قرقاش ردا على قطيعة الجزائر: الدبلوماسية تحتاج وضوحا لا رسائل مشفرة
ميدل ايست اونلاين
قرقاش ردا على قطيعة الجزائر: الدبلوماسية تحتاج وضوحا لا رسائل مشفرة
أبوظبي - رد المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات أنور قرقاش في تغريدة على إكس، على إعلان الجزائر الخميس، قطع العلاقات الدبلوماسية مع أبوظبي، قائلا أن "العلاقات الدبلوماسية تُدار بالعقل والتواصل ووضوح المصالح، لا بالألغاز والإشارات التي تحتاج إلى فكّ الشفرات، ولا يمكن أن تكون رهينة احتقان داخلي أو عجز عن شرح المصالح وتحديد الأولويات".
وأضاف قرقاش أن "الغموض ليس سياسة والضجيج لا يعوّض غياب الرؤية، والدبلوماسية الناجحة تقوم على وضوح المواقف وحسن إدارة المصالح والاختلافات. وما عدا ذلك ليس سوى تعبير عن قصور في الرؤية والإدارة".
ويقدم هذا التعليق رسالة سياسية توحي بأن أبوظبي ترى أن الموقف الجزائري لم يُبنَ، على شرح واضح للمصالح أو إدارة هادئة للخلاف، بل جاء محكوماً بحسابات داخلية أو ضغوط سياسية. كما أن الإشارة إلى "احتقان داخلي" و"عجز عن شرح المصالح" تلمح إلى أن القرار الدبلوماسي قد يكون مرتبطاً باعتبارات داخلية وليس فقط بخلاف في السياسات الخارجية.
وكانت الجزائر قد اعلنت في وقت سابق قطع العلاقات مع الإمارات في خطوة تمثل تصعيداً كبيراً في مسار التوتر بين البلدين، وقال التلفزيون الرسمي الجزائري إن القرار جاء بعد ما وصفته السلطات بـ"استنفاد جميع الوسائل الكفيلة بالحفاظ على العلاقات الثنائية"، بينما يرجح المتابعون لمسار العلاقات بين البلدين أن الجانب الجزائري انتهج التصعيد ضد أبوظبي بسبب موقفها الداعم لمغربية الصحراء.
ولم تقدم الجزائر، في الإعلان الأول عن القرار، تفاصيل تحدد الأسباب المباشرة التي دفعتها إلى إنهاء العلاقات، فيما يأتي القرار بعد فترة من التوتر السياسي والإعلامي بين البلدين، شهدت توجيه انتقادات جزائرية متكررة إلى أبوظبي واتهامها بـ"لعب أدوار" اعتبرتها الجزائر مضرّة باستقرار المنطقة.
ويبدو أن أحد أبرز مفاتيح فهم التصعيد الجزائري تجاه الإمارات يرتبط بموقف أبوظبي من قضية الصحراء المغربية، التي تمثل منذ عقود ملفاً مركزياً في الخلاف الجزائري المغربي، فقد اتخذت الإمارات في نوفمبر/تشرين الثاني 2020 خطوة ذات دلالة سياسية كبيرة عندما افتتحت قنصلية عامة في مدينة العيون، لتصبح أول دولة عربية تفتح تمثيلية دبلوماسية في الأقاليم الجنوبية للمملكة. وأكدت الخارجية الإماراتية لاحقاً أن افتتاح القنصلية في العيون يمثل دعماً دائماً للوحدة الترابية للمغرب.
وتكتسب الخطوة أهمية أكبر بالنظر إلى أن الجزائر تعتبر قضية الصحراء جزءاً أساسياً من سياستها الإقليمية، وتدعم جبهة بوليساريو الانفصالية في مواجهة الموقف المغربي الذي يدعو إلى حل يقوم على الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
ولذلك، فإن انتقال الإمارات من دعم المغرب سياسياً إلى ترجمة هذا الموقف بحضور دبلوماسي مباشر في العيون يمكن أن يكون قد عمّق نظرة الجزائر إلى أبوظبي باعتبارها جزءاً من اصطفاف إقليمي يتقاطع مع مصالحها ومقاربتها للملف الصحراوي.
ولا يمكن الجزم بأن هذا العامل وحده يقف وراء قرار قطع العلاقات، في ظل غياب بيان جزائري مفصل يحدد أسباب الخطوة، إلا أن توقيت التصعيد وسياق الخلافات السابقة يجعلان موقف الإمارات من الصحراء أحد الملفات الأكثر ترجيحاً في تفسيره. ويزداد وزن هذا العامل مع اتساع دائرة الدول التي دعمت الموقف المغربي عبر فتح قنصليات في العيون والداخلة، ومع التحولات الدولية المتزايدة في مقاربة النزاع، بما يضع الجزائر أمام بيئة دبلوماسية تتحرك تدريجياً في اتجاه أكثر انسجاماً مع الطرح المغربي.
وقالت وكالة رويترز إن وسائل إعلام جزائرية سبق أن وجهت انتقادات حادة إلى الإمارات، متهمة إياها بمحاولة إثارة الخلافات في المنطقة، لكن الأسباب الرسمية الكاملة للقرار لم تتضح حتى الآن.
وفي المقابل، لم تدخل الإمارات خلال الأشهر والسنوات السابقة في سجال إعلامي مباشر مع الجزائر، ولم تتبن نهج الرد على كل الاتهامات الصادرة من وسائل إعلام أو أطراف سياسية جزائرية. وبدلاً من ذلك، حافظت على خطاب دبلوماسي رسمي هادئ، مع استمرار التعامل مع الجزائر كدولة تربطها بها علاقات رسمية، حتى مع تصاعد الخلافات السياسية.
ويعكس السلوك الإماراتي في هذا السياق سياسة أوسع تقوم على عدم تحويل الخلافات السياسية إلى مواجهة إعلامية مفتوحة، مع التأكيد في ملفات أخرى على أن علاقات الإمارات وشراكاتها وقراراتها الخارجية شأن سيادي لا تقبل أن تكون موضع تهديد أو إملاء خارجي، ففي مايو/أيار الماضي، أكدت وزارة الخارجية الإماراتية، رداً على تصريحات إيرانية، رفضها القاطع لأي اتهامات تستهدف سيادتها أو أمنها أو قرارها المستقل، وشددت على أن علاقاتها الدولية وشراكاتها الدفاعية شأن سيادي.
وفي ما يتعلق بالجزائر تحديداً، حافظت أبوظبي حتى وقت قريب على إشارات رسمية لا توحي بوجود قطيعة وشيكة، ففي يوليو/تموز الماضي، أعربت وزارة الخارجية الإماراتية عن تضامنها مع الجزائر بعد حريق في دار للأيتام، كما جددت في أغسطس/آب تضامنها معها وقدمت تعازيها بضحايا حرائق الغابات في شمال شرق البلاد.
وتشير هذه المواقف إلى أن التدهور السياسي لم يكن، حتى الأسابيع الأخيرة، مصحوباً بخطاب إماراتي مماثل في حدته للخطاب الإعلامي الجزائري، وهو ما يجعل قرار قطع العلاقات تحولاً لافتاً في طبيعة الخلاف.
وتتجاوز أهمية الخطوة حدود العلاقات الثنائية، بالنظر إلى موقع البلدين في توازنات المغرب العربي والساحل، وتباين مقاربتهما لعدد من الملفات الإقليمية. كما تأتي في مرحلة تشهد فيها المنطقة تنافساً متزايداً بين قوى عربية وإقليمية على النفوذ والشراكات السياسية والأمنية والاقتصادية.
وفي ظل غياب تفسير جزائري تفصيلي حتى الآن، يبقى من السابق لأوانه تحديد ما إذا كان قرار قطع العلاقات يمثل نهاية لمسار طويل من الخلافات أم ورقة ضغط تهدف إلى إعادة صياغة العلاقة بشروط جديدة، غير أن الانتقال من مرحلة الاتهامات والانتقادات إلى القطيعة الدبلوماسية يعني أن الخلاف بين الجزائر وأبوظبي دخل مرحلة أكثر حدة، وقد ينعكس على الملفات الإقليمية التي تتقاطع فيها مصالح البلدين.
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا