السعودية ومركز أخلاقيات الذكاء الإصطناعي: خطوة رائدة وواعدة
ميدل ايست اونلاين
السعودية ومركز أخلاقيات الذكاء الإصطناعي: خطوة رائدة وواعدة
في 28 يوليو/حزيران 2019، نشرت مقالاً بعنوان "من يتبنى إنشاء مركز أخلاقيات الذكاء الإصطناعي"، بموقع "ميدل إيست أونلاين"، تناولت فيه ضرورة إطلاق "مركز أخلاقيات الذكاء الاصطناعي"، يكون من بين مهامه وضع الضوابط والتشريعات اللازمة لتكنولوجيا الروبوتات والذكاء الاصطناعي، لضمان كفاءة استخدامها، وضمان سلامة المجتمع عند إنتشار تطبيقاتها على نطاق واسع في البيئات الصناعية والتجارية والمنزلية، وكذلك دعوة أصحاب المصلحة من ممثلي الصناعة والحكومة والأوساط الأكاديمية والمنظمات غير الحكومية لمناقشة تأثير الروبوتات والذكاء الاصطناعي على المجتمع، وأن يسعى المركز للنهوض بمجال البحوث الأخلاقية المتنامية بشأن تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي واستكشاف القضايا الأساسية التي تؤثر على استخدام الذكاء الاصطناعي وتأثيره، كما يوفر مبادئ توجيهية عملية للمجتمع والصناعة والمشرعين، تتعلق بتحديد وإجابة التساؤلات الأخلاقية الخاصة بالذكاء الاصطناعي.
والآن، تحقق السعودية هذا الإقتراح بإنشاء "المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي" (إيكير)(ICAIRE)، وموقعه الإلكنروني (https://icaire.org/ar).
ويعمل المركز مع الجهات الحكومية والجامعات والقطاع الصناعي على بناء القدرات والأدلة واللغة المشتركة التي يحتاجها الذكاء الاصطناعي المسؤول، حتى تصل منافعه إلى أوسع جمهور ممكن وتُفهم مخاطره، ويرسي المركز برامجه على توصية منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو" بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ملتزماً بالمبادئ المعترف بها دولياً في حقوق الإنسان والإنصاف والشفافية والمساءلة، في كل ما يبحثه ويعلّمه وينظّمه. ويعمل المركز على أربع ركائز استراتيجية، هي: دعم البحث والتطوير في الذكاء الاصطناعي، وتعزيز الوعي والتواصل بشأن أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تعزيز ودعم بناء قدرات الذكاء الاصطناعي، وتطوير التوصيات ذات العلاقة بسياسات الذكاء الاصطناعي.
وخلال الفترة من 14 حتى 17 سبتمبر/أيلول 2026، تستضيف مدينة الرياض، أعمال النسخة الرابعة من "منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي 2026 "، ويُنظَّم بالشراكة مع "الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي" (سدايا) و"منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة" "اليونسكو"، إلى جانب التعاون مع "المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي"، في سابقة تجعل المملكة أول دولة عربية تحتضن هذا الحدث الدولي الرفيع، بمشاركة نخبة من صناع القرار، والخبراء، والأكاديميين، وممثلي المنظمات الدولية والقطاعين العام والخاص من مختلف دول العالم.
ويُعد "منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي" من أبرز المنصات الدولية المعنية بأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، ويهدف إلى تعزيز الحوار العالمي حول الحوكمة المسؤولة للذكاء الاصطناعي، وتبادل الخبرات وأفضل الممارسات، وبحث سبل توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي بما يسهم في تحقيق التنمية المستدامة وتعزيز ازدهار المجتمعات.
وسيناقش المنتدى على مدى أربعة أيام عدداً من المحاور الرئيسة، تشمل أخلاقيات الذكاء الاصطناعي وحوكمته، وبناء القدرات، والابتكار المسؤول، والسياسات الدولية، إلى جانب استعراض أحدث المبادرات والتجارب العالمية في هذا المجال، وذلك من خلال جلسات رفيعة المستوى وورش عمل متخصصة تجمع نخبة من الخبراء وصناع السياسات من مختلف أنحاء العالم.
ولعل السؤال المطروح : لماذا يعد إنشاء السعودية لـ "المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي"، خطوة رائدة وواعدة؟
يتطوّر الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع من قدرة القانون والأخلاق على مواكبته، وفي ظل هذه الفجوة المتزايدة، أصبح قوة عالمية. ولهذا يجب أن يصبح الذكاء الاصطناعي المسؤول طموحاُ عالمياً موازياً. ومع انتقال تقنيات الذكاء الإصطناعي من المختبرات إلى مؤسساتنا وحياتنا اليومية، ظهر سؤال أكثر تعقيداً: كيف نضمن أن تعمل هذه التقنيات بصورة آمنة ومسؤولة؟ ، وضرورة إيجاد ضوابط وتشريعات لازمة ومناسبة لها ، إذ أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي ذات الصلة بالمجتمع غير ممكنة بدون نظرة أخلاقية وقانونية وسياسية، فالذكاء الاصطناعي يطرح قضايا وتحديات أخلاقية معقدة تؤثرعلى حياة الأفراد والمجتمعات، ولا يمكن للصناعة وحدها الإجابة عليها.
رغم الآفاق والفرص الواعدة لتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والروبوتات، إلا أن هناك حالياً مخاوف عالمية متزايدة من التحديات والمخاطر والتأثيرات السلبية التي تحملها هذه التكنولوجيا. فعلى سبيل المثال، هناك مخاوف من ارتفاع نسبة البطالة وفقدان الوظائف وتهديد سوق العمل، بمعنى هل في يوم ما سنفقد وظائفنا وتستولي عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي والروبوتات، كما أن هناك حالياً مخاوف أخلاقية واجتماعية وتساؤلات معقدة نتيجة تفاعل وتعامل الروبوتات مع البشر، من بينها: هل سنتقبل الروبوتات وأنظمة الذكاء الاصطناعي بيننا في المجتمع، وكيف ستكون نظرتنا للروبوتات الشبيهة بالبشر والقادرة على التعرف على مشاعرنا، بالإضافة الى حدود المسؤولية والخصوصية عند إستخدام الروبوتات. فعلى سبيل المثال: إذا أصاب الروبوت عطل أو خلل في برمجياته وتسبب في حدوث أضرار لشخص ما، من هو المسؤول؟ وهل صاحب الروبوت أم الشركة المصنعة له أم الروبوت نفسه؟ وإلى أي درجة من الأمان يجب أن تكون عليه الروبوتات قبل أن يتم نشرها في المجتمع ككل؟ والمخاوف من تهديد وانتهاك الروبوت للخصوصية الشخصية للأفراد، وهل يجب أن يكون للـ "سيبورغ" (بشر مزودون بأجزاء روبوتية) وضع قانوني خاص في حالة إذا تعطلت الأجزاء الروبوتية وتسببت في أذى وضرر لشخص ما؟ وماهي الضوابط والتشريعات القانونية والأخلاقية المناسبة قبل نشر الروبوتات في المجتمع؟، مثل هذه التحديات والتساؤلات الجادة والمشروعة، هي حالياً محل نقاشات ومؤتمرات ومناظرات عالمية متزايدة، ولن يكون عالمنا العربي بعيدا عنها، وسيتأثر بها، وتكون محل نقاشات عند استخدام وانتشار أنظمة الذكاء الاصطناعي والروبوتات في مجتمعاتنا العربية.
وقد أشرت بالتفصيل لبعض تحديات وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي والروبوتات في كتابي (بالإشتراك مع الكاتبة والباحثة صفات سلامة)، بعنوان "تحديات عصر الروبوتات وأخلاقياته"، والصادر عن "مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية" ضمن سلسلة "دراسات إستراتيجية".
وضمن برامج "أخلاقيات الذكاء الإصطناعي" بجامعات الدول المتقدمة، يفحص الطلاب المسائل والتعقيدات الأخلاقية الناشئة عن التطبيقات المختلفة لتقنية الذكاء الاصطناعي، وذلك من خلال دراسات حالة تستند إلى مواقف في العالم الحقيقي يتم تخيلها لأغراض الدراسة، وتكون نقطة انطلاق للمحادثات والحوارات حول الذكاء الاصطناعى والأخلاقيات، على سبيل المثال، كيف يمكن تصميم أنظمة ذكاء اصطناعي خالية من أنماط التحيز والتمييز المختلفة وقادرة على تحقيق درجة أكبر من الإنصاف؟ وما هي المعايير المقبولة أخلاقيا عند تطبيق هذه الأنظمة؟
من هنا، يكتسب إنشاء السعودية لـ "المركز الدولي لأبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي" أهمية خاصة، وله صفة مركز دولي يعمل تحت رعاية منظمة "اليونسكو"، كما يعمل المركز على تنفيذ مبادرات التعاون والدعم في مجالات أبحاث وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي على الصعيدين الإقليمي والدولي، كما تكمن أهميته في توقيت إطلاقه، فالعالم قد انتقل من السؤال عما يستطيع الذكاء الإصطناعي فعله الى السؤال عن حدود وأخلاقيات وضوابط إستخدامه.
ويأتي تنظيم المنتدى امتداداً لجهود السعودية المتميزة في ترسيخ مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز حوكمته على المستويين الوطني والدولي، ودعم التعاون متعدد الأطراف لتطوير أطر الاستخدام المسؤول والموثوق به بما ينسجم مع مستهدفات "رؤية 2030"، ويعزز مكانة السعودية شريكاً فاعلاً في صياغة مستقبل الذكاء الاصطناعي عالمياً.
لقد انتقل الذكاء الاصطناعي من مجرد تقديم اقتراحات إلى المشاركة في اتخاذ القرارات، وأصبحت أخلاقيات الذكاء الاصطناعي قضية إستراتيجية عالمية وأكثر أهمية من أي وقت مضى، والسعودية، بإنشاء مركز دولي متخصص في هذا المجال في الرياض، يعمل في إطار دولي وتحت رعاية "اليونسكو"، تعد خطوة رائدة وواعدة عالمياً وعربياً في سباق الذكاء الاصطناعي.
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا