مصر وإشكالية الأمن في البحر الأحمر
ميدل ايست اونلاين
مصر وإشكالية الأمن في البحر الأحمر
عقب سيطرة جماعة الحوثي على مناطق حيوية على الساحل الغربي لليمن، المطل على البحر الأحمر، زادت التساؤلات حول طبيعة التهديدات التي يمكن أن تتعرض لها قناة السويس مرة أخرى، والكيفية التي يمكن أن تتعامل بها مصر مع تزايد ملامح التوترات الإقليمية، والتي من المتوقع أن تشمل سفن الملاحة في البحر الأحمر.
تجاوزت مصر الصدمة السابقة الناجمة عن عمليات الحوثي ضد أهداف إسرائيلية في البحر الأحمر، وامتصت القاهرة الخسائر المادية الكبيرة بسبب تعطل الملاحة نسبيا ولجوء بعض السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح بدلا من قناة السويس، بينما اليوم يبدو الوضع مختلفا، إذ أصبحت جماعة الحوثي مسيطرة تقريبا على مدخل باب المندب، وصارت الملاحة في خطر، لأن التواجد العسكري للحوثي على الساحل الغربي لليمن وفي جزر بعرض البحر، يعني عدم استبعاد حدوث أزمة عاصفة، وتهديدات لأمن الملاحة، وبالتالي تعرض قناة السويس لخسائر مضاعفة.
ما نشرته وسائل إعلام عربية يوم الاثنين بشأن رسائل وجهتها جماعة الحوثي إلى القاهرة لتنسيق مرور الملاحة في البحر الأحمر، أثار ردود فعل متفاوتة، اعتبرها بعض المراقبين تأكيدا لسيطرة الجماعة على باب المندب، وتعزيزا لقدرتها على تهديد الملاحة في البحر الأحمر، بينما رأى آخرون فيها عملية جس نبض لموقف القاهرة، وإمكانية اعترافها بهذه السيادة، واللجوء إلى التعاون حفاظا على مصالحها الحيوية، بينما فريق ثالث من المراقبين ذهب إلى أن هذا التطور يشير إلى أن المجتمع الدولي مطالب بالتعامل مع الأمر الواقع الذي دشّنه الحوثيون أخيرا.
مهما كانت صيغة التساؤلات والتكهنات والتخمينات المصاحبة لعرض جماعة الحوثي، فهي تتجنب الثوابت الحاكمة للموقف المصري حيال التطورات الجارية في البحر الأحمر في مقدمتها أن القاهرة لن تقدم شيكا على بياض لجماعة الحوثي وتمنحها اعترافا لم يقدمها أحد لها على المستوى الدولي، ما يتسق مع موقف مصر الصارم من الجماعات الخارجة عن الشرعية في كثير من الدول العربية، وأن الخلافات تحل بالطرق السياسية وليس من خلال الصدامات العسكرية.
كما أن الأمن في البحر الأحمر مسؤولية الدول المتشاطئة. إذا كانت هناك خصوصية عسكرية وسياسية لجماعة الحوثي، فهي لا تخول لها المشاركة رسميا مع مصر أو غيرها في تأمين الملاحة الدولية فهذه صيغة تمنح حركة الشباب الصومالية شرعية للمشاركة في حفظ الأمن بخليج عدن، الذي تملك فيه الحركة نفوذا أو قرصنة كبيرة.
تحدثت القاهرة فترة طويلة عن أمن البحر الأحمر، وحددت رؤيتها في المسؤولية الجماعية، لكنها لم تجد استجابة واضحة. بدأت كل دولة معنية بهذا الممر الحيوي تقدم صيغة تعتقد أنها تتواءم مع مصالحها.
تعددت الصيغ التي جرى طرحها أو العمل بها، لكن جميعها افتقرت إلى تفاهمات حول الأطر التي يجب أن يقوم عليها الأمن في البحر الأحمر من حيث شكله وأدواته والقواعد التي يحتكم إليها والأهداف التي ينطلق منها حتى وصل العالم إلى حالة معقدة بات فيها نفوذ جماعة الحوثي يزداد تضخما.
يواجه العالم مشهد مزدوجا: التوترات تشمل الآن أهم مضيقين في العالم، هرمز وباب المندب. يلعب كلاهما دورا حيويا في التجارة العالمية. وتعد مصر من أكثر الدول تضررا، بحكم تأثر قناة السويس بسبب الانسداد الحاصل فيهما.
على مصر التعامل مع هذه المعضلة المركبة، لأن التكاليف المادية لتعطل الملاحة في البحر الأحمر باهظة. من ناحيتي: الأعراض السلبية المترتبة على تراجع أعداد مرور السفن وانخفاض مداخيل قناة السويس، والتهديدات التي تلحق أذى بالأمن القومي المصري، حال انفجر بركان التوترات العسكرية في جنوب البحر الأحمر.
لم تعد القاهرة تملك رفاهية طرح أفكار ورؤى لا يتجاوب معها كثيرون، أو تحديد ثوابت رئيسية لموقفها من الأمن في هذا الممر، أو حتى توجيه انذارات، وقبول أو رفض صيغ متعددة جرى طرحها مؤخرا.
الأزمة يمكن أن يتسع نطاقها، وتجد مصر نفسها أمام واقع أليم تتوقف فيه تماما الملاحة في البحر الأحمر، ويتعطل خط أنابيب شرق- غرب، وينقل جزءا مهما من النفط السعودي عبر الأراضي والمياه المصرية.
في هذه الحالة لن تستطيع القاهرة تحمل التكاليف الباهظة، أو تنتظر التداعيات التي سوف تأتي بها التطورات الإقليمية، وقد تحمل مفاجآت غير سارة لها، مع الحسابات الغامضة الذي تبدو عليها مواقف قوى إقليمية ودولية عديدة.
انشغلت مصر بأمن البحر الأحمر منذ فترة طويلة. كان لديها يقين أن الأوضاع يمكن أن تنفجر في أي لحظة على سواحله بسبب الصراعات الممتدة على جانبي هذا الممر، وعلى مقربة من مدخله الجنوبي. هناك حرب أهلية في اليمن، نزاعات محتدمة في الصومال، رغبة محمومة في الانفصال تسيطر على إقليم أرض الصومال، تدخلات سافرة من قبل إثيوبيا، وسعي من جانب حكومتها للحصول على منذ على خليج عدن.
علاوة على توترات بين إريتريا وإثيوبيا جراء تصميم الأخيرة على الحصول على منفذ بحري، مستندة إلى شرعية تاريخية زائفة في هذا السياق. أزمة مشتعلة داخل السودان، كانت سواحله على البحر الأحمر جزءا من منظومتها الخفية.
في خضم هذه الصورة، لا توجد آفاق لتحركات جماعية واعدة. كل دولة تتصرف بالطريقة التي تناسب مصالحها، ما يجعل التعامل مع التهديدات التي قد يتعرض لها الأمن في البحر الأحمر تسير على وتيرة مشتتة.
الهدوء الذي خيّم على التصورات المصرية الفترة الماضية لن يكون مجديا. المرونة التي أبدتها القاهرة مع التوجهات المتضاربة والحرص على عدم الصدام، يمكن أن تدخل عليها تعديلات.
إذا كانت جماعة الحوثي في اليمن حريصة على تجنب وقوع أضرار مباشرة بالمصالح المصرية في البحر الأحمر، فإن المشكلة أكبر من هذا الحرص. هناك تطورات متلاحقة في المنطقة، ربما تعصف بعملية ضبط النفس المعلنة. الاستنفار الذي تشهده أساطيل بعض الدول في عرض البحر الأحمر، أو على مقربة منه، لا توفر اطمئنانا كاملا لأي دولة. المحاولات التي بذلتها القاهرة للنأي عن الانخراط في الصراعات التي تموج بها منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، قد لا تستمر طويلا. ما يحدث عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، يؤكد أن اقتراب المنطقة من فوران جديد لن تتمكن مصر من أن تظل بعيدة عن الاشتباك معه مباشرة.
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا