'الصعود' قراءة في سيرة محمد الحمادي
ميدل ايست اونلاين
'الصعود' قراءة في سيرة محمد الحمادي
كنتُ قد كوّنتُ تصورًا مسبقًا بأنني على موعد مع قراءة ماتعة لكتاب "الصعود"، السيرة الذاتية للأستاذ الشاعر والإعلامي محمد الحمادي، الصادر حديثًا عن بسطة حسن للنشر والتوزيع. وكان الكتاب منسجمًا تمامًا مع ذلك التصور المسبق؛ فقد أنهيتُ الكتاب، المكوّن من 212 صفحة من القطع المتوسط، في جلستين: واحدة نهارية وأخرى ليلية. ولم يداهمني في تلك الجلستين نعاس، ولم يتسلل إليّ ملل.
والباعث على ذلك الانطباع هو ما عهدناه عن محمد الحمادي من تميّز في محطات مختلفة من حياته، بين الشعر والإعلام وغير ذلك. وكنتُ أعشق إطلالته البهية عبر التلفزيون أو وسائل التواصل الاجتماعي؛ فهو الشاعر، والمتحدث اللبق، والإعلامي اللامع.
استطاع محمد مهدي الحمادي في هذه السيرة أن يستعرض المنعطفات المهمة في حياته ببراعة ودقة في الوصف والتصوير، إذ كانت روح الشاعر حاضرة في جميع فصول هذه السيرة؛ بدايةً من سنوات دراسته في القطيف، مرورًا بجامعة الملك سعود بالرياض، وقناعته بالمتاح، إلى حين حصوله على وظيفة حكومية في وزارة الإعلام. ولم يمانع في الذهاب إلى منفذ الحديثة في الشمال وقطع تلك المسافات، وهو يعلم في قرارة نفسه أن الصعود يتطلب همة لا تعرف التراجع.
ثم بدأ التدرج من العمل الإداري في وزارة الإعلام إلى العمل الميداني في التلفزيون السعودي، وكان ذلك المراسل الذي يُعدّ التقرير كقطعة أدبية تنسجم مع فحوى القصة التي ينقلها إلى المشاهد. وقد عايشتُ ذلك عن كثب، بالصوت والصورة، في قضايا مختلفة، مثل قصة خاطفة الأطفال بالدمام، وجائحة كورونا، لا ردّها الله.
وكنتُ شخصيًا أتابع في تلك الفترة المتحدث باسم وزارة الصحة، الدكتور محمد العبد العالي، لمتابعة آخر المستجدات، وميدانيًا، وعلى مستوى نقل صورة الشارع وأخبار الحظر وحركة التنقل في شوارع المنطقة، أتابع تقارير محمد الحمادي، الذي تشعر أنه وحده في الشارع. حتى إنني أتذكر أنه مرّ بجانب منزلنا في الجارودية عند الدوار، وهو يشيد بمعلمها التراثي، في ليلة خلت شوارعها من المارة.
ثم إنك تلاحظ قوة في الإرادة وصبرًا على إنجاز المهام عند الحمادي، وهو يشق الصحراء قرب الربع الخالي باتجاه حقل شيبة لينقل لنا أخبار الأحداث هناك، ولا يتردد في إجراء اتصالاته بكل من يعرف إذا اصطدم بحاجز يمنعه من التقدم، حتى يُعدّ التقرير بالصوت والصورة وينقله إلى المشاهد، ولا يعود خالي الوفاض. وهذا ما تلاحظه في مختلف محطات عمله؛ في رحلة باكستان وسط أزيز الرصاص، وفي دمشق في ظل ضعف الإمكانات لنقل البث، إلا أنه، بكل ما أوتي من تصميم، يبث لنا أخبار دمشق والشام بأبلغ تعبير وأوضح صورة.
وكذلك يتجلى تميّز الأستاذ الحمادي في الإبداع الشعري عبر عدة دواوين، وقد عايشتُ شعور نشوة الإصدار الأول معه عبر سطور هذا الكتاب، مرورًا ببقية الدواوين. وأتذكر أنني في مجال الشعر تُيّمتُ بأبيات شارك بها الحمادي في مسابقة أمير الشعراء، وصرت أرددها، وكان يقول:
"لشهر أغسطس ردّات فعل كثيرة.
سيطرق بابك كل صباح ليستأذن الآن قبل الدخول، وأنت تعدّ فطورًا صغيرًا.
بصدرك بعض أغانٍ لفيروز، تلك أسطوانات حبٍ يمارس فيها الغبار فحولته من حنين لآخرا، حين تؤجل طقس الغناء".
فضلًا عن تميّزه في السينما عبر برنامج "سينما شبابية"، كما نال جوائز عن أفلامه الوثائقية "البسطة" و"القرية".
ولفت نظري إصراره على مواجهة الصعاب، وصراعه مع الزمن، وخوض المعارك بصبر وثبات يُدرّس. ولعل هذا الجانب تحديدًا هو ما جعل عنوان السيرة يتجاوز كونه اسمًا للكتاب؛ فالصعود في تجربة الحمادي لم يكن طريقًا مفروشًا بالنجاحات، وإنما كان رحلةً من المحاولات والمواجهة والمثابرة، في كل محطة من محطات حياته.
أغلقتُ الكتاب على يقينٍ بأن الصعود ممكن لمن يملك الإرادة، وأن الحلم حقٌّ مشروع، ويمكن تحقيقه وإن بدا للوهلة الأولى صعب المنال.
ولعل أصدق ما خرجتُ به من هذا كله، قول محمد الحمادي: ''أنَّ الحكاية لا تُكتب بالنجاحات، بل بكيفية الخروج من المعارك التي لم يرها أحد".
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا