Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا اقرأ على الموقع الرسمي

كيف تتبدّل ملامح الحقيقة في عصر الإيهام؟

ميدل ايست اونلاين

كيف تتبدّل ملامح الحقيقة في عصر الإيهام؟

فائض المعلومات يصير جزءاً من المشكلة نفسها، تصل الأخبار لحظة وقوعها، وتسبق الصور أحياناً معرفة ما جرى، ثم تتدفق التعليقات قبل أن تتّضح التفاصيل.

هل هناك حقيقة ثابتة في عالم يتغيّر بهذه السرعة؟ وهل ما نراه حقيقة اليوم يمكن أن يبدو لنا غداً بصورة مختلفة؟ ماذا يحدث للحقيقة حين تختلط المفاهيم والمعايير، وتلتبس التفاصيل، وتتداخل الوقائع مع تأويلاتها؟ وكيف يمكن الوصول إليها وقد أصبح لكلّ حادثة أكثر من رواية، ولكلّ رواية شهودها وأدلّتها والمدافعون عنها؟

تبدو هذه الأسئلة ملحّة اليوم، وقد صار فائض المعلومات جزءاً من المشكلة نفسها. تصل الأخبار لحظة وقوعها، وتسبق الصور أحياناً معرفة ما جرى، ثم تتدفق التعليقات قبل أن تتّضح التفاصيل. ومع هذا الفيض يجد المرء نفسه أكثر حيرة، كأنّ كثرة ما نعرفه قد تجعل الطريق إلى المعرفة أكثر تشعّباً. فالإنسان الذي عانى طويلاً من صعوبة الوصول إلى المعلومة أصبح يواجه مأزقاً معاكساً: كيف يعرف أيّ معلومة تستحق ثقته؟

لقد تغيّرت علاقتنا بالحقيقة لأن الوسائط التي تصل من خلالها إلينا تغيّرت أيضاً. كانت الصورة تمنحنا شعوراً بأننا أمام أثر مباشر لشيء وقع فعلاً، وكان الفيديو يضيف إلى ذلك سلطة الحركة والصوت. أما اليوم، فالصورة التي تصل إلى هواتفنا تكون قد عبرت مساراً طويلاً من الاختيار والاقتطاع وإعادة النشر، وربما عادت صورة قديمة إلى الحياة تحت عنوان جديد، فاكتسبت معنى آخر لا علاقة له بلحظتها الأولى.

وهنا تبدأ لعبة الإيهام، وهي أكثر تعقيداً من الكذب المباشر، لأن الإيهام يستطيع الاستعانة بالحقيقة كي يقودنا بعيداً عنها. قد تكون الصورة حقيقية، بينما يمنحها التعليق المرافق معنى مختلفاً. وقد يكون الفيديو أصلياً، لكن المقطع يبدأ بعد لحظة كان ظهورها كفيلاً بتغيير فهمنا لما جرى. الخلل عندئذ يقع في المسافة بين ما نراه وما يُراد لنا أن نفهمه منه.

لهذا يمكن صناعة رواية زائفة من وقائع صحيحة تماماً. يكفي أحياناً أن نأخذ جزءاً من الحقيقة ونضعه تحت ضوء قوي، فيما يبقى الجزء الآخر خارج الإطار. وقد يكون أخطر الكذب ذلك الذي يُصنع من أجزاء مبتورة بعناية من الحقيقة، لأنه يصل محمّلاً بأدلته، ويمنح المتلقي شعوراً بأنه رأى بعينيه.

منحت وسائل التواصل لعبة الإيهام قدرة هائلة على الانتشار. فالمحتوى الذي يثير الانفعال يتحرك بسرعة، والخوارزميات تتعلم ما يستوقفنا ثم تعيد إلينا المزيد منه. ومع تكرار المشاهدة ينشأ شعور خفي باليقين؛ فما نراه كلّ يوم يبدأ باكتساب هيئة الحقيقة، وقد ننسى أن كثرة الظهور دليل على نجاح المحتوى في الانتشار أكثر مما هي دليل على صحته.

وهكذا أصبح كلّ واحد منا يعيش داخل نسخة منتقاة من العالم. قد يجلس شخصان في الغرفة نفسها وينظر كلّ منهما إلى هاتفه، فيرى واقعاً مختلفاً عن الآخر. الشاشة تعرف شيئاً عن ميوله السابقة، وتواصل تقديم ما ينسجم معها أو يستثيرها. وبمرور الوقت قد يشعر الإنسان أن العالم يؤكد أفكاره باستمرار، بينما يكون جزء من هذا التأكيد صدى لما اختاره من قبل.

ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليأخذ لعبة الإيهام إلى منطقة أخرى. فقد أصبحت الصورة قادرة على الظهور من دون واقعة سبقتها، وأصبح ممكناً إنتاج مشهد يمنحنا إحساساً بأنه التُقط في لحظة حقيقية. والصوت نفسه يمكن أن ينفصل عن صاحبه، فتغدو العين والأذن بحاجة إلى قدر من التحقق كانتا تمنحانه لنا في السابق.

غير أن التحول الأعمق قد يكمن في أثر هذه القدرة على الأشياء الحقيقية نفسها. كلما ازدادت الصور المصنوعة إقناعاً، أصبح من الأسهل وضع الصورة الأصلية موضع الشك. وقد يجد إنسان أمامه دليلاً حقيقياً ثم يرفضه باعتباره مولّداً بالذكاء الاصطناعي. بذلك يحقق الزيف انتصاراً مزدوجاً: يستطيع أن يتشبّه بالحقيقة، ويمنحنا في الوقت نفسه سبباً للارتياب فيها.

ولعلّ المسألة تتجاوز التكنولوجيا إلى شيء أقدم يسكن فينا، فالإنسان نفسه يعيد ترتيب ما يراه وفق خبرته ومخاوفه ورغباته. والذاكرة مثال قريب على ذلك؛ فنحن نستعيد الماضي كما استقرّ في داخلنا، وتتغيّر زاوية النظر إليه كلما تغيّرنا. قد يعود المرء بعد سنوات إلى حادثة عاشها بنفسه فيجد أن معناها أصبح مختلفاً، مع أن الحادثة بقيت في مكانها من الماضي.

حتى المفاهيم التي نظن أننا نتفق عليها تتحرك تحت أقدامنا، فالنجاح قد يُقاس عند شخص بما راكمه، فيما يراه آخر في قدرته على امتلاك وقته. والحرية التي تبدو واضحة في تعريفها سرعان ما تصبح موضع اختلاف عندما تمسّ حرية شخص آخر. نحن نختلف أحياناً حول الوقائع، وأحياناً نستخدم الكلمات نفسها بينما نعني بها أشياء متباعدة.

لهذا يبدو مهماً أن نفرّق بين تغيّر الحقيقة وتغيّر معرفتنا بها. أن نكتشف غداً أننا أخطأنا اليوم قد يعني أن جزءاً من الصورة ظلّ بعيداً عن نظرنا، أو أن السياق الذي منح الواقعة معناها لم يكن مكتملاً لدينا. وما نسمّيه حقيقة في لحظة ما قد يكون أقصى ما استطعنا معرفته عنها في تلك اللحظة.

ربما يصعب امتلاك الحقيقة كاملة، لكن يمكن إبقاء الطريق إليها مفتوحاً؛ أن نسأل قبل أن نصدّق، وأن ننظر إلى ما يقع خارج إطار الصورة، ونمنح أنفسنا فرصة لمراجعة ما اعتقدناه يقيناً حين يظهر جانب آخر من الحكاية.

فالحقيقة قد تتأخّر، وقد تُحاصر، وقد تُغطّى بطبقات من الضجيج، وقد تصل إلينا ناقصة أو مشوّهة. ومع ذلك يبقى البحث عنها واحداً من أكثر أشكال مقاومة التزييف أهمّية. فأيّ حقيقة ستبقى، في النهاية، من كلّ ما نعتقد اليوم أنّه الحقيقة؟

September 10th 2026, 1:43 pm
اقرأ على الموقع الرسمي

0 comments
Write a comment
Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا