بين أكتوبرين تشتعل حرب الطاقة
ميدل ايست اونلاين
بين أكتوبرين تشتعل حرب الطاقة
بعض الحروب تنتهي عندما تتوقف المدافع، لكن آثارها قد تستمر لعقود، فتغير التحالفات والأسواق وموازين القوى. وربما يمكن قراءة أكثر من نصف قرن من تاريخ الشرق الأوسط والعالم من خلال محطتين تفصل بينهما خمسون عاماً: أكتوبر 1973 وأكتوبر 2023.
ما يجمع أكتوبرين ليس الحرب وحدها، بل الطاقة أيضاً، ففي الأول اكتشف العالم أن النفط يمكن أن يتحول إلى سلاح سياسي واقتصادي، وفي الثاني أصبحت الطاقة والممرات التي تنقلها جزءاً من صراع أكثر تعقيداً. وبينهما تغير النظام الدولي، وتغيرت معه طبيعة الحروب وأدواتها.
في أكتوبر 1973 اندلعت الحرب العربية الإسرائيلية في عالم تحكمه الثنائية القطبية، وكانت الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي يقفان خلف طرفي الصراع. وانتهت الحرب بوقف إطلاق النار، لكنها تركت أثراً تجاوز الميدان العسكري، بعدما كشفت الأهمية الاستراتيجية للشرق الأوسط بالنسبة إلى أمن الطاقة والاقتصاد العالمي.
كان النفط أبرز ما نقل الحرب إلى الاقتصاد العالمي، فقد ارتفع سعر البرميل من نحو 2.90 دولار قبل الحظر النفطي عام 1973 إلى 11.65 دولاراً في يناير 1974، أي ما يقارب أربعة أضعاف خلال أشهر قليلة. ومنذ ذلك الوقت أصبح أمن الطاقة جزءاً أساسياً من حسابات القوى الكبرى.
تعزز الحضور الأميركي في المنطقة عبر الدبلوماسية وإدارة الأزمات إلى جانب القوة العسكرية. ثم جاءت الثورة الإيرانية عام 1979، فتحولت إيران من حليف رئيسي لواشنطن إلى خصم استراتيجي، وتلتها الحرب العراقية الإيرانية، ثم غزو الكويت وحرب الخليج عام 1991، لترتبط حماية الخليج بصورة أكبر بأمن الاقتصاد العالمي وممرات النفط.
وفي نهاية الحرب الباردة انهار الاتحاد السوفيتي وبقيت الولايات المتحدة القوة الأكثر نفوذاً، لكن هجمات 11 سبتمبر 2001 أعادت رسم الأولويات الأميركية، ثم جاء غزو العراق عام 2003 ليطلق سلسلة من التحولات التي تجاوزت العراق نفسه.
أدى انهيار مؤسسات الدولة والصراع الداخلي إلى فراغات استغلتها الجماعات المسلحة والتنظيمات المتطرفة. وتشير تقديرات مشروع تكاليف الحرب في جامعة براون إلى أن حروب العراق وسوريا بين 2003 و2023 أودت بحياة 550 إلى 580 ألف شخص، بينما بلغت الكلفة الأميركية المقدرة نحو 1.79 تريليون دولار، وترتفع إلى نحو 2.89 تريليون دولار عند احتساب الرعاية المستقبلية للمحاربين القدامى.
ومن هذه البيئة تطورت الجماعات المتطرفة، وصولاً إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، الذي سيطر عام 2014 على مساحات واسعة من العراق وسوريا، مستفيداً من ضعف المؤسسات والحرب السورية والانقسام الطائفي.
ثم جاءت احتجاجات 2011، التي عُرفت بالربيع العربي، لتفتح فصلاً جديداً. بدأت بمطالب سياسية واجتماعية واقتصادية، لكنها تحولت في بعض الدول إلى صراعات مفتوحة. وكانت ليبيا أحد أوضح الأمثلة.
فقد تحولت الاحتجاجات الليبية إلى حرب وتدخل عسكري دولي انتهى بسقوط نظام معمر القذافي، لكن سقوط النظام لم ينتج استقراراً سياسياً، بل فتح الباب أمام انقسام أمني وسياسي وصراع طويل على السلطة والثروة النفطية.
وكانت الطاقة في قلب الأزمة. فقبل الحرب كانت ليبيا تنتج نحو 1.7 مليون برميل يومياً، وكان نحو 85 في المئة من صادراتها النفطية يتجه إلى أوروبا. ومع اندلاع الصراع تراجع إنتاج النفط والغاز بنحو 60 إلى 90 في المئة وفي السنوات التالية أصبحت الحقول والموانئ النفطية نفسها أدوات ضغط في الصراع السياسي، لتقدم ليبيا نموذجاً واضحاً لكيف يمكن أن تتحول الثروة النفطية من مصدر للدخل إلى ورقة في الصراع على السلطة.
لم تكن ليبيا حالة منفردة، ففي سوريا واليمن أيضاً تحولت الأزمات الداخلية إلى صراعات إقليمية ودولية، ووجدت الجماعات المسلحة مساحة أكبر للحركة. وفي المقابل، اضطرت الولايات المتحدة إلى العودة عسكرياً لمحاربة داعش، بعدما حاولت تقليل انخراطها في الحروب الطويلة.
وبالتوازي، كانت روسيا تستعيد دورها كقوة عسكرية وجيوسياسية، بينما كانت الصين تصعد اقتصادياً واستراتيجياً. ثم جاءت الحرب الروسية الأوكرانية عام 2022 لتعيد الطاقة إلى قلب المنافسة الدولية.
هذه المرة لم يكن الصراع على النفط فقط. الغاز وخطوط الأنابيب والموانئ والعقوبات وسلاسل الإمداد أصبحت أدوات جيوسياسية. وأدى تراجع إمدادات الغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب إلى أوروبا بنحو 80 مليار متر مكعب إلى أزمة طاقة واسعة، أثرت في الأسعار والصناعة وأمن الطاقة الأوروبي.
ثم جاء أكتوبر 2023.
أعاد هجوم السابع من أكتوبر والحرب التي تلته الشرق الأوسط إلى مركز الاهتمام الدولي، لكن في عالم مختلف عن عالم 1973. لم تعد الحرب محصورة بين دول وجيوش نظامية، بل دخلت إليها المسيّرات والصواريخ الدقيقة والجماعات المسلحة والحرب السيبرانية والمعلوماتية، إلى جانب الصراع على الممرات البحرية والبنية التحتية للطاقة.
ومع اتساع الصراع إلى لبنان واليمن والعراق وسوريا وإيران، أصبح من الصعب الفصل بين الحرب الإقليمية والتنافس الدولي، وبين الأمن العسكري وأمن الطاقة والملاحة.
وهنا تبرز أزمة مضيق هرمز في 2026.
قبل الحرب كان يمر عبر المضيق نحو 20 في المئة من إمدادات النفط العالمية. ومع تصاعد المواجهة تراجعت حركة الملاحة بصورة حادة؛ ففي 8 سبتمبر لم تعبر المضيق سوى ست سفن تجارية، مقابل متوسط بلغ 12 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة.
وفي اليوم التالي اقترب خام برنت من 100 دولار للبرميل، مسجلاً نحو 99.49 دولاراً، فيما وصل الخام الأميركي إلى نحو 94.63 دولاراً. ولم تعد المخاوف مرتبطة بالسعر فقط، بل باحتمال استمرار اضطراب أحد أهم ممرات الطاقة والتجارة في العالم.
ولم تتوقف التداعيات عند النفط، إذ تجاوزت أسعار الغاز الأوروبية 75 يورو لكل ميغاواط/ساعة مع تراجع صادرات الغاز الطبيعي المسال من الشرق الأوسط.
هنا تلتقي نقطة البداية بالحاضر.
في 1973 استُخدم النفط للضغط السياسي، فانتقلت الحرب إلى الاقتصاد العالمي. وفي 2026 أصبح الممر الذي ينقل النفط نفسه جزءاً من الصراع. وبين الحالتين تغيرت أدوات الحرب، لكن بقيت الحقيقة الأساسية: الطاقة ليست مجرد سلعة، بل قوة استراتيجية.
لكن العالم تغير أيضاً.
في 1973 كان النظام الدولي محكوماً بقطبين واضحين: واشنطن وموسكو. أما في 2026، فالقوة موزعة بصورة أكثر تعقيداً بين الولايات المتحدة والصين وروسيا والاتحاد الأوروبي وقوى إقليمية متعددة. وأصبحت المسيّرات والصواريخ والأقمار الصناعية والحرب السيبرانية أدوات أساسية، إلى جانب الجيوش التقليدية.
لذلك لا تعني المقارنة بين أكتوبر 1973 وأكتوبر 2023 أن التاريخ يعيد نفسه، بل تكشف كيف تغيرت قواعد اللعبة.
الأول كشف أن النفط يستطيع تغيير السياسة الدولية، والثاني كشف أن أمن الطاقة لم يعد مرتبطاً بمصدر النفط وحده، بل بالممرات التي تنقله، وبالقدرة على حمايتها في عالم تتداخل فيه الحروب الإقليمية مع صراع القوى الكبرى.
وبين أكتوبر الأول والثاني مر العالم بالثورة الإيرانية، والحرب العراقية الإيرانية، وحرب الخليج، ونهاية الحرب الباردة، و11 سبتمبر، وغزو العراق، والربيع العربي، وليبيا وسوريا واليمن، وصعود داعش، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، وصولاً إلى المواجهة الأميركية الإيرانية وأزمة هرمز.
خلال أكثر من خمسين عاماً تغير الشرق الأوسط والعالم، لكن الطاقة بقيت حاضرة في قلب التحولات.
من نفط 1973 إلى هرمز 2026، لم تعد حرب الطاقة مجرد نتيجة للحرب؛ في كثير من الأحيان أصبحت جزءاً من الحرب نفسها.
وربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس من ينتصر في حرب بعينها، بل: هل يستطيع العالم منع صراع على الطاقة من التحول إلى أزمة عالمية، في نظام دولي لم يعد يملك مركزاً واحداً للقرار؟
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا