هل تغيّرت الاستراتيجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط بعد الحرب؟
ميدل ايست اونلاين
هل تغيّرت الاستراتيجية الأميركية تجاه الشرق الأوسط بعد الحرب؟
ركزت مواقع إعلامية أميركية ودولية مهمة خلال الأيام القليلة الماضية، ومنها 'واشنطن بوست' و'سكاي نيوز' و'وول ستريت جورنال'، على إعادة تقييم واشنطن لبصمتها العسكرية في الشرق الأوسط بعد الحرب، فيما اهتمت وكالة الأناضول التركية بتتبع تلك التصريحات. وتحدثت التقارير عن مراجعات تجريها وزارة الحرب الأميركية حول إعادة الانتشار في الشرق الأوسط، وتقليص القوات الأميركية، وعدم وجود نية لإعادة بناء القواعد التي تضررت. وترى هذه التقارير أن السبب يعود إلى تضرر القواعد الأميركية بشكل كبير خلال الحرب، بما كشف هشاشة نموذج القواعد الكبيرة والثابتة القريبة من إيران.
كما أشارت إلى تكلفة الحرب، التي تجاوزت وفق تقديرات وزارة الحرب الأميركية 37 مليار دولار، من دون احتساب تكلفة إعادة بناء القواعد المدمرة. ويطرح ذلك سؤالاً مركزياً حول مدى حداثة هذه التوجهات، وما إذا كانت مرتبطة بالحرب مع إيران بالفعل، أم أنها خطوة ضمن استراتيجية طويلة المدى للإدارات الأميركية المختلفة خلال العقد الأخير.
يشير تتبع استراتيجيات الإدارات الأميركية الأخيرة، منذ عهد الرئيس باراك أوباما حتى اليوم، إلى تنفيذ خطة للانسحاب الأميركي التدريجي من المنطقة بعد حربي العراق وأفغانستان. وتكاملت استراتيجيات الإدارات المتتالية لتحقيق التعاون والاندماج بين حلفاء واشنطن في المنطقة تحت مظلة أمنية وعسكرية تقودها القيادة المركزية الأميركية في الشرق الأوسط، مع العمل على دمج إسرائيل في إطارها مع حلفائها العرب، وتحديد إيران عدواً معلناً.
وكان الهدف المعلن إعداد دول المنطقة لتكون قادرة على الدفاع عن نفسها وتقليص اعتمادها التدريجي على واشنطن. ومن ثم، فإن طرح مخططات إعادة انتشار القوات الأميركية اليوم، وعدم إعادة بناء القواعد المدمرة، وتقليص الوجود الأميركي، قد يمثل خطوة متقدمة في تنفيذ هذه الاستراتيجيات السابقة.
وترتب واشنطن علاقاتها مع حلفائها في الإقليم من خلال اتفاقيات ثنائية للتعاون الدفاعي، تضمن تبادل المعلومات وشراء الأسلحة والتدريب ووضع القوات وتحركاتها في الدول التي تقيم فيها الولايات المتحدة قواعد عسكرية. ويمتد هذا التعاون إلى إطار أوسع من خلال القيادة المركزية الأميركية، التي تعمل ضمن شبكة تعاون إقليمي تقودها واشنطن وفق رؤيتها للأخطار المحدقة بالمنطقة.
إلا أن التنسيق الأمني مع دول المنطقة، خصوصاً الخليجية منها، يقوم على عدة اعتبارات، فهذه الاتفاقيات لا تضمن لدول الخليج دفاع الولايات المتحدة عنها، لأنها ليست اتفاقيات دفاع مشترك. كما أن الوجود العسكري الأميركي يلبي أهداف واشنطن في المنطقة ويندرج أساساً ضمن استراتيجيتها، فيما يأتي جزء من تكاليف هذا الوجود على حساب الدول المضيفة وميزانياتها. كذلك توسع واشنطن حدود التزاماتها الأمنية والعسكرية بقدر تعاون هذه الدول في تحقيق أهدافها السياسية.
ورغم تطور الاتفاقيات الثنائية بين واشنطن والدول الحليفة لها في المنطقة على مدار عقود، فإنها لم تخرج جميعاً عن الإطار التعاوني أو التنسيقي، ولم تشكل التزاماً أميركياً بالدفاع عنها. ومع ذلك، ميزت واشنطن في طبيعة اتفاقياتها بين حلفائها الخليجيين. فالإمارات، على سبيل المثال، حصلت على مكانة دفاعية إضافية بعد تطبيعها مع إسرائيل، وأصبحت خلال عامي 2024 و2025 شريكاً دفاعياً رئيساً لواشنطن، بما يسمح بمشاركتها في التطوير والابتكار الدفاعي. كما أضافت واشنطن في 2023 إطاراً أمنياً جديداً للبحرين يشمل التشاور والاستجابة للعدوان.
وفي العام الماضي، أصدر الرئيس الأميركي أمراً تنفيذياً بشأن قطر بعد الهجوم الإسرائيلي عليها، يتضمن ضمان أمنها وسلامة أراضيها في مواجهة أي هجوم. ورغم ذلك، يبقى الأمر الرئاسي مبادرة سياسية أكثر منه تعهداً عسكرياً تنفيذياً، مقارنة بالمعاهدات التي تحتاج إلى إقرار الكونغرس وترتب التزامات قانونية على الولايات المتحدة.
وفي الاتفاقيات الأخيرة مع السعودية، تضمنت الترتيبات بيع حزمة دفاعية متقدمة، ضمن شرط عدم الإخلال بتوازن القوى مع إسرائيل، وتعزيز الشراكة وتقاسم الأعباء وتغطية تكاليف الوجود الأميركي رسمياً. ومنذ خمسينيات القرن الماضي، نفذ الجيش الأميركي في المنطقة مشروعات هندسية وإنشائية عسكرية ممولة سعودياً بموجب اتفاقات ثنائية. وأثناء حرب الخليج، وافقت السعودية على توفير الغذاء والوقود والمياه والمنشآت والنقل للقوات الأميركية، فيما استُخدمت مساهمات الحلفاء لتغطية تكاليف القوات الأميركية في الخليج.
وأثبتت الأحداث المتلاحقة في المنطقة أن المظلة العسكرية الأميركية لم تُنشأ في الأساس للدفاع عن الدول العربية الحليفة، بل كشفت الحرب على إيران أن هذه المنظومة والشبكة الإقليمية شُيدتا بدرجة كبيرة لحماية إسرائيل، ففي 14 سبتمبر/أيلول 2019، تعرضت منشأتا 'أرامكو' في بقيق وخريص لهجوم أدى إلى تعطيل نصف الإنتاج السعودي، وردت واشنطن بأن الهجوم استهدف السعودية وأنه لا يوجد التزام أميركي بحمايتها. كما لم تمنع واشنطن إسرائيل من شن هجوم على قطر العام الماضي والاعتداء على سيادتها.
وقبل الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حاولت دول الخليج مجتمعة إقناع واشنطن بالعدول عنه، خشية تعرض أمنها للخطر، لكنها لم تستجب. وفي المقابل، استغلت واشنطن اتفاقياتها الأمنية والعسكرية ووجود قواعدها في دول الحلفاء ضمن الشبكة الإقليمية التي نسجتها القيادة المركزية الأميركية في حربها ضد إيران.
وفي عام 2022، كشفت رويترز أن المشروع الأميركي الإسرائيلي استهدف ربط الرادارات وأجهزة الكشف وأنظمة الاعتراض الإسرائيلية والعربية في شبكة دفاع جوي إقليمية لمواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية، وهو ما تحقق لاحقاً.
وخلال العام الجاري، وصفت القيادة المركزية العمليات العسكرية خلال الحرب مع إيران بأنها تكامل بين الدفاعات الجوية والصاروخية للشركاء الإقليميين، وربط لأنظمة الإنذار المبكر وتبادل بيانات التتبع، معتبرة نتائج الحرب دليلاً على فاعلية هذه البنية.
وقد يكون من غير المنطقي، في ظل عدم حسم نتائج الحرب مع إيران، الحديث عن سحب القوات الأميركية من المنطقة وتقليص قواعدها، رغم أن ذلك قد يمثل خطوة متأخرة في استراتيجية طويلة الأمد تقوم على إنشاء شبكة تعاون بين الحلفاء للقيام بمهام واشنطن وحماية أهدافها الاستراتيجية.
وقد تدفع هذه التطورات دول المنطقة الحليفة للولايات المتحدة إلى البحث عن تحالفات سياسية واستراتيجية ودفاعية وأمنية جديدة، إلى جانب تعاونها مع واشنطن، بعدما كشفت الحرب مع إيران والتحولات الإقليمية خلال السنوات الماضية عن مخاطر متصاعدة وأطماع في خيرات المنطقة، في ظل انكشاف دور المظلة الأمنية الأميركية التي تعمل وفق رؤيتها الاستراتيجية، وليس بالضرورة وفق رؤية هذه الدول. وقد فعلت السعودية ذلك، على سبيل المثال، من خلال تطوير علاقاتها مع الصين وروسيا.
ويبقى السؤال: هل تقصد الولايات المتحدة من تصريحاتها الأخيرة بشأن الانسحاب من المنطقة، في ظل اضطرابها، الضغط على دولها لتقديم مزيد من التنازلات، كما ضغطت سابقاً على حلفائها الأوروبيين، أم أن واشنطن تتجه فعلاً إلى إعادة صياغة وجودها العسكري في الشرق الأوسط؟
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا