القاهرة بين أنقرة وأثينا: كيف تدير مصر إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية؟
ميدل ايست اونلاين
القاهرة بين أنقرة وأثينا: كيف تدير مصر إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية؟
تزامنت القمة المصرية – اليونانية - القبرصية في العلمين مع تصاعد النقاش حول احتمال انضمام مصر إلى 'تحالف مكة للدفاع المشترك'، الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان. ويبدو الحدثان، ظاهريًا، وكأنهما يضعان القاهرة أمام الاختيار بين شراكتها الراسخة مع أثينا ونيقوسيا وبين علاقاتها المتنامية مع أنقرة والرياض، غير أن التحرك المصري يكشف عن توجه مختلف، يقوم على الجمع بين دوائر تعاون متعددة، مع الحفاظ على المرونة اللازمة لمواءمة التزاماتها الإقليمية مع أولويات أمنها القومي.
ومن هذه الزاوية، لم تكن قمة العلمين ردًا على التقارب المصري–التركي أو ظهور تحالف مكة، بقدر ما كانت تأكيدًا لاستمرار أحد المسارات الثابتة في سياسة القاهرة بشرق المتوسط، فالبيان المشترك جدد التمسك بقواعد القانون الدولي واحترام السيادة والحقوق البحرية، وهي مبادئ تستند إليها مصر في حماية مصالحها واتفاقاتها القائمة، من دون أن تعني إغلاق الباب أمام تفاهمات مستقبلية مع تركيا.
ويظل اتفاق التعيين الجزئي للحدود البحرية بين مصر واليونان، الموقع عام 2020، أحد أهم مرتكزات هذه السياسة، فقد وفر للقاهرة أساسًا قانونيًا لاستثمار مواردها في شرق المتوسط، وعزز قدرتها على التحرك داخل خريطة بحرية شديدة التعقيد. وفي الوقت نفسه، تركت الطبيعة الجزئية للاتفاق مساحة تسمح بتسويات لاحقة مع أنقرة إذا توفرت الظروف المناسبة، من دون المساس بالحقوق التي ثبتتها مصر أو التراجع عن التزاماتها تجاه اليونان.
وهنا تظهر حدود التقارب المصري - التركي وطبيعته في آن واحد، فالقاهرة لا تتعامل مع تحسين العلاقات مع أنقرة باعتباره انتقالًا من معسكر إلى آخر، وإنما بوصفه تصحيحًا لعلاقة مهمة بعد سنوات من التوتر. وقد أتاح هذا التصحيح توسيع التعاون الاقتصادي والدفاعي، وفتح المجال أمام تنسيق أكبر في غزة وليبيا وشرق المتوسط، لكنه لم يؤد إلى تطابق مواقف البلدين في جميع الملفات.
وتدرك تركيا أن تطوير حضورها الإقليمي يظل ناقصًا من دون علاقة مستقرة مع مصر، بينما ترى القاهرة أن احتواء الخلاف مع أنقرة يخدم أمنها ومصالحها الاقتصادية ويقلل مستوى الاستقطاب في المنطقة. لذلك يتحرك الطرفان نحو إدارة نقاط التباين بدلًا من السماح لها بتعطيل مجمل العلاقة. ولا يتطلب هذا المسار أن تتخلى مصر عن شراكتها مع اليونان وقبرص، مثلما لا يستلزم تعاونها مع أثينا ونيقوسيا توجيه سياساتها ضد تركيا.
وتكتسب الشراكة الثلاثية قوة إضافية من المصالح الاقتصادية، وفي مقدمتها الغاز القبرصي، فقبرص تحتاج إلى منفذ عملي لمعالجة إنتاج حقولها وتصديره، بينما تمتلك مصر محطات الإسالة والبنية التحتية والسوق المحلية القادرة على استيعاب هذه الموارد. وتوفر خطط ربط حقلي 'كرونوس' و'أفروديت' بالمنشآت المصرية أساسًا لتكامل طويل الأمد، يعزز موقع مصر مركزًا إقليميًا للطاقة ويمنح قبرص مسارًا عمليًا للوصول إلى الأسواق الخارجية.
هذه المصالح تجعل العلاقة المصرية مع اليونان وقبرص أعمق من أن تتأثر بمجرد تحسن العلاقات مع تركيا. وفي المقابل، تمنح الشراكة مع أنقرة القاهرة فرصًا إضافية في التجارة والصناعة والتعاون العسكري وتسوية الأزمات. وبذلك لا تمثل العلاقات الثلاث منافسة بين مسارات متعارضة، بل شبكة مصالح تستخدمها مصر لتوسيع خياراتها وتعزيز قدرتها على التأثير.
أما 'تحالف مكة'، فيطرح أمام القاهرة مستوى جديدًا من التعاون؛ لأنه يتجاوز التنسيق السياسي والاقتصادي إلى التزامات مرتبطة بالدفاع المشترك. ومن شأن التعاون معه أن يدعم التنسيق في مجالات التدريب والتصنيع العسكري والدفاع الجوي وتبادل المعلومات وحماية البحر الأحمر، ضمن إطار يجمع القدرات العسكرية والجغرافية والاقتصادية للدول المشاركة، وتضيف إليه مصر ثقلًا استراتيجيًا وخبرة عسكرية وموقعًا محوريًا يربط البحرين الأحمر والمتوسط.
ولا تستلزم الاستفادة من هذه الفرص بالضرورة العضوية الكاملة منذ البداية، فالقاهرة تحرص على وضوح طبيعة التهديدات التي سيتعامل معها التحالف، وآليات اتخاذ القرار داخله، وحدود التزام كل عضو بالدفاع عن الآخرين. كما تسعى إلى أن تتوافق طبيعة مشاركتها مع أولويات أمنها القومي، وأن تدعم قدرتها على التواصل مع مختلف الأطراف والإسهام في تسوية الأزمات الإقليمية.
ويستدعي تنوع أولويات الدول المشاركة وعلاقاتها بإيران وإسرائيل والهند وحلف شمال الأطلسي بناء تصور مشترك لمصادر التهديد وحدود الاستجابة الجماعية. كما تراعي القاهرة شبكة علاقاتها والتزاماتها الإقليمية والدولية، بما فيها معاهدة السلام المصرية - الإسرائيلية، التي لا تحول دون مشاركتها في ترتيبات دفاعية جديدة. لذلك تحرص مصر على أن يكون أي تعاون أمني واضح الأهداف، ودفاعيًا في طبيعته، ومنسجمًا مع دورها في دعم الاستقرار ومنع اتساع الصراعات.
لهذا يبدو استمرار التوازن من دون انضمام رسمي السيناريو الأقرب في المدى المنظور، مع إمكان بناء تعاون وظيفي مع التحالف في أمن البحر الأحمر والدفاع الجوي ومكافحة الإرهاب والتصنيع العسكري. وقد يصبح الانضمام ممكنًا إذا تطور التحالف إلى إطار أوسع للتشاور والتنسيق الأمني، بما يلائم شبكة العلاقات والمصالح التي تجمع الدول المشاركة.
وتكشف هذه السياسة أن مصر لا تقف بين أنقرة وأثينا بقدر ما تسعى إلى جمع المسارين ضمن شبكة شراكات مرنة، فهدف القاهرة ليس اختيار حليف على حساب آخر، بل الحفاظ على مساحة حركة تسمح لها بحماية مصالحها وتعظيم مكاسبها والاحتفاظ بدورها نقطة توازن في إقليم يعاد تشكيل تحالفاته.
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا