بين المسلمين والمسيحيين عهد القرآن ورسالة الرحمة والسلام
ميدل ايست اونلاين
بين المسلمين والمسيحيين عهد القرآن ورسالة الرحمة والسلام
القاهرة- يطرح المفكر العربي علي محمد الشرفاء الحمادي في كتابه الجديد "القرآن يشهد بصحة العقيدة المسيحية" رؤية مختلفة للعلاقة بين المسلمين والمسيحيين في زمن تتجدد فيه الصراعات على أسس دينية وهوياتية، وتستدعى فيه ذاكرة الحروب القديمة لتغذية مخاوف الحاضر.
تنطلق الرؤية من كون القرآن مرجعية لإعادة بناء الوعي الديني والإنساني، وتبحث عن المشترك الذي يحول اختلاف العقائد من ذريعة للصراع إلى مجال للتعارف والتعاون والسلام.
تتجاوز رؤية الكتاب الصراع بين المسلمين والمسيحيين لتعود إلى الأصل القرآني الذي يضع التعارف والرحمة والتعاون في مواجهة منطق التناحر والإقصاء، فالاختلاف بين البشر ليس جريمة في ذاته، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الاختلاف إلى كراهية وعدوان.
من أهم مرتكزات هذه الرؤية الدعوة إلى تحرير الأجيال الجديدة من أعباء صراعات لم تصنعها، فالمسلم المعاصر ليس مسؤولًا عن حروب وقعت قبل قرون، كما أن المسيحي المعاصر لا يتحمل مسؤولية ما ارتكبه آخرون في عصور مضت.
على ضوء ذلك، يصبح معنى استدعاء الحروب الصليبية أو وقائع الاحتلال والصدامات التاريخية باعتبارها مبررًا لخصومة مستمرة بين أبناء اليوم، هو تحويل الماضي إلى سجن للحاضر، وإرث الدم إلى وصية للكراهية، أما الحكمة الحقيقية من التاريخ فهي أن نتعلم منه حتى لا نعيد إنتاج مآسيه.
ويؤكد القرآن كذلك أن البشر يُحكم عليهم بما يقدمونه من أعمال ومواقف، فهم ليسوا كتلة واحدة، يقول سبحانه وتعالى (لَيْسُوا سَوَاءً) (آل عمران: 113)، ويشير إلى فئة من النصارى بقوله: (لَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ) (المائدة: 82)، وهي رؤية ترفض التعميم وتحاكم الإنسان إلى موقفه وعمله، لا إلى انتمائه الجماعي.
تقوم الشراكة الإنسانية في رؤية الكتاب، على احترام حق الإنسان في الاختيار، لا على إلغاء الاختلاف العقدي أو مطالبة أحد الطرفين بالتخلي عن إيمانه. يلتقي الإيمان هنا بحرية الاختيار مع مسؤولية الإنسان عن قراره، فلا إيمان حقيقيًا يولد من القهر، ولا عقيدة يمكن أن تفرض على الضمير بالقوة، ولذلك فإن احترام حق الآخر في الاعتقاد يعني رفض تحويل العقيدة إلى أداة لإكراه الآخرين أو الاعتداء عليهم، ولا يعني التنازل عن العقيدة.
يضع القرآن للعلاقة مع الآخر قاعدة تتجاوز مجرد التسامح إلى البر والقسط. وهما هنا منهج لبناء المجتمع وليسا مجرد مشاعر عابرة، فالمسلم والمسيحي اللذان يعيشان في وطن واحد شريكان في حمايته وبنائه، ولهما حق متساوٍ في الأمن والكرامة والعدل، كما أن الاختلاف في بعض القضايا العقدية لا يلغي الإنسانية المشتركة ولا يبرر الإساءة أو العدوان.
يرى المفكر علي الشرفاء الحمادي أن تجاوز الصراع يتحول إلى مشروع عملي حينما يكتشف المسلمون والمسيحيون مساحات العمل المشترك: في مواجهة الفقر والجهل والمرض والفساد، وفي حماية الأسرة والطفل، ودعم التعليم والتنمية، وصيانة كرامة الإنسان، فهو لا يكتمل بمجرد الدعوة إلى التسامح.
على ضوء ذلك يحظى قوله سبحانه وتعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: 2) بدلالة تتجاوز حدود العلاقة الفردية إلى قاعدة لبناء المجتمع؛ فحينما يكون الإنسان محتاجًا إلى الغذاء أو العلاج أو التعليم، يصبح إنسانًا له حق في العون والكرامة، لا أن يتحول دينه إلى معيار لاستحقاقه للرحمة.
السؤال الذي ينبغي أن يحل محل أسئلة الماضي وفق رؤية المفكر الشرفاء هي: ماذا نستطيع أن نبني معًا؟ وكيف نحمي الإنسان والوطن من تكرار المآسي؟، وليس: من اعتدى على من؟ ومن انتصر على من؟
حذر الكتاب من خطورة تحويل الذاكرة التاريخية إلى أداة سياسية لإنتاج الخوف المتبادل؛ فعندما يُقنع المسلم بأن المسيحي خطر دائم، ويُقنع المسيحي بأن المسلم تهديد دائم، يصبح الطرفان أسرى للخوف، وتجد القوى التي تستثمر في الانقسام بيئة مناسبة لتسويق خطابها. والفتنة لا تبدأ بالضرورة من ساحة المعركة، فقد تبدأ من اللغة، حينما يتحول المختلف إلى شتيمة، وحينما يفقد الإنسان القدرة على رؤية الآخر باعتباره إنسانًا له أسرة وأحلام وحقوق.
إذا مسؤولية المفكرين ورجال الدين والمثقفين والإعلاميين أن يصنعوا ذاكرة جديدة؛ لا تنكر التاريخ، لكنها ترفض أن يتحول الماضي إلى قدر أبدي، وتستخلص من جراح الكراهية درسًا يمنع تكرارها، لا أن تعكف على حراستها.
يدعو الكتاب الذي تمت ترجمته إلى عدة لغات إلى تحرير الاختلاف من الكراهية، لا إلى إلغاء الاختلاف بين الإسلام والمسيحية، ولا إلى ذوبان العقائد في بعضها؛ فالمسلم لا يحتاج إلى أن يتخلى عن إيمانه كي يحترم المسيحي، والمسيحي لا يحتاج إلى التخلي عن عقيدته كي يتعاون مع المسلم.
المطلوب أن يصبح الإيمان مصدرًا للأخلاق والعدل والرحمة والسلام، وأن يرفض أتباع الرسالات معًا كل محاولة لاستغلال الدين لتبرير الدماء؛ فلا يتحمل المسلم جرائم جماعة تنتسب إليه، ولا يتحمل المسيحي جرائم فرد أو جماعة تنتسب إلى المسيحية.
تحوي رؤية المفكر علي الشرفاء الحمادي دعوة إلى انتقال حضاري: من فقه الصراع إلى فقه السلام، ومن ذاكرة الغزوات والحملات إلى ذاكرة البناء، ومن لغة الانتقام إلى لغة الرحمة، ومن سؤال من انتصر في الماضي إلى سؤال ماذا سنبني في المستقبل؟
تقاس الأمم بما استطاعت أن تبنيه بعد أن أدركت عبث الحرب، لا بعدد الحروب التي خاضتها، والحضارات تستمر بالعلم والعدل والرحمة، لا بالسيوف، والوطن يحميه العدل بين أبنائه، ولا يحميه الخوف من الآخر.
يعود الكتاب الذي يحظى برواج واسع إلى الأفق القرآني الأوسع: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 103)؛ فالإيمان الذي يأمر بعدم التفريق بين رسل الله يمكن أن يؤسس لعالم يحترم الرسالات والإنسان معًا، ويغلق أبواب الكراهية، ويفتح أبواب التعاون. هكذا تتحول رسالة القرآن من مجرد نص يُتلى إلى منهج لبناء علاقة إنسانية جديدة. تقوم على احترام الاختلاف، والتحرر من أسر التاريخ، وتوسيع دوائر البر والقسط والتعاون، لا البحث عما يفرق المسلمين والمسيحيين. وتصبح الرحمة والسلام ضرورة لحماية الإنسان ومستقبل الأوطان.
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا
اقرأ على الموقع الرسمي
تحميل تطبيق نبأ للآندرويد مجانا