Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا اقرأ على الموقع الرسمي

اليمن لم ينتهِ فقط كان ينتظر لحظة العودة

ميدل ايست اونلاين

اليمن لم ينتهِ فقط كان ينتظر لحظة العودة

إذا امتد التصعيد اليمني إلى الملاحة، فلن تبقى الحرب أزمة داخلية أو حتى نزاعاً سعودياً – حوثياً، ستصبح جزءاً من أزمة إقليمية تمس الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية.

كان يمكن النظر إلى الهدوء الذي ساد اليمن خلال السنوات الماضية باعتباره بداية نهاية واحدة من أطول أزمات المنطقة، فمنذ الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022، تراجعت المواجهات الواسعة، وبدأ الحديث عن مسار سياسي يمكن أن يضع حداً للحرب، لكن الهدوء لم يكن سلاماً مكتمل الأركان، كان تجميداً لصراع بقيت أسبابه الأساسية قائمة.

اليوم تعود الجبهات إلى الاشتعال، لكن المشهد هذه المرة أكثر خطورة، لأن اليمن لم يعد يتحرك داخل حدوده وحدها، فقد تصاعد القتال بين الحوثيين والقوات المدعومة من السعودية، بالتزامن مع هجمات حوثية على مدن ومنشآت في جنوب السعودية. وأسفرت الهجمات الأخيرة عن إصابة 73 شخصاً، بينما تعرضت منشآت نفطية وخدمية لأضرار واندلعت حرائق في بعض المواقع.

لكن أخطر ما في التصعيد الحالي ليس عدد الصواريخ أو حجم الغارات، بل الجغرافيا التي تتحرك فيها المعركة.

تُشير التطورات الميدانية الأخيرة إلى اقتراب الحوثيين من مدن ساحلية استراتيجية مثل المخا وذُباب، بما قد يمنحهم نفوذاً أكبر على الساحل الغربي وصولاً إلى باب المندب. وهذا ليس تفصيلاً عسكرياً عادياً، فباب المندب يربط البحر الأحمر بخليج عدن، ويشكل ممراً رئيسياً لحركة التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس.

هنا تتغير قيمة اليمن بالكامل، ففي الوقت الذي تتعرض فيه الملاحة في مضيق هرمز لاضطراب شديد، تصبح سلامة باب المندب أكثر أهمية. وتشير بيانات حركة السفن الأخيرة إلى أن 28 سفينة تجارية مرت عبر باب المندب يوم الأربعاء، وهو مستوى قريب من متوسط الأيام العشرة السابقة، في وقت تراجعت فيه حركة السفن عبر هرمز إلى سبع سفن فقط في اليوم نفسه.

المعنى السياسي لهذا التطور واضح: إذا امتد التصعيد اليمني إلى الملاحة، فلن تبقى الحرب أزمة داخلية أو حتى نزاعاً سعودياً - حوثياً. ستصبح جزءاً من أزمة إقليمية تمس الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد العالمية.

لكن اختزال المشهد في مواجهة بين السعودية والحوثيين سيكون تبسيطاً خطيراً، فاليمن يعيش صراعاً داخلياً على شكل الدولة ومستقبلها، بينما تتداخل فيه حسابات إقليمية مرتبطة بإيران والسعودية والولايات المتحدة وأمن البحر الأحمر.

والأخطر أن مؤشرات التوسع الإقليمي بدأت تظهر خارج اليمن نفسه، فقد ذكرت 'رويترز' أن باكستان حذرت إيران من اتساع الهجمات الحوثية على السعودية، في وقت عقدت فيه الرياض وأنقرة وإسلام آباد اتصالات أمنية، مع تأكيد أن أي دور عسكري باكستاني محتمل سيبقى في إطار الدفاع عن الأراضي السعودية. هذه التطورات تكشف كيف يمكن لصراع بدأ داخل اليمن أن يستدعي ترتيبات أمنية بين دول لا تقع أطرافها على الجبهة اليمنية أصلاً.

وهنا تكمن المشكلة الأعمق:

كلما ارتبطت الجبهة اليمنية بأزمات المنطقة الأخرى، أصبح من الصعب الوصول إلى تسوية يمنية خالصة، فالأطراف المحلية لا تتحرك فقط وفق حسابات الداخل، وإنما ضمن شبكة أوسع من التحالفات والضغوط والمصالح. وما يبدأ كمعركة في محافظة يمنية يمكن أن يتحول سريعاً إلى رسالة موجهة إلى عاصمة أخرى. والثمن، في النهاية، يدفعه اليمنيون.

وفق بيانات نقلتها 'وكالة أسوشيتد برس' عن منظمة الصحة العالمية، أدت موجة التصعيد الأخيرة بين 23 أغسطس/اب و5 سبتمبر/أيلول إلى مقتل 194 شخصاً وإصابة أكثر من 880، فيما نزح أكثر من 21 ألف شخص. ومع استمرار القتال، يصبح الخطر ليس فقط في عودة الحرب، بل في عودة دورة يصعب كسرها.

لقد أثبتت السنوات الماضية أن تجميد الجبهات لا يعني حل الصراع. كما أثبتت أن ترك اليمن في حالة لا حرب ولا سلام لا يمنع المنطقة من دفع ثمن أزمته، لذلك، فإن السؤال الحقيقي اليوم ليس: هل عادت الحرب إلى اليمن؟ لقد عادت بالفعل.

السؤال الأصعب هو: هل يستطيع اليمن أن يتجنب أن يصبح مرة أخرى ساحة لحرب أكبر من حدوده؟، فاليمن لا يحتاج إلى هدنة جديدة تؤجل الأزمة، بقدر ما يحتاج إلى تسوية تعيد بناء الدولة وتجمع أطرافها حول مستقبل سياسي واضح، وتمنع تحويل جغرافيته الاستراتيجية إلى ورقة في صراعات الآخرين.

اليمن لم ينتهِ. كان ينتظر لحظة العودة والمطلوب الآن ألا تتحول هذه العودة إلى بداية حرب إقليمية جديدة.

September 10th 2026, 3:58 pm
اقرأ على الموقع الرسمي

0 comments
Write a comment
Get it on Google Play تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا