Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا اقرأ على الموقع الرسمي

حين يخشى العلماءُ حدود ما صنعوا

ميدل ايست اونلاين

حين يخشى العلماءُ حدود ما صنعوا

تحذيرات تخرج من داخل مختبرات الذكاء الاصطناعي نفسها تعيد سؤال العلم إلى بدايته: ماذا يحدث عندما تصبح معرفة الإنسان بقوة ما يصنعه سبباً في خشيته من حدود هذه القوة؟

من الطبيعي أن يخاف الإنسان مما يجهله، لكن الأكثر إثارة للتأمل أن يبدأ الخوف ممن يعرف أكثر.

هذه المفارقة تخرج اليوم من قلب صناعة الذكاء الاصطناعي، فبعض الذين اقتربوا من بناء أكثر أنظمته تقدماً لم يعودوا يتحدثون فقط عن فوائده أو قدرته على تغيير الاقتصاد والعمل والحياة اليومية، بل عن سؤال أكثر حساسية: ماذا لو وصلت هذه القوة إلى مرحلة يصبح فيها التحكم بها أصعب من تطويرها؟

باحثون عملوا داخل شركات الذكاء الاصطناعي الكبرى غادر بعضهم مواقعهم أو رفعوا مستوى تحذيراتهم من السباق نحو أنظمة أكثر قدرة واستقلالاً. وذهب بعض المتخصصين في سلامة الذكاء الاصطناعي إلى وضع احتمالات، وإن كانت تقديرات شخصية وليست حقائق علمية، لوصول الخطر إلى مستوى يهدد وجود الإنسان نفسه.

المهم هنا ليس الرقم، ولا تحويل الاحتمالات إلى نبوءة بنهاية البشرية. الأهم هو المفارقة: كلما اقترب بعض العلماء من معرفة قدرة ما يصنعونه، ازدادت خشيتهم من حدود هذه القوة ومسؤولية الإنسان عنها.

عندما يأتي التحذير من الداخل

لسنوات طويلة، كان الخوف من آلة تتجاوز الإنسان جزءاً من الخيال العلمي. أما اليوم، فقد انتقل جزء من النقاش من السينما إلى المختبر، ومن الرواية إلى مراكز الأبحاث والبرلمانات. وهناك فرق بين خوف مستخدم لا يعرف كيف تعمل التقنية وبين تحذير باحث شارك في تطويرها.

لكن ذلك لا يعني أن العلماء متفقون على أن الذكاء الاصطناعي سيقضي على البشرية. مثل هذا الإجماع غير موجود، وكثيرون يرون أن الحديث عن الانقراض يقوم على افتراضات يصعب إثباتها، وأن الأخطار الأكثر واقعية اليوم تكمن في الاستخدام العسكري، والهجمات السيبرانية، والتضليل، وفقدان الوظائف، وتركيز قوة هائلة في أيدي عدد محدود من الشركات والدول.

ومع ذلك يبقى السؤال مشروعاً: لماذا يخشى بعض الذين يعرفون هذه التكنولوجيا أكثر مما يخشاها الذين يستخدمونها؟

ربما لأن الاقتراب من القوة يكشف أحياناً ما لا يراه المنبهر بنتائجها.

العلم والخشية

هنا تستوقفنا آية قرآنية قصيرة في سورة فاطر: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.

المعنى الذي استقر عليه التفسير أن العلماء بالله وبآياته هم أشد عباده خشيةً له؛ فكلما كانت معرفتهم بعظمته وقدرته أتمّ، كانت خشيتهم أعمق. واللافت أن الآية تأتي بعد الحديث عن الماء والثمرات والجبال واختلاف ألوان البشر والدواب والأنعام، في سياق يلفت الإنسان إلى النظر في الخلق وتنوعه ودقة نظامه.

كأن المعرفة هنا لا تقود الإنسان إلى الغرور بما عرف، وإنما إلى إدراك أوسع لعظمة ما أمامه وحدود ما يعرفه.

ولا يعني ذلك أن كل معرفة علمية تقود بالضرورة إلى الخشية، ولا أن خوف علماء الذكاء الاصطناعي من نتائج تقنيتهم هو الخشية المقصودة في الآية، فالخشية القرآنية هنا خشية الله، والآية ليست نبوءة عن الذكاء الاصطناعي.

لكن المشهد المعاصر يمنح هذا المعنى مساحة لافتة للتأمل، فكلما اقترب بعض العلماء من معرفة قدرة ما يصنعونه، أصبحوا أكثر إدراكاً لحدود هذه القوة ومسؤولية الإنسان عنها. وهنا تظهر مفارقة تستحق التوقف: المعرفة التي تمنح الإنسان قدرة أكبر قد تكون هي نفسها التي تكشف له حجم ما لا يعرف، وحدود ما يستطيع السيطرة عليه.

ومن هذه الزاوية تبدو العلاقة القرآنية بين العلم والخشية شديدة العمق، فالإنسان يميل عادة إلى ربط المعرفة بالقوة والسيطرة، بينما تضع الآية أمامه معنى أعمق: أن المعرفة، حين تبلغ بصاحبها درجة الإدراك، لا تزيده شعوراً بالقوة فقط، بل قد تجعله أكثر تواضعاً أمام حدودها وأكثر وعياً بمسؤوليته.

وهنا تحديداً يلتقي المعنى القرآني مع سؤال عصر الذكاء الاصطناعي، من دون أن نحمل الآية ما لم تقل: كلما اتسعت المعرفة، اتسع معها إدراك الإنسان لحدوده، وكلما عظمت القوة، عظمت مسؤولية من يحملها.

حين يصل العلم إلى حافة القوة

صنع الإنسان عبر تاريخه أدوات غيرت علاقته بالعالم. اكتشف النار، واخترع المحرك، وشطر الذرة، وفك أجزاء من الشفرة الوراثية، ووصل إلى الفضاء. وفي كل مرة تقريباً كان السؤال الأول: ماذا نستطيع أن نفعل بهذه المعرفة؟

لكن التاريخ علمنا أن هناك سؤالاً آخر يجب ألا يأتي متأخراً: هل ينبغي أن نفعل كل ما أصبحنا قادرين على فعله؟

مع الذكاء الاصطناعي يصبح السؤال أكثر تعقيداً، لأن الإنسان لا يطور مجرد أداة جديدة، وإنما أنظمة تستطيع معالجة المعرفة والتعلم من كميات هائلة من المعلومات والمساعدة في اتخاذ القرارات وإنتاج معرفة جديدة بسرعة لم تكن ممكنة من قبل.

وهنا لا يصبح الخطر في العلم نفسه، وإنما في المسافة التي قد تنشأ بين سرعة تطور القدرة وسرعة تطور الحكمة التي تضبطها، فالطبيب يعرف خطورة الدواء أكثر من المريض الذي يتناوله. والفيزيائي النووي يفهم معنى التفاعل المتسلسل بطريقة مختلفة عن شخص يشاهد انفجاراً على شاشة. ومن يعمل داخل مختبرات الذكاء الاصطناعي قد يرى خلف الإجابة السريعة التي تبهر المستخدم أسئلة أكبر تتعلق بالسيطرة والحدود والمسؤولية.

وهكذا يصبح ممكناً أن تؤدي زيادة المعرفة إلى زيادة الوعي بالحدود والمسؤولية.

أين يكمن الإعجاز؟

من السهل البحث في القرآن عن جملة يمكن إسقاطها على كل اكتشاف حديث، لكن ذلك قد يظلم النص أكثر مما يخدمه، فاللافت في هذه الآية ليس أنها تنبأت بآلة ستظهر بعد قرون، وإنما أنها أرست علاقة عميقة بين العلم والخشية في فهم الإنسان لموقعه أمام خالقه.

كلما عرف الإنسان أكثر، اكتشف مساحة أكبر مما لا يعرف. وكلما امتلك قدرة أكبر، ازدادت مسؤوليته عن استخدامها. وكلما اقترب من أسرار الخلق، أصبح أكثر قدرة على رؤية حدود نفسه.

ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى ما يحدث اليوم باعتباره شاهداً معاصراً يدعو إلى التأمل في دقة المعنى القرآني، لا دليلاً تجريبياً نحمّل به الآية ما لم تقل، فالإعجاز الأعمق قد لا يكون في البحث عن اسم اختراع حديث بين كلمات النص القديم، بل في قدرة النص على ملامسة حقيقة إنسانية تتكرر مهما تغير الزمن وأدواته: أن المعرفة لا ينبغي أن تنتج الغرور وحده، بل يمكن أن تقود إلى التواضع وإدراك حدود القدرة والمسؤولية.

عندما تسبق القوة الحكمة

المشكلة إذاً ليست في العلم، ولا في أن يصبح الذكاء الاصطناعي أكثر قدرة، فالإنسان لم يتقدم عبر التاريخ بإيقاف المعرفة، وإنما بتطويرها ثم تعلم كيفية إدارة نتائجها.

الخطر يبدأ عندما تصبح القدرة أسرع من المسؤولية، والمنافسة أسرع من التشريع، والرغبة في الوصول أولاً أهم من السؤال عما ينتظر الجميع عند خط النهاية.

ولهذا تتجاوز تحذيرات بعض علماء الذكاء الاصطناعي حدود التكنولوجيا، فهي تعيد طرح سؤال قديم بوسائل جديدة: ماذا يفعل الإنسان عندما تصبح بين يديه قوة لم يعرفها من قبل؟

ربما لهذا يبدو المشهد لافتاً إلى هذا الحد. علماء صنعوا بأيديهم تقنية مذهلة، ثم اقترب بعضهم منها بما يكفي ليصبحوا من أكثر الناس تحذيراً من مخاطرها. وهنا يلتقي السؤال الحديث مع معنى قرآني قديم من دون أن يحتاج أحدهما إلى ليّ عنق الآخر، فالمفارقة ليست أن الإنسان صنع آلة يخشى أن تتفوق عليه، بل أن العلم، كلما اقترب من حدود القوة، قد يعيد صاحبه إلى حقيقة أكثر تواضعاً: المعرفة لا تعني أن الإنسان أصبح قادراً على كل شيء، وإنما تجعله أكثر وعياً بما يستطيع فعله، وأكثر إدراكاً لمسؤولية ما قد يفعله بما يستطيع.

September 13th 2026, 8:46 am
اقرأ على الموقع الرسمي

0 comments
Write a comment
Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا