فضيحة استخباراتية وتقصير فادح للجيش الإسباني في سبتة
ميدل ايست اونلاين
فضيحة استخباراتية وتقصير فادح للجيش الإسباني في سبتة
كشفت صحيفة "إل موندو" الإسبانية، في 11 سبتمبر/أيلول، وثيقة جديدة تتعلق بأحداث سبتة المحتلة، تتجاوز في خطورتها مجرد إضافة تقرير آخر إلى ملف الأزمة يؤكد تقصير الجانب الإسباني.
فالوثيقة تتعلق باعتراضات نفذها الفوج 32 للحرب الإلكترونية التابع للجيش الإسباني (REW-32) لاتصالات بين عناصر مغربية مكلفة بالمراقبة الحدودية وقياداتها يوم 27 يوليو/تموز، أي قبل أحداث 30 يوليو/تموز بثلاثة أيام، وكانت تتحدث بوضوح عن احتمال وقوع "دخول جماعي" إلى سبتة برا أو بحرا بالتزامن مع عيد العرش.
المفارقة الأولى أن عملية التجسس نفسها أنتجت دليلا لصالح المغرب. فالمحادثات التي التقطتها وحدة الحرب الإلكترونية الإسبانية لم تتضمن أمرا بالانسحاب أو غض الطرف، بل تعليمات برفع حالة التأهب، وعدم مغادرة المواقع، والإبقاء حتى على العناصر التي أنهت نوبتها في حالة استعداد، مع التحسب لمحاولات عبر السياج أو البحر. كما أشارت إلى معلومات لدى القوات المسلحة الملكية المغربية بشأن دعوات منتشرة على شبكات التواصل وإلى ضرورة الاستعداد خلال ليلة عيد العرش ويومه.
هذا المعطى يطرح أيضا مشكلة ثقة بين بلدين تصفهما مدريد باستمرار بالشريكين الاستراتيجيين في مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية. فقد اتضح أن وحدة عسكرية إسبانية متخصصة في استخبارات الإشارة كانت تعترض اتصالات أمنية مغربية عملياتية، وهو أمر ازدادت حساسيته بعدما عبرت مصادر عسكرية إسبانية عن انزعاجها من كشف قدرات التنصت على الطرف المغربي. والأكثر إحراجا أن ما كشفه هذا الاعتراض لم يكن تحركا مغربيا ضد إسبانيا، بل استعدادا مغربيا لمنع الخطر الذي سيصبح المغرب لاحقا موضوعا لفرضيات حول "السلبية" والتساهل.
ولم يبدأ الاستباق المغربي يوم 27 يوليو/تموز. فقد كشف مسؤول مغربي رفيع بوزارة الخارجية لاحقا أن الرباط بدأت منذ 22 و23 يوليو/تموز مناقشة تداعيات حكم المحكمة العليا رقم 814/2026 مع الجانب الإسباني، بعدما بدأت شبكات التواصل في استغلاله، ونبهت مدريد إلى أن تأويل الحكم سيخلق مشكلة ميدانية.
لكن التحرك المغربي سبق حتى هذا التحذير، إذ وثق المجلس الوطني لحقوق الإنسان منذ يونيو/حزيران اعتراض مرشحين للهجرة وإحباط محاولات عبور، ثم تشديد المراقبة الأمنية في الفنيدق وتعزيز الانتشار في النقاط الحساسة، قبل أن تتواصل وتتوسع عمليات المنع والإحباط طوال يوليو/تموز وخلال أحداث 30 و31 يوليو/تموز وما بعدها.
الأرقام الإسبانية نفسها سجلت 1,429 عملية اعتراض نفذتها القوات المغربية بين 20 و26 يوليو/تموز، ثم 493 اعتراضا من أصل 1,109 محاولات سباحة خلال الساعات الممتدة من صباح 29 إلى صباح 30 يوليو/تموز. بذلك يصبح ما التقطه الجيش الإسباني تأكيدا استخباراتيا من الداخل لما كانت الوقائع الميدانية تثبته أصلا.
الفضيحة الحقيقية تبدأ من الطريقة التي تعاملت بها المؤسسة العسكرية الإسبانية مع هذه المعلومة. فقد أحيلت اعتراضات الفوج 32 للحرب الإلكترونية إلى قسم الاستخبارات والأمن بمديرية العمليات التابعة لهيئة أركان الجيش الإسباني، ومنها إلى مركز استخبارات القوات المسلحة (CIFAS)، الذي أعد تقييما في 27 يوليو/تموز اعتبر احتمال وقوع دخول جماعي يوم 30 يوليو/تموز "مرجحا جدا". ومع ذلك، لم يصل التقرير إلى رئيس أركان الدفاع (JEMAD) إلا صباح 30 يوليو/تموز، ثم إلى وزيرة الدفاع مارغريتا روبليس، بعدما أصبحت إمكانية الوقاية قد استبدلت عمليا باستجابة متأخرة للأحداث. مصادر عسكرية وصفت هذا التأخير بأنه "خطير جدا وغير مفهوم".
هنا لم تعد إسبانيا أمام غياب للتحذير، بل أمام تقصير فادح في استثمار تحذير دقيق كان موجودا داخل مؤسستها العسكرية. وتفتح مدة التأخير تساؤلا مشروعا حول ما إذا كان الأمر مجرد اختلال خطير في سلسلة القيادة أم أن المعلومة تعرضت لتعطيل متعمد. بعض المراقبين الإسبان ذهبوا أبعد من ذلك في الحديث عن مسؤولية مؤسساتية تمس واجب حماية الأمن الإسباني نفسه، وهو ما يجعل تحديد من تلقى التقرير ومتى ولماذا تأخر رفعه مسألة تتجاوز الخلاف السياسي إلى ضرورة التحقيق.
وتزداد القضية خطورة لأن هذه المادة الأساسية لا تظهر ضمن الوثائق الأربعين التي رفعت الحكومة الإسبانية السرية عنها وقدمتها للرأي العام باعتبارها وسيلة لإعادة بناء ما كانت تعرفه مؤسسات الدولة ومتى عرفته. الملف المنشور لا يظهر فيه إنذار REW-32 الأصلي المؤرخ في 27 يوليو/تموز بالصورة التي كشفتها "إل موندو"، فيما يظهر أول منتج منشور للوحدة يوم 30 يوليو/تموز. وبذلك يصبح ملف رفع السرية نفسه ناقصا في واحدة من أكثر النقاط حساسية لتحديد المسؤولية.
ويعيد هذا الكشف أيضا ترتيب قصة "الإنذار المبكر" الذي وجهه المركز الوطني للاستخبارات الإسباني (CNI) إلى المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني (DGST) والمديرية العامة للدراسات والمستندات (DGED) مساء 29 يوليو/تموز. فقد وصل التنبيه الإسباني عند 18:26، أي قبل ساعات فقط من الأحداث، بينما كان المغرب قد حذر مدريد قبل ذلك بأيام، وتحرك ميدانيا، وكانت المؤسسة العسكرية الإسبانية نفسها تتوفر منذ 27 يوليو/تموز على معلومات مأخوذة من الاستنفار المغربي، ما يعني أن مدريد كانت هي الطرف المتأخر في رفع واستثمار المعلومات التي كانت متوافرة لديها.
الأكثر تناقضا أن مركز استخبارات القوات المسلحة نفسه، الذي وصلت إليه المادة الأصلية، عاد يوم 30 يوليو/تموز ليصف أداء المغرب بأنه "مهمل وسلبي"، ويطرح فرضيات سياسية مرتبطة بزيارة بيدرو سانشيز إلى الجزائر، رغم أن المعلومات المباشرة التي امتلكها قبل ثلاثة أيام كانت توثق استعدادا مغربيا وتعليمات واضحة بالاستنفار والمنع. هنا تصبح المشكلة أعمق من اختلاف في التقدير، لأنها تضع المادة الاستخباراتية الخام في مواجهة تفسير سياسي لاحق لم يقدم دليلا على وجود قرار مغربي بالتساهل.
إن المطلوب اليوم هو كشف السلسلة الإسبانية كاملة. من تلقى اعتراضات 27 يوليو/تموز، ومن احتفظ بها، ولماذا لم تصل إلى أعلى القيادة في الوقت المناسب، ولماذا غابت مادتها الأصلية عن ملف رفع السرية، وكيف انتهت مؤسسة امتلكت دليلا على استباق المغرب إلى إنتاج تقديرات لاحقة تشكك في أدائه. هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كانت إسبانيا أمام تقصير استخباراتي فادح، أم أمام تأخير متعمد قد يجعل الفضيحة أكبر بكثير من أحداث سبتة نفسها.
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا