Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا اقرأ على الموقع الرسمي

حرب الريف وحكاية أول "صورة بورتريه" للأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي

هسبريس

على خلفية حائط أجرد أبيض اللون في مكان قليل الإضاءة، يجلس بثقة على كرسي خشبي بسيط بذراعين، يداه متشابكتان تحت سطح طاولة خشبية صغيرة بلا أرفف، أوراق ومحبرة على اليمين..

يضع بأريحية جلبابا ريفيا فضفاضا وقصيرا مع “قب” واسع وأكمام طويلة وعمامة على الرأس.. عيناه ثاقبتان، اتجاه نظراته للأفق وملامحه هادئة وتعابير وجهه توحي بالسكينة مع انزعاج وتوجس خفيف. إيماءات الجسد والرأس الثابت والجلوس المستقيم يوحي بروح متوثبة وبشخصية واثقة من نفسها، قوية وعازمة ومتحدية.

على ما يبدو هو في مكتب عمله البسيط، حيث ينزوي باستمرار داخل منزله منفردا ليعد ويدون الرسائل التي يبعثها لمختلف الجهات، وليقرأ آخر الأخبار التي ترد إليه من مختلف الجبهات الحربية، وليكتب مراسلات لمختلف المسؤولين بخصوص تدبير الشؤون العامة. إنها أشهر وأول صورة حقيقية من قلب الريف تقدم للرأي العام الإسباني منذ الانتصار التاريخي للمجاهدين بأنوال. وتوفق المصور في التقاط مشاعر لحظة تاريخية متجسدة في النظرة المعبرة للأمير الخطابي وقسمات وجهه التي تحمل العديد من الرسائل.

نجح المصور ألفونسو بورتيلا ذو 19 عاما المعروف بألفونسيتو، بعد جهد جهيد، في الحصول على أول صورة بورتريه للأمير الخطابي وهو جالس على طاولة، حيث رفض الأمير الخطابي مرارا خلال مقابلته مع الصحفي لويس دي أوتيزا (Luis De Oteyza) أخذ صورة بورتريه له.

تأتي الصورة في سياق تمكن الجيش الإسباني من استرجاع بعض معنوياته بعد نجاح عملية “الاسترداد” (la reconquista) حيث تمكن ما بين سبتمبر 1921 ويناير 1922من استرجاع معظم الأراضي التي فقدها في الريف الشرقي (الناظور، سلوان، العروي، الدريوش). لكن الرأي العام الإسباني والصحافة وعائلات الأسرى كان تضغط بقوة لمعرفة حال الأسرى المتواجدين لدى الأمير الخطابي والتفاوض لإعادتهم إلى إسبانيا؛ وقد وجهت عائلات الأسرى عدة ملتمسات إلى الملك ألفونسو الثالث عشر للتدخل قصد إطلاق سراحهم.

ولهذه الصورة حكاية مثيرة، في يوليوز 1922 وفي عز الحرب وبشكل سري وبعيدا عن أعين العسكريين الإسبان، خطط فريق صحفي مكون من لويس دي أوتيزا ( Luis de Oteyza ) مدير تحرير جريدة “الحرية” (la Libertad) ومصوران صحافيان هما ألفونسو سانشيز بورتيلا “Alfonso Sánchez Portela” ودياز كاسارييغو ( Díaz Casariego ) للقيام بمغامرة محفوفة المخاطر وتحقيق سبق صحفي غير معهود في صحافة التحقيق في بداية العقد الثالث من القرن العشرين، عبر تحدي القدوم إلى مقر القيادة العسكرية العامة للمجاهدين بأجدير لإجراء أول مقابلة صحفية مع الأمير الخطابي، والتحدث مع الأسرى والاطلاع على ظروف عيشهم.

أبحروا من إسبانيا إلى وهران لترتيب الاتصالات الأولية مع محيط الأمير، وانتقلوا إلى وجدة للتفاوض حول تفاصيل لقاء الأمير، لكن بعض العسكريين الفرنسيين ارتابوا من نزولهم بوجدة، واكتشفوا مخططهم، ما اضطرهم إلى السفر لمليلية، وهناك سيضطرون لتغيير مخططهم ونجحوا في السفر بحرا للحسيمة في المركب المكلف بإيصال المؤن الغذائية للأسرى العسكريين بأجدير.

وفي 24 يوليوز انطلق المركب متجها نحو شاطئ السواني بالحسيمة، وبمجرد وصوله صعد قائد البحرية حدو بن علي لمعلم لتلقي المؤن، واستغل أوتيزا اللحظة المناسبة وبخفة سلم مجموعة رسائل موجهة إلى كل من الأمير وعبد السلام الخطابي ومحمد أزرقان، متفقا معهم على أنهم سيعودون بعد ثلاثة أيام وسينتظرونهم ليلا في خليج الحسيمة، وعليهم أن يكونوا في قارب وهم يحملون علما أبيض.

قام أوتيزا بمعية ألفونسو بكراء زورق آلي بمليلية مع بحار يجيد الملاحة، لكن بمجرد اقترابهم من الشاطئ تم قصفهم من قبل زورق إسباني لخفر السواحل، واضطروا لمغادرة المكان وإلغاء الخطة. وعند دخول الصحافيين إلى الفندق بمليلية سيجدان المصور خوسي دياز كاسارييغو ليخبرهما بأن أخبارا منتشرة بمدريد تتحدث عن مخطط صحفيين للانتقال سرا لمقابلة الأمير الخطابي.

لم يستسلم أوتيزا، وسيتجه إلى الجنرال بورغيتي (Burguete) بمليلية، الذي كان يراهن على الحل السلمي وضد الحملات الحربية بالريف، ليطلعه على مخططه، وناشده بأن يطلب من مراكب المراقبة عدم قصفهم هذه الليلة، حين يقتربون من شاطئ السواني بالحسيمة.. سيوافق الجنرال على الأمر وسيرافقه في الرحلة كل من ألفونسيتو وخوسي دياز.

بصعوبة شديدة، وبعد أكثر من ثلاثة أيام المتفق عليها، نجحوا في الوصول إلى نقطة الالتقاء المتفق حولها، لكن لم يسمح البحارة الريفيون المكلفون بالشاطئ إلا لأوتيزا بالنزول من المركب، وبعد مفاوضات لساعات تم السماح للمصورين بالنزول أيضا.. في تلك الليلة تمت استضافتهما بمنزل السيد لمعلم المسؤول الأول عن البحرية. لم ينم المصوران وحتى أوتيزا لم يغمض له جفن إلا بعد تناول مهدئات، لقد كانوا قلقين وخائفين مما ينتظرهم غدا.

في اليوم الأول 30 يوليوز 1922، وبمنزل امحمد الخطابي، أخ الأمير، التقى الفريق الصحافي بمجموعة من كبار المسؤولين (محمد أزرقان، الرايس لمعلم، عبد الكريم بن صيام، محمد كيخوطي…)، فتبادلوا أطراف الحديث في مواضيع شتى وفي جو مريح كان فيه أوتيزا ينفث الدخان من غليونه على رشفات فنجان قهوة رفيعة شبيهة بتلك الموجودة في أرقى الصالونات بإسبانيا. كان امحمد الخطابي من يجيب عن جل الأسئلة التي كان بعضها محرجا وهمت: المفاوضات بخصوص الأسرى، صلاحيات رئيس “جمهورية الريف” وصلاحيات الوزراء والجمعية الوطنية وعلاقة الريف بإسبانيا ومصير الجنرال سلفستري.

في اليوم الثاني، فاتح غشت، وفي منتصف النهار وفي حرارة شديدة، ورفقة محمد أزرقان، التقى الفريق الصحفي بكل أريحية بالأسرى وأخذ صورا مع العديد منهم بمن فيهم الجنرال نافارو ) (Navarro والطياران فلورينسيو ( Florencio ) وغارسيا دي لا بينيا ( Garcia de la pena ) اللذان كانا يعتبران ضمن الموتى؛ وقام بتوثيق الشروط التي يعيش فيها الأسرى، الذين حاولوا إمدادهم برسائل لعائلاتهم دون جدوى، فالتعليمات كانت صارمة بهذا الخصوص.

في اليوم الثالث أي 2 غشت 1922 رافقتهم مجموعة من المجاهدين واستقبلهم قائد الحرس الشخصي للأمير سي بنحدو، وبرفقته حارسان يحملان بنادقهما وسيمرون أمام حراس لديهم سيوف صغيرة ثم سيدخلون غرفة كبيرة، وهنا سيعرف أوتيزا أنه أمام الأمير الخطابي.

لا يوجد في الغرفة غير الطاولة والكرسي وجدران بيضاء وزربية حمراء وبيضاء.. يشير رئيس الحرس إليهم بالجلوس على ثلاثة كراس مرتبة في صف واحد على بعد أربعة أمتار من مكتب الأمير.

فضلا عن الفريق الصحفي هناك في الغرفة ستة أشخاص في اليمين، أربعة حراس بنادقهم منتصبة ومتوثبون للتدخل في أي لحظة، ورئيس الحرس يقف جامدا خلف الأمير قبضته على مسدسه وفي الباب الأمامي يقف السيد أزرقان. يرحب الأمير بضيوفه ويسألهم عن صحتهم وأسرهم وعن أجواء السفر. بدأت المقابلة ولاحظ الأمير أن أوتيزا يدون ما يقوله فبدأ يتحدث ببطء حتى لا يفوته أي شيء، شكره أوتيزا بإيماءة رقيقة فرد عليه الأمير بابتسامة. وقد أخبر محمد أزرقان أوتيزا بأنه لم ير الأمير يبتسم منذ مدة طويلة.

تناولت المقابلة مواضيع شتى منها: استعداد الأمير للسلم مع إسبانيا، طبيعة نظام الحماية، علاقته بسلفستري وحقيقة صفعته، سجنه بمليلية ومحاولة الفرار، حرب الغازات السامة، شروط إطلاق الأسرى…

وحين هم أوتيثا بإغلاق الدفتر الذي دون فيه مقابلته، سأله الأمير ألديك أسئلة أخرى؟ أوتيزا يجيب: أنا رهن إشارتكم سيدي، ويرد عليه الأمير: أعتقد حتى وإن كان هذا لا يجب أن يقال فإن إسبانيا لا يناسبها خوض حرب لا تنتهي، وإذا استمرت على هذا الشكل فستأتي كارثة أخرى. أوتيزا يطرح سؤالا أخيرا: هل يمكن لكم سيدي أن تؤكدوا لي أنكم مستعدون لتستقبلوا بينكم للأسبان للتعاون معكم على تنمية رخائكم؟ جواب الأمير: نعم أكدت ذلك وأكرره. يسأله أوتيزا: هل يمكنكم أن توقعوا لي على ما قلتم الآن؟

يعود الأمير إلى مكتبه ويأخذ ريشته ويكتب في ورقة ما يلي: “أبواب الريف مفتوحة لكل المواطنين الإسبان كما كان مفتوحا لمدير جريدة “الحرية”، أجدير 2 غشت 1922.. سلم الأمير له الورقة مبتسما: هل مازلت تريد شيئا؟ نعم سيدي أريد أن تسمح لرفاقي أن يأخذوا لكم صورة بورتريه؟ يرد عليه الأمير: لا يمكنني، لا يمكن، حقا أنا لا أستطيع، ليس لحكم مسبق سياسي أو ديني، إنها مسألة أخرى، مستحيل مستحيل.

المصوران ألفونسيتو ودياث بقيا في مكانهما جامدين وصامتين، وفجأة تحركا يريدان الكلام، يشير إليهما أوتيزا بعدم التدخل. يعود أوتيزا ليتحدث مع الأمير: “أنا مصر على أخذ الصورة لأن في ذلك مصلحة لك ولي. أنا لدي أعداء يمكن أن يدعوا أن هذه المقابلة مختلقة وغير حقيقية، وبالنسبة لك أنت تعلم بالفعل أن حكامنا أشاعوا عنك أنك مجروح. يجب دحض ذلك ليراك الشعب الإسباني بجانبي في وضعية وصحة جيدة، ليعرف كيف تم خداعه”. أخيرا قبل الأمير وسمح لهما بالاقتراب: حسنا تعالا إلي هنا.

يتجه ألفونسو ودياز إلى الباب لبدء أخذ الصور، بن حدو قائد الحرس يتتبع بخفة وتركيز شديد كل الحركات والخطوات داخل الغرفة. تم أخذ مجموعة صور للأمير بدون أي صعوبة، لكن أثناء أخذ صورة الأمير مع أوتيزا كان مسدس بن حدو موجها إلى رقبة الأخير (الصورة الثانية).

ويقول أوتيزا عن هذه الواقعة: “لم ألاحظ ذلك. ولكن حتى لو كنت قد لاحظت ذلك فلن أتحرك، لم يكن بالإمكان إفساد مثل هذا الصورة القيمة بسبب مثل هذا الأمر التافه”. يتحدث المصور ألفونسو عن هذه اللحظة: “قمت بتجهيز آلتي. لم يكن هناك ضوء من أجل الصورة، أردت استعمال المغنسيوم (يعطي وميضا قويا عند اشتعاله في الهواء) ولكني انتبهت ولاحظت وأنا خائف أن قائد الحرس سحب مسدسه ووجهه خفية نحو رأس أوتيزا. إذا أطلقت الوميض (الفلاش) سيعتقد الحارس أنها طلقة سلاح وسيطلق علينا الرصاص. لهذا عدلت عن الفكرة وقررت الاكتفاء بالضوء الطبيعي. اخترت مكانا مناسبا بالغرفة، وأخذت خمس صور لمحمد عبد الكريم الخطابي”.

عند وداعهم، وعلى عادة أهل الريف، قدم لهم الأمير كتذكار هدية لكل منهم عبارة عن سيف صغير متقن الصنع ومزخرف (الصورة الثالثة).

جرت المقابلة في جو ودي وطرح فيها أوتيزا بدون خوف مجموعة أسئلة مباشرة حول مرحلة سجنه بمليلية ومشروعه السياسي المتعلق بالجمهورية الريفية وإمكانية السلام مع إسبانيا وموقفه من الأسرى الإسبان بالريف وحرب الغازات السامة.

ولمدة ثلاثة أيام كان بإمكان الفريق الصحفي التجول بأجدير وضواحيها بكل حرية دون أن يتعرضوا لأي مضايقات أو عنف لفظي، واستطاعوا تصوير شاطئ السواني والتقاط عدد من الصور نشر منها 16 صورة في كتاب أوتيزا تحت عنوان: “عبد الكريم والسجناء” والصادر في 1924.

بعد المقابلة غادروا ليلا على متن قاربهم شاطئ السواني بالحسيمة، وشكروا القايد لمعلم على حفاوة الاستقبال والعناية بهم طوال مقامهم بأجدير. كان البحر هادئا، دلهم لمعلم على طريق آمن لتجنب مدافع العدو في الجزيرة، بدؤوا في الإبحار بهدوء، وفجأة سمعوا صراخ بعض عناصر الحرس البحري الريفي فشعروا بخوف شديد، اندفعوا بسرعة في البحر يسبحون وحين وصلوا للقارب سلموا للفريق الصحفي مسدساتهم التي كانوا قد احتجزوها عندهم عند قدومهم للريف.

نجح الفريق في الحصول على صور بورتريه للأمير الخطابي وفي إجراء أول مقابلة حصرية معه، ونشرت جريدة “لاليبرتاد” التحقيق الصحفي يوم 8 غشت 1922 ما جعل أوتيزا في مصاف رائد صحافة التحقيق الميداني المصور والكاتب الصحفي البولندي ريتشارد كابوتشينسكي (Kapuściński )، ويدشن بداية قطيعة ثورية مع الصحافة الإسبانية التقليدية.. لقد نجح في التعريف بالأمير الخطابي “عدو الإسبان” كما هو في حقيقته وليس كما هو متخيل. وكان للتحقيق الصحفي دور مهم في التحسيس بقضية الأسرى الإسبان وضرورة البحث عن حلول دبلوماسية لقضية حرب الريف بعيدا عن الخيار العسكري، ما أثر في توجيه جزء مهم من الرأي العام الإسباني ضد الحكومة الإسبانية وكبار العسكريين الإسبان.

خلقت الصورة والمقابلة جدلا واسعا بإسبانيا، نظرا لأن المفوض السامي لإسبانيا بالمغرب كان قد منع الصحافة من تغطية العمليات العسكرية والقيام بتحقيقات صحفية بخصوصها، مخافة التأثير النفسي على المعنويات العسكرية. وتحولت الصورة لإحدى إيقونات حرب الريف، وأثارت سخط وغضب كبار العسكريين والمسؤولين الإسبان؛ فأخيرا ظهرت الصورة الحقيقية للأمير الخطابي كرجل سياسي مسؤول ومتيقظ ومطلع بشكل جيد على مجريات الأمور في محيطه الوطني والدولي. وكان الأمير الخطابي العدو الأول لإسبانيا ويوصف بـ”المجرم” و”المتوحش” و”المتعصب”، ونجح أوتيزا في إبراز صورة مضادة للصورة السلبية السائدة لدى الإسبان عن هذه الشخصية، فلم تحضر صورة “المقاتل الشرس” و”زعيم القبائل المتوحشة التي تقطع رؤوس الأسبان بلا رحمة وتحتجزهم في أوضاع لا إنسانية…”، بل صورة زعيم سياسي له القدرة على المحاججة والنقاش والإقناع والكشف عن زيف الرسالة الحضارية للإسبان المتجسدة في الطائرات التي تقصف النساء والأطفال الأبرياء بالغازات السامة.

*أستاذ جامعي ومؤلف كتاب “حراك الريف ديناميات الهوية الاحتجاجية”

The post حرب الريف وحكاية أول "صورة بورتريه" للأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

July 25th 2021, 6:38 am
اقرأ على الموقع الرسمي

0 comments
Write a comment
Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا