.
ملف إنساني
قالت مينة لغزال، منسقة “تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية”، إن لقاء الثلاثاء بجنيف مع فولكر تورك، المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، على هامش أشغال الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان، شكل مناسبة لعرض جملة من الملفات المرتبطة بالأوضاع الإنسانية والحقوقية بمخيمات تندوف، مبرزة أن محور الاهتمام الأول انصب على الوضعية الصحية الحرجة للسيدة لالة حيداس، القاطنة بالمخيمات، وابنها، أمام المفوض السامي شخصيا.
ونبهت لغزال، في تصريح لهسبريس، إلى أن المعطيات الموثقة المتوفرة لدى التحالف، والمستقاة من شهادات الأسرة والناشطين المحليين، تفيد بأن حيداس طريحة الفراش وتعاني من الشلل جراء إصابتها بسرطان متقدم ومزمن في العمود الفقري، فضلا عن داء السكري، في وقت يعاني فيه ابنها من وضعية صحية لا تقل خطورة، مشيرة إلى أن الملف الطبي الكامل للأسرة قدم منذ شهر يونيو الماضي من أجل الاستفادة من برنامج الإجلاء الطبي نحو إيطاليا، دون أن يتم التوصل، إلى حدود اليوم، بأي رد رسمي يذكر.
وأوضحت أن التحالف ذكر المفوض السامي بأن الحق في الحصول على الرعاية الطبية المنقذة للحياة يشكل بموجب القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، ولا سيما المادة 25 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والمادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، حقا أساسيا غير قابل للتجزئة أو التأجيل، وأن الفئات السكانية التي تعيش في أوضاع اللجوء أو النزوح تظل مستحقة لهذه الحماية بصرف النظر عن أي اعتبار سياسي أو إداري.
وقالت منسقة “تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية”: “أطلعنا السيد المفوض السامي كذلك على ما تناقلته شهادات موثقة بشأن غياب معايير شفافة وموضوعية في توزيع فرص الإجلاء الطبي، وهو ما أفرز احتجاجات متكررة داخل المخيمات، كان آخرها تنظيم مسيرة سلمية في اتجاه مقر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بمخيم الرابوني، للمطالبة بإدراج اسم السيدة لالة حيداس ضمن لائحة المستفيدين من الإجلاء العاجل”.
وبخصوص الخطوات المطلوبة، سجلت الفاعلة المدنية أن التحالف جدد، من هذا المنبر الأممي، مطالبته بإجراء فحص طبي فوري ومستقل لحالة حيداس من طرف طاقم طبي مؤهل ومحايد، وإدراجها، على سبيل الأولوية، ضمن أقرب قافلة إجلاء طبي متاحة، فضلا عن اعتماد معايير شفافة وقائمة على أساس الحاجة الطبية الفعلية في جميع عمليات الإجلاء المقبلة، وفتح تحقيق مستقل في الادعاءات المتعلقة بوجود خروقات في إدارة هذا البرنامج الحساس.
وذكرت المختصة في مجال حقوق الإنسان أن كل يوم من التأخير يعني مزيدا من التدهور في صحة السيدة المعنية وتهديدا مباشرا لحياتها، مبرزة أن هذه الحالة الفردية، رغم خصوصيتها المأساوية، تختزل في الواقع إشكالية بنيوية أعمق تخص مختلف الفئات الهشة داخل مخيمات تندوف، ذلك أن غياب رقابة دولية مستقلة على برنامج الإجلاء الطبي يفتح الباب أمام مخاطر جدية مرتبطة بمبدأ المساواة في الحصول على المساعدة الإنسانية.
وأوردت لغزال أن هذا الوضع يستوجب، في تقدير التحالف، تدخلا استباقيا من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، باعتبارها الجهة المشرفة أصلا على هذا البرنامج، من أجل التحقق الفوري والمستقل من صحة الادعاءات، بدل انتظار تفاقم الأوضاع الصحية لضحايا آخرين قد يكونون هم أيضا في أمس الحاجة إلى تدخل عاجل.
وأنهت مينة لغزال حديثها لهسبريس بالتأكيد أن التحالف يجدد التزامه بمواصلة رصد وتوثيق أوضاع حقوق الإنسان بمخيمات تندوف، والتفاعل الوثيق مع مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان وسائر الآليات الأممية ذات الصلة، على قاعدة مقاربة حقوقية وأكاديمية رصينة تضع الفرد، بصفته صاحب حق لا مجرد متلق للمساعدة، في قلب أي معالجة جادة لهذا الملف الإنساني والحقوقي المركب، مشددة على أن كرامة الإنسان لا تحتمل مزيدا من الانتظار.
ترافع مؤسساتي
يرى عبد الوهاب الكاين، رئيس منظمة “أفريكا ووتش”، أن لقاء جنيف لم يقتصر على عرض الملف الإنساني الطارئ، بل شكل أيضا مناسبة لتسليم فولكر تورك تقريرين أعدهما تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية في إطار تفاعله مع أشغال الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان، موضحا أن التقرير الأول يتناول حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لقاطني مخيمات تندوف في ظل غياب الوضع القانوني ومسؤوليات الدولة المضيفة، وذلك في ضوء قرار مجلس حقوق الإنسان رقم 60/14.
وأضاف الكاين، في تصريح لجريدة هسبريس الإلكترونية، أن التحالف أوضح للمفوض السامي أن سكان مخيمات تندوف يعيشون وضعا مزدوجا من الهشاشة، يتمثل من جهة في غياب وضع قانوني واضح ومحدد بموجب اتفاقية جنيف لعام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، مما يحرمهم، وفق ما خلص إليه التقرير، من أبسط أدوات المطالبة بحقوقهم، ومن جهة ثانية في انغلاق جغرافي وإداري مركب يحول دون إجراء أي مراقبة ميدانية مستقلة لأوضاعهم الفعلية.
وأكد المهتم بنزاع الصحراء أن التحالف شدد أمام المسؤول الأممي على أن مسؤولية الجزائر، بصفتها الدولة التي تخضع هذه المخيمات لولايتها الإقليمية الفعلية، تظل مسؤولية أصيلة وغير قابلة للتفويض أو التجزئة أو التنازل، ولا تعفى منها الدولة المضيفة بأي حال من الأحوال، بصرف النظر عن الجهة التي تتولى فعليا التدبير اليومي لهذه المخيمات.
ولفت المتحدث ذاته إلى أن التقرير الثاني خصصه التحالف لموضوع “التنمية في خدمة الإنسان”، من خلال استعراض تجربة الأقاليم الجنوبية للمملكة المغربية كنموذج لإعمال الحق في التنمية والعدالة المناخية وإصلاح الهيكل المالي الدولي والتوازن القائم على الحقوق، تنفيذا لقراري مجلس حقوق الإنسان رقم 42/23 ورقم 60/7، مبرزا أن التقرير يستعرض تجربة تنموية مدعومة باستثمارات هيكلية كبرى في مجالات البنيات التحتية والطاقات المتجددة والتمكين البشري.
وسجل الكاتب العام لتحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية أن التحالف بين للمفوض السامي أن هذه التجربة التنموية تشكل، بحسب ما خلص إليه التقرير، نموذجا استرشاديا في كيفية ترجمة الحق في التنمية إلى واقع معاش، مع التأكيد في الوقت ذاته على ضرورة استمرار المتابعة الأممية المستقلة لمسار هذه التجربة بما يضمن مصداقيتها العلمية بعيدا عن أي مقاربة أحادية.
وأوضح الكاين أن تقديم التقريرين في آن واحد “ليس اختيارا اعتباطيا”، بل يعكس قناعة راسخة لدى التحالف بأن مقاربة الحق في التنمية لا يمكن أن تكون مجزأة أو أحادية الاتجاه، وأن مساءلة الدولة المضيفة عن التزاماتها تجاه سكان المخيمات يجب أن تسير جنبا إلى جنب مع تسليط الضوء على التجارب التنموية الإقليمية القادرة على تحويل الحق في التنمية من شعار تعاهدي إلى واقع معاش.
وشدد على أن التحالف حرص على توضيح هذه الرؤية للمفوض السامي، مع التأكيد على أن أي قراءة علمية جادة لهذا الملف تستوجب الانفتاح على مختلف الوثائق والتحليلات، بعيدا عن أي تسييس أو تبسيط مخل، مبرزا أن الترافع الحقوقي الذي ينهجه التحالف يقوم على قوة الحجة القانونية والبرهان الميداني الموثق، بدل الاكتفاء بالخطاب السياسي العابر.
وذكر رئيس منظمة “أفريكا ووتش” أن اللقاء يندرج ضمن مسار متواصل من الانخراط الحقوقي للتحالف في أشغال الدورات المتعاقبة لمجلس حقوق الإنسان بجنيف، معتبرا أن التفاعل المباشر مع الآليات الأممية المعنية بحماية حقوق الإنسان يظل القناة الأنجع لإدراج انشغالات سكان مخيمات تندوف ضمن الأجندة الأممية، وضمان مساءلة فعلية للجهات المعنية، حكومية كانت أم غير حكومية، عن أي إخلال بالتزاماتها الدولية.
وأورد المصرح لهسبريس أن تفاعل المفوض السامي مع الملفات التي عرضها التحالف يفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التعاون البناء بين التحالف ومفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان، قوامها تبادل المعلومات الموثقة، ومتابعة التوصيات ميدانيا، وضمان انخراط فعلي للآليات الأممية المعنية، ولا سيما المقررين الخاصين والإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان، في تقصي الحقائق بشأن الوضعية الحقوقية والإنسانية لسكان مخيمات تندوف، مؤكدا أن الترافع المدني، مهما بلغت جديته وصرامته المنهجية، يظل بحاجة إلى ترجمة عملية على مستوى الآليات الرقابية الأممية حتى لا يبقى مجرد تبادل للوثائق دون أثر ملموس على أرض الواقع.
وأجمل عبد الوهاب الكاين بالقول إن التحالف يدرك حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه، باعتباره فاعلا من فاعلي المجتمع المدني، في إيصال صوت الفئات الهشة إلى أعلى مستويات منظومة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، مؤكدا مواصلة توثيق الانتهاكات وتحيين التقارير العلمية والحضور في مختلف المحافل الأممية التي تتيح فرصة الترافع عن حقوق سكان مخيمات تندوف، انطلاقا من قناعة مفادها أن “العدالة المؤجلة تظل عدالة منقوصة”.
The post تندوف وتنمية الأقاليم الجنوبية على طاولة مفوض حقوق الإنسان بجنيف appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي

تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا